عربي
يجبر جيش الاحتلال مُلّاكاً على تمويل إقامة جنوده داخل نقاط تمركز مؤقتة، مستنزفاً أموالهم ومدمراً عقاراتهم التي تتحول إلى مقار مبيت أو استجواب وتعذيب لفلسطينيين يُقتادون إليها في الضفة الغربية، خاصة في جنين وطولكرم.
- أمام شقة صغيرة استأجرها سليم أحمد، في حي الجابريات على أطراف مخيم جنين شمال الضفة الغربية، بعدما طرده جيش الاحتلال الإسرائيلي من منزله، اعتادت سيارة صهريج المياه التوقف وما أن يفتح السائق الصمام لملء خزان العائلة، حتى يقف جندي إسرائيلي مراقباً الكمية، ثم يعطي أوامره بقطع المياه حين ينتصف المؤشر، ومن ثم يشير إلى إفراغ النصف الآخر في منزل أحمد الأساسي الذي يقع على بعد مئة متر، وحوّله الجيش إلى ثكنة عسكرية.
وفق هذه المعادلة القسرية "نصف حاووز الماء لكم والنصف الآخر لجنود الجيش"، عاش أحمد، أحد عشر شهراً، منذ أن دمرت الجرافات العسكرية خطوط المياه خلال الاقتحام الأطول لمدينة جنين ومخيمها، في يناير/كانون الثاني 2025، ولا يقف الأمر عند دفعه ثمن الماء، إذ أجبره الجنود أيضاً على مدّ خط كهرباء من أقرب نقطة في المدينة وصولاً إلى منزله المحتل، بتكلفة وصلت إلى 2500 شيقل (800 دولار)، تكبدها في مقابل الأسلاك والتمديدات.
ما سبق من انتهاكات يتكرر وفق نمط متصاعد، رصده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الضفة الغربية، إذ تشير بيانات المنظمة التي وصلت إلى "العربي الجديد" أن الاحتلال خلال عمليات الاقتحام يعمد إلى السيطرة على منازل فلسطينيين واستخدامها مواقع عسكرية مؤقتة أو نقاط مراقبة واستجواب، بعد إخلاء سكانها قسراً أو تقييد حركتهم داخلها وإجبارهم على توفير كل الخدمات للجنود، وهو ما تعكسه إحصائية وبيانات صادرة عن المكتب في يونيو/حزيران 2025، إذ وثّق 32 حادثة استولت خلالها قوات الاحتلال على 243 منزلا، واستخدمتها كمواقع عسكرية لفترات تراوحت بين ساعات وعدة أيام، ما دمر حياة 1300 فلسطيني اضطر كثير منهم إلى مغادرة منازلهم مؤقتاً قبل أن يعودوا ليجدوا الخراب سائداً داخل بيوتهم.
خريطة الانتهاكات
تتركز معظم الحالات في محافظات شمال الضفة الغربية وتحديداً مخيمات اللاجئين مثل مخيم جنين، ومخيمي طولكرم ونور شمس في محافظة طولكرم، إلى جانب طوباس ونابلس، بالإضافة إلى مناطق أخرى من الضفة الغربية، وبحسب رد مكتب الأمم المتحدة الذي تلقاه "العربي الجديد" فإن الفترة الممتدة بين 28 فبراير/شباط وحتى 15 مارس/آذار 2026، شهدت تصعيدا، إذ استولت خلالها قوات الاحتلال على ما لا يقل عن 60 منزلاً فلسطينياً لاستخدامها عسكرياً، وطردت 400 شخص منها.
ولم يقتصر الأمر على الشمال، فالظاهرة تفاقمت أيضاً في جنوب الضفة الغربية خاصة بعد الحرب الإسرئيلية على إيران، بحسب الحقوقي عماد أبو غوش، أحد أعضاء الطاقم القانوني في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي يعمل على توثيق الانتهاكات.
وبينما عمد الاحتلال إلى إخلاء بعض معسكرات الجيش في محافظات الجنوب مثل الخليل تخوفاً من القصف الإيراني، فإنه يستعيض مؤقتا عنها باتخاذ منازل المدنيين كثكنات، وفق أبو غوش الذي لفت إلى أن الفارق بين شمال الضفة وجنوبها هو أن الاحتلال كان قد أعلن عن عملية عسكرية لدواعٍ أمنية في الشمال، لكن إجبار المواطنين على التعايش مع الجنود وتمويل ثكناتهم قائم في كل المدن.
ووفق القانون الدولي، يتوجب على الجيش الإسرائيلي في حال أراد اتخاذ أحد المنازل أو المباني، أو حتى قطعة أرض ثكنة عسكرية، أن يبلغ أصحابها بشكل رسميولهم حق الاعتراض في المحاكم الإسرائيلية خلال 24 ساعة، مع الالتزام بشرط أساسي وهو ألا يعيق الجنود حركة المواطنين ولا يستخدموا أغراضهم الشخصية ولا يؤثروا على حياتهم اليومية.
بالطبع يتجاهل جيش الاحتلال كل ما سبق، كما يقول أحمد بأن الأمر لم يقتصر على طرده من بيته وتكبده قيمة الإيجارات الشهرية، بل أبلغه جنود الاحتلال أنه في حال رفض الاستجابة لأوامرهم سيفقد المنزل تماماً، فاضطر للرضوخ، قائلاً في حديثه إن هذه المطالب لم تكن لضرورة عسكرية بقدر ما كانت، على حد وصفه، "أسلوباً للتنغيص"، خاصة أن الجنود يمتلكون محولات كهربائية ولا يحتاجون فعلياً إلى التيار القادم من الخارج.
يدمّر الاحتلال المباني التي يتمركز فيها قبل رحيله
طاول ما تعرض له أحمد 15 حالة، خلال العدوان الواسع على مدينة طولكرم ومخيماتها ضمن عملية الجدار الحديدي، التي أطلقها الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية يناير 2025، فتكررت أنماط مشابهة من السيطرة على المنازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية، وإجبار أصحابها على المغادرة من دون منحهم مهلة كافية، وغالباً ما طرد السكان من دون السماح لهم بأخذ مقتنياتهم الأساسية، وما يزال 45 ألف فلسطيني من سكان مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين خارج منازلهم، بعد نزوحهم قسراً، بحسب بيانات لجان الخدمات الشعبية بالمخيمات، التابعة لدائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية.
في كثير من الحالات بقيت المنازل مفتوحة أو مكسورة الأبواب، وأخرى اقتحمها الجنود بعد تفجير أبوابها وتفتيشها والعبث بمحتوياتها ونهبها، ومن بين المتضررين إيهاب علي، الذي يروي لـ"العربي الجديد" أن الجنود استولوا على منزله في منطقة سوق الذهب وسط مدينة طولكرم وحولوه إلى ثكنة عسكرية لمدة أسبوع، خلال تلك المدة أجبروه على شحن عداد الكهرباء مسبق الدفع الخاص بالمنزل بمبلغ 300 شيقل (100 دولار) ليستفيدوا منه خلال فترة تمركزهم داخله.
يتجسد ذلك بوضوح في مخيم جنين ومحيطه، حيث تحولت منازل المدنيين فعليا إلى نقاط تمركز لقوات الاحتلال، بحسب رئيس اللجنة الشعبية لخدمات المخيم محمد الصباغ، مشيرا إلى أن قوات الاحتلال، ومع بداية العدوان على المدينة ومخيمها في مطلع العام الماضي، استولت على 12 منزلاً و6 عمارات سكنية وحولتها إلى ثكنات، وأضاف الصباغ أن الجنود، في الأيام الأولى من سيطرتهم عليها، كانوا يتواصلون مع أصحابها كلما نفد الرصيد في عدادات الكهرباء، ويطالبوهم بإعادة شحنها على نفقتهم الخاصة لكن مع تدمير البنية التحتية داخل المخيم، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه، لجأ الجيش لاحقاً إلى ربط هذه الثكنات مباشرة بأقرب مصدر كهرباء متوفر في المدينة.
