لبنان: والد الشهيدة غيتا يروي قصة صغيرته التي اغتالتها إسرائيل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
إنّه الثلاثاء 17 مارس/ آذار 2026، تاريخ حُفر في ذاكرة نبيل شمص ووجدانه، وكذلك في سجّلات المجازر الإسرائيلية المرتكبة في لبنان منذ الثاني من هذا الشهر وما قبله بعقود. عند الساعة التاسعة وتسع دقائق من مساء ذلك اليوم، حفظت ذاكرة نبيل مشاهد دم وسط قهر وفقد رهيبَين؛ الاحتلال الإسرائيلي خطف منه صغيرته، ابنة الأعوام الثمانية، في واحدة من مجازره المتنقّلة، التي يمضي من خلالها في إبادة عائلات وتفكيك أخرى وتهجير مئات الآلاف من بيوتهم، لينهي حكايات كانت محاكة بآمال وأحلام وطموحات. في هذا التاريخ، فقد نبيل طفلته غيتا، أو "كتكوت" مثلما اعتاد مناداتها تحبّباً، بغارة معادية استهدفت مبنى بمجمّع "تلال رأس العين" في مدينة بعلبك، شرقي لبنان، الذي يتعرّض لعدوان إسرائيلي منذ الثاني من مارس الجاري. لكنّ مأساة نبيل لا تتوقّف هنا، فزوجته ترقد في المستشفى حيث تتلقّى علاجاً بعد إصابتها في الغارة نفسها وفقدانها إحدى عينَيها. كذلك هو عاجز حتى اللحظة عن إخبارها بأنّ ابنتهما استشهدت تحت الركام في الليلة التي كانت تتهيأ فيها لعيد الفطر وتحضّر ملابسها للاحتفال به، هي التي لا تمرّ لحظة إلا وتعبّر فيها عن عشقها للحياة وللعب والضحك، وبالتأكيد لـ"الغناء". كانت غيتا تحبّ المغنّية بيسان إسماعيل كثيراً وتسجّل فيديوهات وهي تردّد أغانيها، كذلك تستمع إلى المغنّي ناصيف زيتون، وإلى غيرهما. هي تحبّ الموسيقى، والرقص، ومفعمة بالنشاط، والحركة، وتضفي أجواء الفرح أينما حلّت. بهذه الكلمات يتذكّر نبيل صغيرته، وهو يتصفّح تسجيلاتها المصوّرة التي حفظها على هاتفه الجوّال. وفي الوقت نفسه، يتطّلع بمنزله المهدّم، وبألعاب غيتا تحت الركام، من دون أن يصدّق أنّ أمام عينَيه مشهدَين؛ الحياة على شاشة صغيرة والموت على أرض الواقع. من أمام منزل العائلة في محلّة رأس العين بمدينة بعلبك، يخبر نبيل شمص "العربي الجديد" عن تاريخ 17 مارس 2026 المشؤوم، ويتجوّل في مبنى مدمّر يشهد على جريمة إسرائيلية ارتُكبت بحقّ عائلته وجيرانه، ويشير إلى مقتنيات تشهد على طبيعة أهداف جيش الاحتلال؛ دراجة هوائية ورديّة اللون، ودمية، وسيارة بلاستيكية خضراء اللون. إنّها ألعاب أطفال، لطالما استهدفتهم إسرائيل تاريخياً، فراحوا ضحية وحشيتها، علماً أنّ عدوانها على لبنان أسفر، منذ الثاني من مارس الجاري، عن استشهاد ما يزيد عن 120 طفلاً من نحو 1.100 شهيد. ويروي نبيل، وهو كذلك أب لابنتَين أُخريَين من زواج سابق، أنّه "في 17 مارس، كانت زوجتي تحضّر لوازم العيد، لتستكمل التحضيرات بعد العودة من إفطار كنّا قد دعينا اليه. وبعدما أنهينا عشاءنا ووصلنا إلى المنزل، تركتُ العائلة فيه ثمّ خرجتُ لتلبية دعوة. وبعد نحو 35 دقيقة، حصل ما حصل؛ استهدفت غارة إسرائيلية المبنى، فاستشهدت غيتا"، ويشدّد على أنّها كانت "تبلغ من العمر ثمانية أعوام". يضيف: "ونُقلت زوجتي إلى المستشفى، حيث ما زالت تتلقى العلاج، وقد فقدت عينها، بالإضافة إلى أنّها تعاني من كسور في الجمجمة، وفي أنحاء (أخرى من) الجسم، فيما استشهد جاري مهدي وزوجته عليا، نناديها لولا، وابنهما غدي، وقد نجا ابنهما (الآخر) كريم". ويتابع الأب المفجوع أنّ غيتا "كانت تنادينا (هو وأمّها) نبيل ومنتهى، ونحن نسمّيها منذ اليوم الأول على ولادتها كتكوت"، مشيراً إلى أنّه "في 17 مارس قضت علينا. نحن لا نتقبّل الفكرة". ويستدرك أنّ "والدتها، حتى اليوم لا تعلم بما حصل. قلنا لها إنّ غيتا تعرّضت لحادث". ويكمل نبيل كلامه: "غيتا كانت روح البيت، كانت تستثمر كلّ لحظة من حياتها. لو مهما تحدّثت عنها، سأبقى مقصّراً في حقّها". ويتذكّر آخر مشهد جمعه بغيتا، عندما طلب منها النوم في سريرها، فاغرورقت عيناها بالدموع. عندها لم يتمكّن من رفض طلبها، ووافق على أن تنام في فراشهما؛ هو وأمّها. ونبيل الذي عاش خارج لبنان لأكثر من عشرة أعوام، لم يكن يرغب حينها إلا بالعودة لوطنه وأرضه، وبأن تعيش عائلته هنا. ويخبر "العربي الجديد" كيف أنّه خلال تصعيد إسرائيل عدوانها على لبنان في سبتمبر/ أيلول عام 2024، قبل توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، ترك مع عائلته المنزل نحو الشمال، وسط قصف إسرائيلي مكثّف وعشوائي. بعد ذلك، انتقل إلى منزل عمّه في بعلبك، في موقع أكثر أماناً، خصوصاً أنّ غيتا كانت تخاف من الأصوات الصادرة عن القصف، وتضع يدَيها على أذنَيها كلّما سمعت طائرات تحلّق في الأجواء. ويكمل نبيل سرده، مشيراً إلى أنّه في العدوان الأخير، "تركنا المنزل كذلك. وكانت أغراضنا مجهّزة في السيارة، كما دائماً، لكنّنا عدنا إليه قبل نحو أربعة أيام من الاعتداء، إذ إنّ الأوضاع هدأت نسبياً (بحسب تقديراته)، والاعتداءات هنا تتركّز على اغتيالات، أو تصدر إنذارات بالإخلاء قبل أيّ استهداف"، ويلفت إلى أنّه "حتى جيراننا أخذوا روح فينا، وعادوا الأحد، أي قبل يومَين (من الغارة التي خطفت غيتا)". ويقول: "لا أصدّق ما حصل، ولماذا هذا الاستهداف. نحن لا ننتمي إلى أيّ حزب، وبعلبك كلّها تعرفني"، قبل أن يستطرد بأنّه اليوم مستعدّ للمقاومة ومواجهة من خطف صغيرته منه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية