عربي
امتدت الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى فضاءات رقمية باتت تلعب دوراً محورياً في إدارة الصراع. وفي قلب هذه المواجهة، برز "تليغرام" منصةً مركزيةً تُستخدم للاختراق والتجسس والدعاية، في موازاة العمليات العسكرية على الأرض.
في هذا السياق، حذّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من استخدام قراصنة مرتبطين بالحكومة الإيرانية التطبيق لاختراق أجهزة حول العالم. وبحسب التنبيه، يستطيع المهاجمون السيطرة عن بُعد على أجهزة الضحايا، وسرقة الملفات، والتقاط لقطات شاشة، وحتى تسجيل اجتماعات عبر منصات مثل "زوم".
وتتم هذه الهجمات عبر آلية مزدوجة تبدأ بخداع الضحية من خلال انتحال صفة جهة موثوقة، كدعم فني أو رقم معروف، ودفعه إلى تحميل ملف خبيث متخفٍّ في هيئة تطبيق شرعي. وبمجرد تثبيت البرنامج، يُربط الجهاز بروبوتات داخل "تليغرام"، ما يمنح القراصنة قدرة كاملة على التحكم عن بُعد، في أسلوب يتيح إخفاء النشاط الخبيث داخل حركة الإنترنت الطبيعية، ويصعّب رصده من قبل أنظمة الحماية.
توازياً، تحوّل التطبيق إلى منصة رئيسية لنشاط مجموعات القرصنة الإيرانية، إذ أشار باحثون في شركة سوفوس البريطانية إلى أن مجموعة "حنظلة" (Handala)، التي ظهرت عام 2023، كثّفت نشاطها خلال ساعات من بدء الحرب، ونشرت بيانات عن عمليات استهدفت أنظمة وبنى تحتية وأشخاصاً في إسرائيل.
كما نسبت تقارير إلى مجموعة APTIran تنفيذ حملات إلكترونية واسعة، نشرت خلالها تسريبات تتعلق بمؤسسات إسرائيلية حيوية، إلى جانب دعوات لقراصنة موالين لإيران لتنفيذ هجمات منسقة. ولم يقتصر استخدام تطبيق تليغرام" على هذه المجموعات، إذ يوظّفه الإعلام الإيراني أيضاً لنشر روايته الرسمية والتأثير في السردية الإعلامية للحرب، في إطار معركة موازية.
في المقابل، لم تتأخر إسرائيل في توظيف المنصة نفسها. ففي 28 فبراير/شباط الماضي، تاريخ بدء العدوان على إيران، أطلق جهاز الموساد قناة باللغة الفارسية موجّهة إلى الإيرانيين. وفي رسالته الافتتاحية، خاطب الإيرانيين قائلاً: "إخواننا وأخواتنا… لستم وحدكم"، داعياً إياهم إلى متابعة القناة ومشاركة صور ومقاطع فيديو توثق ما وصفه بـ"نضالهم ضد النظام".
ولاحقاً، في 21 مارس/آذار الحالي، صعّد الجهاز دعوته، وطلب من الإيرانيين الذين يمتلكون معلومات حول البرنامج النووي التواصل معه عبر "قنوات آمنة"، في خطوة تعكس استخدام "تليغرام" أداةً استخباريةً مفتوحة لتجنيد المصادر.
هذا الاستخدام المزدوج للتطبيق، منصةً للاختراق من جهة، وأداةً للتجنيد والدعاية من جهة أخرى، يكشف تحوّله إلى ساحة صراع كاملة، تتقاطع فيها الأدوار الأمنية والإعلامية والاستخبارية. وتزداد خطورة هذا الدور مع تقارير أشارت إلى أن معلومات قدمها مواطنون إيرانيون ساهمت في تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل إيران، ما يعكس تداخل الفضاء الرقمي مع العمليات العسكرية المباشرة.
داخل إسرائيل، يظهر بُعد آخر لاستخدام "تليغرام"، يتمثل في سباق الزمن لنشر المعلومات. فقد كشفت تقارير أن قنوات وروبوتات على التطبيق تنشر معلومات حول إطلاق الصواريخ قبل الأنظمة الرسمية، مستندة إلى بيانات تُسرّب من غرف الطوارئ البلدية وأنظمة القيادة المدنية المرتبطة مباشرة بالرادارات العسكرية، مثل نظام "الثعلب المدني".
يتيح هذا النظام عرض مواقع سقوط الصواريخ المتوقعة وتوقيتها بدقة، ما يمكّن بعض المشغلين من نشر المعلومات فور ظهورها، قبل اتخاذ القرار الرسمي بتفعيل صفارات الإنذار.
غير أن هذا السبق الزمني لا يخلو من مخاطر. فبحسب مطور تطبيق "الإنذار الأحمر" ليرون بار، تتأخر الأنظمة الرسمية عمداً بضع ثوانٍ لإجراء تحقق إضافي وتجنب الإنذارات الكاذبة، إذ قد يتبيّن أن الصاروخ لن يسقط داخل إسرائيل. في المقابل، تنشر القنوات غير الرسمية المعلومات الأولية فوراً، رغم احتمال عدم دقتها.
ويحذّر بار من أن هذه السرعة قد تسبِّب ذعراً غير مبرر، خصوصاً أن نقل المعلومات عبر هذه القنوات يخضع أحياناً للتشويه أو سوء الفهم، في ما يشبه "لعبة على الهاتف". ويؤكد أن النظام الرسمي يظل الأكثر موثوقية، كونه مرتبطاً مباشرة بأنظمة الإنذار، وقادراً على منع الإصابات في أكثر من 95% من الحالات عند الالتزام بالتعليمات.
ولا يقتصر استخدام "تليغرام" ساحةَ حربٍ رقمية على المواجهة بين إيران وإسرائيل، إذ سبق أن لعب دوراً مركزياً في الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث تحوّل إلى وسيلة اتصال رئيسية بين المسؤولين الحكوميين والعسكريين الروس على الجبهات القتالية، حتى وُصف بأنه "تطبيق التراسل الفوري لهذه الحرب" وبديل فعلي لأنظمة الاتصالات العسكرية التقليدية.
وتجاوز دوره التنسيق الميداني إلى الدعاية والتعبئة، إذ احتضن عشرات القنوات المؤيدة للكرملين التي تضم ملايين المتابعين، وتنشر محتوى داعماً للحرب وروايتها الرسمية. في المقابل، استُخدم أيضاً منصةً لخطابات معارضة، مثل قنوات تضم عائلات جنود تمت تعبئتهم قسراً.
كما برز أداةً للعمليات النفسية، إذ كشفت دراسات أوكرانية أن قنوات مرتبطة بروسيا سعت إلى "خفض الروح المعنوية" للأوكرانيين عبر نشر معلومات مضللة حول خسائر الجيش، ما دفع كييف إلى حظر استخدام التطبيق على أجهزة الموظفين الحكوميين والعسكريين.
وعلى المستوى الميداني، استخدم العسكريون الروس التطبيق لتبادل المعلومات التكتيكية في الوقت الفعلي، بما في ذلك تحديد الأهداف وتصويب الضربات، مستفيدين من سرعته وقدرته على العمل حتى في ظروف اتصال ضعيفة، رغم التحذيرات من مخاطر الاختراق، التي غالباً ما ترتبط بأخطاء المستخدمين مثل الضغط على روابط خبيثة أو تسريب البيانات.

أخبار ذات صلة.
الحرب تعيد الغاز اليمني إلى الواجهة
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة