ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
في انعطافه استراتيجية كبرى تنذر بتوسيع رقعة المواجهة الإقليمية، أعلن الحوثيون دخولهم المباشر في حرب الشرق الأوسط عبر استهداف إسرائيل بصاروخ باليستي في الثامن والعشرين من مارس، منهين بذلك فترة من “التريث المدروس” المنسق مع طهران. وفي هذه المقابلة التحليلية، يستعرض أحمد ناجي، كبير المحللين لشؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية (Crisis Group)، الدوافع الكامنة وراء هذا التصعيد وتوقيته المرتبط بتصاعد الضغوط العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
يسلط التحليل الضوء على الحسابات المعقدة للجماعة؛ فبينما يسعى الحوثيون لتعزيز الموقف التفاوضي لمحورهم، يواجهون مخاطر جمة قد تطيح بتفاهماتهم الهشة مع واشنطن بشأن البحر الأحمر، وتهدد الهدنة غير الرسمية مع السعودية. كما تتطرق المقابلة إلى القدرات العسكرية التي لا تزال الجماعة تحتفظ بها رغم سنوات من القصف الجوي، وكيف تحاول الموازنة بين أهداف “محور المقاومة” وتحديات الجبهة الداخلية المثقلة بالأزمات الاقتصادية، في مشهد يضع اليمن وممراته الملاحية الحيوية مجدداً في قلب العاصفة.
دخول الحوثيين على خط المواجهة: الدوافع، التوقيت، ومآلات التصعيد
بدأ جلياً منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أن الحوثيين لم يبيتوا النية قط للبقاء بمنأى عن القتال؛ بل إن تأخر دخولهم عكس قراراً مدروساً جرى اتخاذه بالتنسيق مع طهران. ولم يكن التساؤل ــ كما صاغه الحوثيون أنفسهم ــ يدور حول مبدأ المشاركة، بل حول توقيتها.
لقد سعت إيران إلى إطالة أمد حرب استنزاف ضد خصومها، عبر توسيع رقعة الميدان واستخدام أدواتها تدريجياً مع تطور المواجهة. ويبدو أن الحوثيين اعتقدوا لفترة من الوقت أن استراتيجية إيران ــ المتمثلة في مهاجمة إسرائيل والأصول الأمريكية ومنشآت النفط والغاز في الخليج، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز ــ كانت كافية. وصورت رواياتهم الإعلامية إيران على أنها قادرة على حسم الحرب، فما دامت طهران تملك زمام المبادرة، فما الداعي للانضمام للقتال؟ ومع ذلك، لطالما أكد الحوثيون احتمال دخولهم المعركة بأنفسهم، حتى دون طلب صريح من طهران، إذا ما استشعروا تدهوراً ملموساً في موقف إيران.
والآن، ومع اشتداد الضغوط العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يبدو أنهم قدروا أن اللحظة قد حانت للتدخل. ففي صباح الثامن والعشرين من مارس، أطلقوا صاروخاً باتجاه إسرائيل، متجاوزين بذلك عتبة “الاستعداد المعلن” إلى “الأعمال القتالية الفعلية”، وتعهدوا بمواصلة القصف حتى يتوقف ما وصفوه بـ “العدوان الأمريكي والإسرائيلي” على إيران وفصائل المحور الأخرى.

ويشير توقيت دخولهم إلى أمرين؛ أولاً: قد يسعون إلى تعزيز الموقف التفاوضي لإيران وسط حديث متزايد عن حوار محتمل بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب. فمن خلال فتح جبهة أخرى، يكثف الحوثيون الضغط على واشنطن وحلفائها، مرسلين إشارة مفادها أنه إذا لم توقف الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية، فإن التكلفة ستستمر في الارتفاع. ثانياً: ربما يأتي ذلك رداً على التهديدات المتصاعدة لإيران، بما في ذلك الحديث عن احتلال مشاة البحرية الأمريكية لجزر إيرانية، وعمليات برية محتملة لفتح مضيق هرمز، واحتمال انضمام دول خليجية للمواجهة. وقد مهد الحوثيون لهذا الفكر في تصريحات مختلفة منذ بدء الحرب؛ ففي وقت متأخر من مساء 27 مارس، وقبل ساعات فقط من استهداف إسرائيل، أصدر الحوثيون ما وصفوه بـ “بيان هام” حدد الشروط التي ستدفعهم للتدخل: انضمام دول أخرى إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في محاربة إيران، أو شن هجمات على إيران أو “دولة مسلمة أخرى” من البحر الأحمر، أو تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل للحرب.
ويعد اختيار الحوثيين لهدفهم مؤشراً دالاً؛ فمن خلال مهاجمة إسرائيل حصراً حتى الآن، فإنهم يستعرضون قدراتهم مع تجنب الخرق المباشر للتفاهم الذي توصلوا إليه مع واشنطن بشأن البحر الأحمر. فخلال معظم حرب غزة (من أواخر 2023 إلى 2025)، كان الحوثيون يستهدفون الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تضامناً مع حماس والفلسطينيين. وفي يناير 2024، إبان ولاية الرئيس جو بايدن، شنت الولايات المتحدة حملة قصف في اليمن بهدف وقف تلك الهجمات وتأمين الممرات الملاحية الحيوية. وفي مارس 2025، ومع استمرار الحوثيين في مضايقة السفن الحربية والتجارية، صعدت إدارة ترامب بحملة قصف أعنف استمرت 55 يوماً. وفي مايو من العام نفسه، أبرم الطرفان اتفاقاً تقضي بموجبه الولايات المتحدة بوقف عملياتها مقابل توقف الحوثيين عن استهداف البحرية الأمريكية وحركة الملاحة التجارية، وهي الشروط التي لم تتطرق صراحة إلى إسرائيل.
ويبقى البحر الأحمر نقطة ضغط كامنة؛ فكما أثبتت حرب غزة، يمتلك الحوثيون القدرة على تعطيل الملاحة في البحر وباب المندب، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على التجارة العالمية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز، وهي تداعيات تزداد حدة مع إغلاق مضيق هرمز في الغالب. وقد جعلت إيران هذا التهديد البحري الأوسع صريحاً، حيث تحول ما كان يُروج له كأداة ردع إلى سلاح مستخدم بالفعل.
يشترك الحوثيون في الأهداف مع إيران، لكن لديهم أيضاً حساباتهم الخاصة للمخاطر؛ فهم يعتبرون أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من “محور المقاومة” التابع لطهران لمواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. ويدركون أن دخول الحرب سيعرضهم للهجوم، لكن البقاء بمنأى عنها لفترة أطول كان سيرتب نوعاً آخر من المخاطر، وهو احتمال ضعف راعيهم الرئيسي إلى الحد الذي لا يعود معه قادراً على إمدادهم بالسلاح والمعلومات الاستخباراتية.
في الواقع، يفتح الحوثيون “جبهة محكومة”: يظهرون الاستعداد لمزيد من التصعيد إذا لزم الأمر، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط هامة، خاصة استهداف الملاحة في البحر الأحمر، كاحتياطي. هذا الدخول المدروس يعزز موقف إيران بينما يبقي الحوثيين أوراقهم قريبة من صدورهم. والسؤال الآن هو إلى أي مدى هم مستعدون للمضي قدماً وما الذي هم على استعداد للمخاطرة به؟
- سيناتور أمريكي يتوعد الحوثيين بـ”القصف حتى الإذعان”
- كيف تحولت الجغرافيا اليمنية إلى “رئة” استراتيجية لطهران؟
إلى أي مدى لا يزال الحوثيون يحتفظون بقدرات عسكرية، خاصة بعد الخسائر التي تكبدوها في الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين؟
تلقى الحوثيون ضربات موجعة بين عامي 2023 و2025، لكنهم أبعد ما يكونون عن قوة مستنزفة. فقد دمر القصف الأمريكي في عهدي بايدن وترامب العديد من منشآتهم العسكرية، ومن جانبها، نفذت إسرائيل عشرات الغارات الجوية في اليمن بين يوليو 2024 وأكتوبر 2025، استهدفت مخازن أسلحتهم وقتلت عدداً من كبار ضباطهم العسكريين. وما حمى الحوثيين من الدمار الشامل هو أن جزءاً كبيراً من ترسانتهم مخفي عن الأنظار الجوية في التضاريس الجبلية الوعرة. وبذلك، تمكنوا من الحفاظ على جزء من ميزتهم في الحرب غير المتكافئة، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما في ذلك الغواصات المسيرة. ورغم أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد أضعفت تلك القدرات، إلا أنها لم تقضِ عليها، مما يعني أن الحوثيين لا يزال بإمكانهم ممارسة الضغط في البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمكن لهجوم واحد على ناقلة نفط أن يبقي معظم السفن التجارية حبيسة الموانئ. وحتى قبل انخراط الحوثيين في الحرب، ورغم اتفاق مايو 2025 مع واشنطن، كانت شركات شحن كبرى، مثل (Maersk) و(CMA CGM) و(Hapag-Lloyd) و(MSC)، تتجنب البحر الأحمر إلى حد كبير بسبب ما اعتبرته مخاطر هجمات الحوثيين.
كما كانت الجماعة تعمل بهدوء على إعادة البناء منذ وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، عندما أوقفت هجماتها على السفن وصواريخها تجاه إسرائيل. فقد وسعت إنتاج الأسلحة داخل اليمن، واستمرت شبكات التهريب ــ المرتبط كثير منها بإيران ــ في تدفق الإمدادات الخارجية إلى مخازنهم. وتشير مصادر في صنعاء إلى أن الحوثيين، وقبل أسابيع من إطلاق أول صاروخ باتجاه إسرائيل، كثفوا التدريبات لوحدات الصواريخ والمسيرات وأجروا مناورات بحرية على طول الساحل الغربي لليمن. لقد أرادوا بوضوح أن يكونوا على أهبة الاستعداد لتجدد الصراع عندما يحين الوقت، كما أنهم مستعدون تماماً لتصوير أي نكسات عسكرية إضافية كنصر سياسي عند نهاية الحرب، خاصة إذا فعلت إيران الشيء نفسه.

مع دخول الحوثيين الحرب الآن، ألا يجدون أنفسهم مجدداً في مرمى نيران واشنطن؟ وماذا عن هدنتهم مع السعودية؟ وكيف يفكرون في هذه المقايضات؟
يدرك الحوثيون أن انخراطهم في الحرب يهدد بفقدان مكاسب هامة؛ أحدها هو تفاهم مايو 2025 الذي توصلوا إليه مع الولايات المتحدة بشأن البحر الأحمر. وحتى الآن، لم يخرق الحوثيون ذلك الاتفاق، إذ لم يطلقوا النار على السفن، وإن كان من المحتمل قيامهم بذلك. والمكسب الآخر هو الهدنة غير الرسمية التي أبرموها عام 2022 مع السعودية، التي تقود التحالف العربي. ساعدت تلك الهدنة في إنهاء الحملة العسكرية السعودية ضدهم وأوقفت الهجمات العابرة للحدود من قبل المتمردين على المملكة. أما المحادثات التي كانت تهدف لترسيخ هذا وقف إطلاق النار ــ وضم الخصوم اليمنيين للحوثيين لاحقاً ــ فهي مجمدة لأجل غير مسمى عقب حملة الجماعة في البحر الأحمر (2023-2025)، وقد تنهار تماماً إذا قررت الجماعة إدراج السعودية ضمن أهدافها.
ووفقاً لمصادر داخل الحركة، ثمة عوامل عدة شكلت فكر الحوثيين حيال هذه القضايا. فمن منظور أوسع، رأوا أن قرار التدخل في الصراع هو مسألة بقاء لإيران ولحركتهم على حد سواء. وتشير تصريحاتهم إلى اعتقادهم بأن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية تهدف لهزيمة “محور المقاومة” بأكمله وليس إيران فحسب، وأن ضعف أو انهيار هذا التحالف سيجعلهم مكشوفين. وحول هذه النقطة، أفادت مصادر مقربة من الحوثيين لمجموعة الأزمات (Crisis Group) بأن القادة والقادة الميدانيين موحدون في هذا الرأي.
ومع ذلك، وعلى صعيد مصالحهم الضيقة، يتعين على الحوثيين الآن موازنة ما إذا كانت تكلفة تدخلهم قد تتجاوز ما عانوه خلال حرب غزة. وهنا يبرز خطران؛ الأول هو الانهيار الكامل لاتفاق مايو 2025 مع واشنطن، والثاني اقتصادي؛ إذ تعاني الجماعة بالفعل من ضغوط شديدة بسبب العقوبات الأمريكية، ومن المرجح أن يؤدي صراع أوسع إلى تفاقم هذه الضغوط. لقد استوعبوا تكاليف مواجهة إسرائيل من أجل غزة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بإمكانهم تحمل ضربات حرب أكبر بكثير من الحرب السابقة.
كما يحتاج الحوثيون إلى مراعاة الجبهة الداخلية؛ فقرار التدخل قد يكون أصعب تبريراً مما كان عليه في 2023-2025، خاصة إذا استأنفوا هجمات البحر الأحمر دعماً لإيران. فخلال حرب غزة، تمكنت الجماعة من الاستثمار في التضامن القوي مع القضية الفلسطينية المتجذر في المجتمع اليمني، أما تصوير دمار إضافي في اليمن كخدمة للجمهورية الإسلامية فسيكون طرحاً أصعب قبولاً.
وإدراكاً لهذه المعضلة، بدأ قادة الحوثيين في تأطير موقفهم عبر حجتين رئيسيتين؛ أولاً: القول بأن الولايات المتحدة وإسرائيل هاجمتا إيران لأن طهران تبنت القضية الفلسطينية ودعمت الفصائل المعارضة لإسرائيل، وبالتالي فإن دعم إيران هو امتداد لدعم فلسطين. وقد أعاد بيان 27 مارس التأكيد على هذه النقطة، مصوراً إيران وميليشياتها والمقاتلين الفلسطينيين كجبهة واحدة. ثانياً: التأكيد على ما يصفونه بالعلاقة التاريخية بين اليمن وإيران، وتقديمها كشراكة وقف فيها كل طرف إلى جانب الآخر باستمرار. ولعل اختيار الحوثيين دخول الحرب عبر مهاجمة إسرائيل يعكس الأهمية المستمرة لاستمالة جمهورهم المحلي.
- فتيل البحر الأحمر: كيف يهدد التدخل الحوثي المساند لإيران مفاصل الاقتصاد العالمي؟
- حصري- مجسات غاطسة ورادارات جبلية… المخطط الإسرائيلي لامتلاك أفق الساحل الغربي لليمن

وثمة عامل آخر يجب على الحوثيين مراعاته وهو ما إذا كان استفزاز السعودية يستحق التكلفة، خاصة إذا هاجموا مصالح سعودية. إن إغضاب الرياض قد ينهي محادثات وقف إطلاق النار الدائم المجمدة أصلاً، مما يفتح الباب أمام تجدد القتال مع التحالف العربي وحلفائه اليمنيين. ولهذه المفاوضات شق اقتصادي أيضاً، إذ تهدف لتأمين تمويل سعودي لدفع رواتب القطاع العام في مناطق سيطرة الحوثيين، والذين لم يتقاضوا رواتبهم منذ سنوات. ورغم حيوية هذه الاعتبارات الاقتصادية، إلا أن الحوثيين يعتبرونها ثانوية مقارنة بالتهديد الوجودي الذي قد يواجه إيران و”محور المقاومة”.
كما يمكن للحوثيين استخدام المحادثات المتعثرة مع السعودية كمبرر إضافي للتصعيد. فقد بدأوا بالفعل في تصوير الأزمة الاقتصادية التي يواجهونها كجزء من جهد سعودي-أمريكي لإضعافهم. وفي 26 مارس/آذار، الذكرى الحادية عشرة لتدخل التحالف، حذر كل من عبد الملك الحوثي ورئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط، الرياض من أن التأخير في الوفاء بالتفاهمات السابقة سيترتب عليها عواقب، في إشارة إلى أنهم لن ينتظروا استئناف المفاوضات للأبد. ويبدو أن هذه الرسائل موجهة أيضاً لليمنيين: فبعد دخولهم الحرب، إذا فتح الحوثيون جبهات إضافية، فسيصورون أفعالهم ليس فقط كنجدة لإيران، بل كرد على المظالم المحلية مع السعودية.
لكن ما قد يكون قد حسم حسابات الحوثيين هو اعتقادهم بأن ضبط النفس لم يكن ليضمن سلامتهم؛ بل على العكس، يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستستهدفانهم في نهاية المطاف، سواء تدخلوا لصالح إيران أم لا، وأن بقاءهم كآخر عضو صامد في المحور قد يجعلهم عرضة للخطر بشكل خاص. ومن ثم تصبح المسألة مسألة توقيت: دخول الحرب سيجلب تكاليف فورية، لكن الإحجام عنها قد يفرض مخاطر متوسطة المدى أكثر خطورة. ويشير قرارهم بقصف إسرائيل إلى أنهم اختاروا دفع التكاليف على المدى القريب بدلاً من مواجهة خطر أكبر لاحقاً.
ربما يراهن الحوثيون على نتيجة تدفع فيها إيران الولايات المتحدة وإسرائيل للبحث عن مخرج دبلوماسي، بحيث تروج الجمهورية الإسلامية لمجرد بقائها كنصر. وفي هذا السيناريو الأمثل بالنسبة لهم، سيحافظون على موقعهم القوي في المحور وقيمتهم كقوة ردع نشطة، بدلاً من كونهم قوة مدخرة لصراع مستقبلي.
بعد الهجوم على إسرائيل، كيف قد يصعد الحوثيون مستقبلاً، وماذا يعني ذلك للبحر الأحمر والملاحة العالمية؟
في الوقت الحالي، يكتفي الحوثيون بإطلاق الصواريخ والمسيرات على إسرائيل دون الانخراط في جبهات أخرى. وما سيحدث تالياً سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تطور الحرب الكبرى، ومدى تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل لهجماتهما على إيران، وكيفية ردهما على تحركات الحوثيين. وإذا اشتد الصراع، فمن المرجح أن توسع الجماعة نطاق هجماتها.
وكما سبقت الإشارة، قد يستأنف الحوثيون الهجمات على السفن في البحر الأحمر التي ربطوها بإسرائيل أو الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تنتشر حملتهم البحرية بسرعة إلى باب المندب وخليج Aden، مما يزيد من المخاطر والتكاليف على الشحن التجاري. وسيكون التأثير على التجارة العالمية فورياً، لا سيما في تدفقات الطاقة، خاصة وأن ذلك سيتزامن مع إغلاق إيران لمضيق هرمز. كما يمكن للحوثيين تكثيف قصفهم في الجزء الشمالي من البحر الأحمر، خاصة وأن السعودية تعيد توجيه صادراتها النفطية من الخليج عبر خط الأنابيب (شرق-غرب) إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتوجه ناقلات النفط نحو قناة السويس بدلاً من باب المندب. ورغم أن تعطيل هذا الخط المدفون تحت الأرض سيكون صعباً، إلا أن الحوثيين قد يحاولون ذلك.
وقد تتمثل خطوة تصعيدية أخرى في ضرب القواعد العسكرية الأمريكية ومراكز اللوجستيات في الخليج، أو حتى مهاجمة دول الخليج العربية نفسها، كما فعل الحوثيون سابقاً، بذريعة أن هذه الدول تدعم المجهود الحربي الأمريكي بشكل مباشر أو غير مباشر. وإذا اتخذ الحوثيون هذه الخطوة، فسيقومون بدور مكمل لإيران، مما يضع ضغوطاً إضافية على واشنطن وأي طرف ينضم لحملة تقودها الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز. وقد أعلنت الجماعة بالفعل أن الضربات الإيرانية على دول الخليج العربية هي رد مشروع على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، استناداً إلى استضافة هذه الدول لقواعد عسكرية أمريكية.
ومن غير المرجح أن يقوم الحوثيون بكل هذه الأمور دفعة واحدة؛ فهم عادة ما يضبطون أفعالهم، ويختبرون الضغوط، ثم يعدلون بناءً على المقاومة التي يواجهونها. إنها استراتيجية لإدارة المخاطر. وبعد ذلك، قد يصعدون الهجمات بطرق يصعب التنبؤ بها أو احتواؤها. ففي حملتهم ضد الشحن خلال حرب غزة، صعدوا على مراحل، وزادوا بثبات من نطاق وتعقيد هجماتهم على مدى عامين. ويعتمد تكرار ذلك مرة أخرى على مدى قدرة إيران على الاستمرار في تزويد الجماعة بالأسلحة والمعلومات.
ورغم إعادة تسليحهم، يواجه الحوثيون قيوداً كبيرة تتعلق بمخزونات أسلحتهم؛ فدخول الحرب سيعني مواجهة مطولة تتطلب استخداماً مستمراً للصواريخ والمسيرات، مما قد يستنزف احتياطياتهم تدريجياً. ويزداد هذا الخطر بسبب عدم اليقين حول إعادة الإمداد؛ فإذا اشتد الضغط العسكري على إيران بالتوازي، قد تجد طهران صعوبة في الحفاظ على التدفق الثابت للأسلحة الذي قدمته في السنوات الأخيرة، وسيبقى الحوثيون معتمدين بشكل كبير على مخازنهم الخاصة. وبمرور الوقت، قد يضعفون إلى حد قد يشجع خصومهم اليمنيين على العودة إلى الهجوم.

كيف كان رد فعل الحكومة اليمنية على قرار الحوثيين دخول الحرب، وماذا سيفعل داعمها الإقليمي، السعودية؟
لا ترغب الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ولا السعودية في أن يكون لهما أي دور فيما قد يجره قرار الحوثيين. لكن الرغبة في البقاء بعيداً عن المعمعة شيء، والقدرة على ذلك شيء آخر. فالحكومة اليمنية تعيش بالفعل وضعاً صعباً؛ إذ تركتها التحديات السياسية الداخلية، والضغوط الاقتصادية، والصراع غير المحسوم مع الحوثيين، بهامش مناورة محدود. وقد أدانت الحكومة اليمنية قرار الحوثيين دخول الحرب، محذرة من عواقب وخيمة. وسيؤدي المزيد من تصعيد الحوثيين إلى جعل الأمور أكثر صعوبة، حيث قد يزيد الضغط على الحكومة للانضمام للمجهود الحربي بقيادة الولايات المتحدة، على الأرجح من خلال تعزيز مواقعها حول باب المندب. وقد لا ينتظر الحوثيون خصومهم اليمنيين للقيام بذلك، بل قد يتحركون استباقياً ضد القوات الحكومية المنتشرة في المناطق الساحلية لتعطيل أي تحالف عسكري مع الولايات المتحدة قبل تشكله.
أما السعودية فتعيش وضعاً لا يقل حرجاً؛ فتدخلها في الحرب الأهلية اليمنية منذ 2015 كان أطول وأكثر كلفة بكثير مما توقعت، ولا يزال الحوثيون لم يُهزموا. كما اضطرت الرياض لإنفاق رأسمال سياسي كبير في جهودها الدبلوماسية لدفع الحوثيين نحو المفاوضات في 2022 كشرط ضروري لوقف حملتها العسكرية. وكانت النتيجة هدوء نسبي في اليمن، وإن لم تصل بعد ــ وهو ما تأسف له السعودية ــ إلى اتفاق سلام يمني-يمني يسمح لها بإنهاء تدخلها. وإن اشتعال الحرب مجدداً سيضع كل هذا التقدم، مهما كان هشاً، في مهب الريح. وفي الوقت نفسه، يتعين على السعودية حماية أمنها واقتصادها من أي هجوم إيراني. وستكون غريزة الرياض هي إبقاء قنوات الاتصال مع قادة الحوثيين مفتوحة ومحاولة منع انتشار الحريق. ومع ذلك، فإن لاستراتيجية الاحتواء هذه حدوداً واضحة، وقد تجد الرياض نفسها منساقة مجدداً للمشاركة النشطة رغم محاولاتها تجنب ذلك.
The post دخول الحوثيين على خط حرب الشرق الأوسط.. ما هي المآلات؟ (مجموعة الأزمات الدولية) تجيب appeared first on يمن مونيتور.