في طوباس كذلك تحمل المواطنون كامل تكاليف الماء والكهرباء في المنازل التي اتخذها الجيش ثكنات عسكرية وعددها 25 منزلاً، بحسب تقديرات رئيس بلدية طوباس محمود ضراغمة.
بيوت التعذيب
بعدما يبسط جيش الاحتلال سيطرته على بيوت المدنيين يحولها إلى ثكنات ميدانية يمارس فيها ما يقوم به في مقاره، فالمباني السكنية التي تضم عدة شقق تتحول غالباً إلى أماكن لمبيت الجنود، قد يقيمون فيها أياماً أو أسابيع، قبل أن يغادرونها تاركين خلفهم أثاثاً محطماً وجدراناً مثقوبة وآثار خراب واضحة، وفي حالات أخرى، يختار الاحتلال منازل فخمة أو بعيدة نسبياً تقع في مناطق أكثر هدوءاً ليحولها إلى مراكز قيادة تُدار منها العمليات العسكرية وتتخذ فيها القرارات الميدانية، وفي حالة ثالثة استخدم المنازل، مراكز تحقيق ميدانية، يُقتاد إليها الشبان والمواطنون الذين يُعتقلون خلال حملات المداهمة والتفتيش، حيث يُستجوبون داخل غرف البيوت نفسها التي ربما كانت تؤوي عائلات أقاربهم.
ومن هؤلاء، العشريني حمزة حمدان من ضاحية شويكة شمال طولكرم، الذي اعتقلته قوات الاحتلال في مايو/أيار الماضي أثناء وجوده وسط المدينة واقتادته معصوب العينين إلى واحد من المنازل التي تتمركز فيها بشارع نابلس بالقرب من مخيم طولكرم، ويري ما جرى قائلا: "احتجزوني لأكثر من ست ساعات برفقة 15 شاباً، وتعرضنا للضرب والتعذيب بصور مختلفة، وفي عدة مرات بعد الاستجواب أوهموني بالإفراج عني إذ يقتادونني إلى باب المنزل، ثم يعاودون تعصيب عيني واحتجازي مرة ثانية".
خسائر حكومية كبيرة
يستذكر رئيس قسم الطوارئ في بلدية طولكرم المهندس حكيم أبو صفية، ما وقع خلال أحد الاقتحامات العسكرية المتكررة للمدينة، إذ تحدث معه عبر الهاتف ضابط إسرائيلي وأمره بالحضور لإجراء صيانة الكهرباء في أحد المنازل التي حولوها إلى ثكنة ميدانية، فحاول قطع الطريق عليه بإبلاغه أنه يتعين عليه التنسيق عبر جهاز الارتباط العسكري، حينها هدده الضابط إن لم تحضر طواقم البلدية "سوف نأتي نحن لإحضارها"، ويشير أبو صفية، بأن بلدية طولكرم تدرك تماما بأنها تتعامل مع احتلال غاشم وإن لم تستجب لأوامره المجحفة سوف يدمر أكثر وأكثر في الأعيان المدنية وبالتالي خسائر هائلة على المواطنين. مبيناً أن مدينة طولكرم هي الوحيدة التي تقدم خدمة الكهرباء والماء للمواطنين مباشرة وليس عبر شركات خاصة، وجيش الاحتلال بإمكانه جلب مولدات كهرباء واستخدامها وقد فعل في بعض المواقع، من دون استعمال عدادات الدفع المسبق التي تشرف عليها البلدية، لكنه يتعمد إذلال طواقم البلدية بعد تفتيشها وترهيبها.
في الوقت ذاته، لم يكن بإمكان البلدية إيقاف خدمة الكهرباء، يقول أبو صفية "لا نستطيع قطع الكهرباء عن المخيمات حتى لو كان الجيش بداخلها، وهذا من باب تعزيز صمود المواطنين وإن كان الثمن تكبد خسائر فادحة".
33430 دولاراً قيمة فاتورة الكهرباء لخمسة مبانٍ شغلها الاحتلال
هذه الخسائر يفصلها رئيس بلدية طولكرم رياض عوض، مبينا أن قيمة استهلاك الكهرباء خلال السيطرة الإسرائيلية على خمسة مبانٍ حولها الجيش إلى ثكنات عسكرية بلغت 103657 شيقلاً أي ما يقارب 33430 دولاراً، وفق ما تبينه مذكرة داخلية اطلع عليها "العربي الجديد" صادرة من دائرة الكهرباء في البلدية، ولتغطية هذه المبالغ وتسديدها ما زالت بلدية طولكرم تتواصل مع وزارتي المالية والحكم المحلي، وحتى إعداد التحقيق لم يكن هناك اتفاق بين البلدية والجهات المذكورة أعلاه، على الآلية التي سوف يتم من خلالها تعويض البلدية، نتيجة للأزمة المالية التي تمر بها الحكومة الفلسطينية مؤخرا.
أما في جنين فالصورة مختلفة عنها في طولكرم، فخدمة الكهرباء تابعة لشركة توزيع كهرباء الشمال (مساهمة عامة محدودة أسستها بلديات وهيئات محلية)، التي تكبدت خسائر فادحة خلال فترة حرب السابع من أكتوبر، تجاوزت الـ 16 مليون شيقل أي أكثر من خمسة ملايين دولار تقريباً، بين تدمير محولات الكهرباء داخل مخيم جنين وكذلك ضرب خطوط وشبكات الكهرباء في المدينة والمخيم.
فيما واصلت الشركة كما يقول، مدير فرعها في جنين ناصر أبو عزيز تقديم الخدمة للمواطنين، رغم كل المخاطر التي تعرضت لها الطواقم أثناء إجراء الصيانة بعد كل انتهاك من قبل الاحتلال، مشيراً إلى أن خسائر استخدام الجيش للكهرباء داخل مخيم جنين ومحيطه ما تزال حتى اللحظة مجهولة، لأن المنطقة عسكرية مغلقة وبالتالي هناك صعوبة كبيرة في الوصول إلى قراءة العدادات، ومع ذلك فالمبالغ المالية أو قيمة مصاريف الكهرباء هذه لن يتحملها المواطنون بكل تأكيد.
ولا تقف تبعات الأمر عند التكاليف المباشرة، بل تأخذ أشكالاً أكثر قسوة تمس المأوى ومصدر الرزق، وهو ما يتجلى في حالة رائد يونس، الذي أحرق جنود الاحتلال منزله بمحاذاة مخيم طولكرم ودمروا كل محتوياته، بعد أن اتخذوه ثكنة عسكرية لمدة 6 أشهر، واستخدموه للتحقيق الميداني، لكونه قريباً من مخيمي نور شمس وطولكرم، وأجبرت عائلته على ترك المنزل من دون أخذ أي مقتنيات، فلم يعطهم الجنود مهلة حين اقتحموه بعد منتصف الليل وأجبرهم على الخروج فوراً، علماً أن المنزل كان يضم خمسة مخازن يستخدمونها كمحال تجارية، وبطردهم من بيتهم، خسروا أعمالهم ومصدر دخلهم، يقول يونس بحسرة :"عندما وصل إليّ النبأ أن الاحتلال قد أحرق منزلي الذي أسسته بعرق جبيني على مدار سنوات طويلة، أتيت مسرعاً لأتفقده، لكن جنود الاحتلال ضربوني وكسروا يدي".
