عربي
يشكل مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت محط الأنظار عند اندلاع كل حرب مع إسرائيل. وتعجّ صفحات التاريخ باستهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمطار بيروت أكثر من مرة، وهو المطار المدني الوحيد العامل في لبنان. بدأت رحلة استهداف المطار في تاريخ المواجهات اللبنانية مع إسرائيل في 28 ديسمبر/ كانون الأول عام 1968، يوم قامت فرقة "كوماندوز" إسرائيلية بعملية خاصة لتفجير 13 طائرة ركاب وطائرة شحن، ردّاً على عملية قامت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل يومين ضد الرحلة 253 لخطوط طيران "العال" الإسرائيلية في مطار العاصمة اليونانية، أثينا.
لكن الضربة القاسية الأولى كانت مع اجتياح لبنان في يونيو/ حزيران 1982. يومذاك قصفت القوات الجوية الإسرائيلية المطار ومدرجه وطائرات مدنية قابعة على أرضه، وأخرجته عن الخدمة بشكل كامل لمدة 115 يوماً. تكرر المشهد في اليوم الثاني من اندلاع حرب يوليو/ تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل، إذ أقدمت الأخيرة على استهداف مدرج مطار رفيق الحريري الدولي، وفرضت حظراً جويّاً استمر حتى 17 أغسطس/ آب من العام ذاته.
لم تخرج هذه المشاهد من ذاكرة اللبنانيين الذين يستحضرونها عند كل مواجهة مع إسرائيل، لكن حرب الـ66 يوماً في عام 2024 شهدت اتصالات أميركية وعربية وفرنسية أدت إلى تحييد المطار عن الاستهداف بشرط تشديد الرقابة الأمنية على الرحلات الآتية إليه وضمان عدم استعماله من حزب الله.
ومع اندلاع المواجهة الأخيرة مطلع مارس/ آذار الجاري، بدأت الحكومة اللبنانية منذ اللحظة الأولى سلسلة اتصالات طالبت فيها بتحييد مطار رفيق الحريري الدولي عن الاستهداف، وهذا ما حصل، لكن من دون أي ضمانة متينة، بحسب ما يذكر مصدر رسمي لـ"العربي الجديد".
دفعتنا هذه الأحداث إلى سؤال بعض العاملين في مطار رفيق الحريري الدولي عن ظروف عملهم، خصوصاً أن استمرار عمل المطار خلال حرب الـ66 يوماً أدى إلى اكتساب الموظفين خبرة في كيفية إدارة المطار الوحيد في لبنان، في ظل الاستهدافات الإسرائيلية لمعقل حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي المنطقة المتاخمة للمطار، ولا سيّما عندما يكون الاستهداف في الليلكي وتحويطة الغدير، أو في منطقة الشويفات القريبة كذلك. وهذا ما رصدته عدسات المصوّرين أكثر من مرة خلال المواجهة الحالية أو التي سبقتها، لطائرات خطوط شركة طيران الشرق الأوسط اللبنانية، وهي تُقلع أو تهبط على مدرج المطار في أثناء استهداف هذه المناطق.
كذلك إن الوصول إلى مطار بيروت من الجهة الشمالية أو الجنوبية يُحتّم على العابرين سلوك طريق المطار الجديدة أو طريق المطار القديمة، وكلتاهما تقع في نطاق الضاحية الجنوبية.
يقول أحد موظفي الخدمات الأرضية في مطار بيروت، إنّ الظروف التي عايشها في حرب عام 2024 أكسبته خبرة في العمل وسط ظروف الحرب. ويضيف الموظف الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: "تؤدي ظروف الحرب إلى انخفاض عدد الرحلات بسبب امتناع أكثر خطوط الطيران العربية والأجنبية عن الهبوط في مطار بيروت، نظراً للظروف الأمنية. وهذا يؤدي بدوره إلى انخفاض عدد العاملين على أرض المطار". يفسح انخفاض عدد الرحلات المجال أمام العاملين في المطار لتنظيم أوقات حضورهم إلى العمل، وكذلك تبديل نوبات العمل فيما بينهم. إذ يصبح دوام الحضور والعمل مرتبطاً بموعد وصول أو إقلاع الطائرات، التي لا يتجاوز عدد رحلاتها أصابع اليد الواحدة في بعض الأحيان.
من هذا المنطلق، لا يلتزم العاملون دوام العمل الكامل الذي يكون في الأيام العادية، بل يصبح "حسب الرحلات"، على حد قول الموظف ذاته الذي يؤكد أن أكثر ما يقلقه ليس وجوده في المطار، بل طريق الوصول إليه.
كذلك تتفق معه سحر (اسم مستعار)، وهي مضيفة تعمل على متن خطوط شركة طيران الشرق الأوسط التي لم يتوقف عملها في حرب الـ66 يوماً، ولا في الحرب الحالية، ما دام المطار خارج دائرة الاستهداف. وتؤكد لـ"العربي الجديد" أن أكثر ما يثير قلقها هو العبور إلى المطار، إذ تعرّضت طريق المطار القديمة لكثير من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مباني ومنشآت في الأيام الأخيرة. كذلك شهدت الطريق الجديدة التي تُعرف حالياً باسم "جادة زياد الرحباني" (جادة حافظ الأسد سابقاً) استهداف آليّات تحت مُسمّى اغتيالات.
وتقول سحر إنّ كل ما تفكر فيه في أثناء انتقالها إلى المطار بواسطة سيارة تابعة للشركة، أولادها ومصيرهم في حال تعرّضها لمكروه خلال رحلة ذهابها أو إيابها من المطار. وكذلك في حال استهداف المطار وهي خارج الأراضي اللبنانية. وتضيف: "خلال توجهنا إلى المطار، نحاول العبور بشكل سريع في الطرقات القريبة من مناطق الاستهداف. قبل أن أخرج من منزلي، أتابع الأخبار العاجلة، وأدخل إلى الصفحات الرسمية للمتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، لأعرف إن كان قد وضع أي خريطة تحذيرٍ. وبعد الاطمئنان إلى أنه ما من خرائط في الوقت الراهن، أغادر سريعاً، وفي كل مرة يغير الطيران الإسرائيلي في مناطق قد تكون قريبة منا، أنتظر لتهدأ الأمور قليلاً، ومن ثم أخرج مسرعةً نحو منزلي. هي لحظات صعبة نخوضها في هذه الحرب، وخصوصاً في ظل خوفي الدائم على أطفالي من أن يصيبهم أيّ مكروه، أو أن أعجز عن الوصول إليهم وهم في أمسّ الحاجة إليّ".
لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان في هذه الحالة، هو: هل من خطة في حال تعرُّض مطار بيروت للاستهداف؟ ويجيب مصدر أمني لـ"العربي الجديد" بأن الأجهزة الأمنية والمدنية المشرفة على عمل المطار صاغت خطة طوارئ عام 2023 للتعامل مع الوضع في حال تعرُّض المطار لهجوم إسرائيلي، وأُعيد تفعيلها حرصاً على صحة العاملين والمواطنين وكل الموجودين في المطار. تتضمن هذه الخطة خطوات تشمل حماية المسافرين والعاملين وخطوط الطيران الأجنبية.
ويفصّل المصدر هذه الخطة، ويقول إنّها تبدأ بأولويات السلامة العامة، وهي إخلاء الطائرات من الركاب والطواقم البشرية نحو أماكن آمنة، ومن بعدها تأمين نقلهم إلى خارج المطار. وعلى صعيد آخر، تتضمن الخطة تأمين استمرار عمل برج المراقبة حتى إفراغ مدرجَي المطار، الشرقي والغربي، وكذلك إخطار أي رحلة لبنانية أو أجنبية آتية إلى مطار بيروت بخروجه عن الخدمة. وهذه الخطة عُمّمت لكونها تصلح لأي حدث طارئ، وتشرح دور كل جهاز ومديرية ودائرة في المطار وكيفية التصرف في حال حدوث أي أمر طارئ.
وبحسب المصدر الأمني ذاته، تتضمن المرحلة الثالثة إخلاء الموظفين غير الضروريين وتسليم المطار لكتيبة من الجيش تتولى الدفاع عن أرضه في حال تطوُّر الاستهداف إلى عملٍ على الأرض، مثل عمليات الإنزال وإقفال منافذ الدخول والخروج. وهذا مفاده أن هناك خطة موسعة تنقسم إلى جزأين: الأول يكون عبارة عن إجراءات ضرورية تُعمَّم على كل العاملين في المطار إن حدث أي شيء طارئ، على أن تكون الخطة الأوسع عند تعرُّض المطار لقصف إسرائيلي مباشر، كما حصل في عام 2006.
يقول المصدر إنّ عدد ضباط القوى الأمنية وأفرادها العاملين في المطار يقارب 110 عناصر في أثناء النهار، وينخفض العدد إلى النصف مساءً. وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى الضباط والعناصر في جهاز الأمن العام والجيش اللبناني الذي يتولى إدارة "جهاز أمن المطار"، فضلاً عن ضباط الجمارك اللبنانية وأفرادها الذين يعملون في صالات الوصول والمغادرة وعنابر الشحن. كذلك يضمّ المطار موظفين أرضيين تابعين لشركة طيران الشرق الأوسط، وموظفي الصيانة الخاصة بالطائرات وأجهزة المطار والتفتيش، والعاملين في السوق الحرة، وعمّال حمل الحقائب والتنظيفات والمطاعم والبريد ومكاتب تخليص المعاملات الجمركية المرخص لها. ويُقدّر المصدر عدد هؤلاء بأكثر من ألف موظف في الأيام العادية، لكن في خلال الحرب الحالية يقارب عددهم نحو 600 موظف نهاراً، وينخفض إلى النصف ليلاً، وذلك بسبب توقف عمل شركات الطيران في مطار بيروت، باستثناء الخطوط الجوية اللبنانية.
يبدو المشهد لافتاً في مطار رفيق الحريري الدولي. فكل شيء هنا يعمل على ما يُرام، أقله بالنسبة إلى الشركة الوحيدة التي لا تزال تعمل، وكذلك لموظفي المطار. بهذه العبارة يشرح عنصر أمني يعمل في نقطة التفتيش في المطار الحال اليومية لعملهم، ويقول لـ"العربي الجديد": "ليس سهلاً أن يقفل المطار أمام الوافدين أو المغادرين، لذلك يعمل المطار بشكل عادي، لكن ما من أحد يضمن بشكل كامل عدم تعرّضه لأي استهداف، وهذا ما نخشاه، فالاستهداف وارد في أي لحظة قد تختارها إسرائيل لإعادة سيناريو عام 1982 أو عام 2006 لإخراجه عن الخدمة وإلحاق الضرر باللبنانيين". ويتابع: "لا شيء يمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من إعطاء الأمر باستهداف المطار، فقد سبق وشارك في عملية 1968 يوم كان ضمن الفرقة الخاصة في الجيش الإسرائيلي". ويضيف العنصر الأمني الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "نتابع العمل في الداخل، نسمع أصوات الغارات الإسرائيلية بوضوح حين تكون قريبة من المطار. في اللحظات الأولى يُصاب الموجودون في المطار بحالة خوفٍ تبدو واضحة على ملامحهم، يُمسكون هواتفهم المحمولة لمعرفة مكان الاستهداف. يتابعون الأخبار العاجلة، ويدقّقون في الإنذارات ويحدّدون مكانها". ويختم بالقول: "من الطبيعي أن يخاف الجميع، فالأصوات قوية، ونشعر بأنّ المكان يرتجّ بقوة، لكننا بدأنا نعتاد هذه الأصوات بسبب خبرتنا في الحرب الأخيرة عام 2024، لذلك نحاول أن نُطمئن الموجودين بأنّ المطار سيكون مكاناً آمناً، وهذا فعلاً ما نتمناه".

أخبار ذات صلة.
فولكسفاغن... من النازية إلى إسرائيل
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة