أحلام المسفر والسعي إلى استعادة الطبيعة
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
ضمن المشهد التشكيلي المغربي المعاصر نسجت الفنانة أحلام المسفر (1950) تجربة بصرية متواصلة امتدت لأكثر من أربعة عقود. وُلدت الفنانة في مدينة الجديدة، وبدأت مسارها بين المغرب وفرنسا، حيث تلقت تكوينها في مدرسة الفنون الزخرفية والمدرسة العليا للفنون الغرافيكية في باريس، كما تابعت دراستها الأدبية في جامعة باريس 8. تقدم المسفر لمحة عن هذا المسار الطويل في معرض استعادي جديد يحتضنه Galerie AA في الدار البيضاء بعنوان "السعي الأبدي"، ويستمر حتى 27 مارس/ آذار الجاري. ويضم المعرض مجموعة من الأعمال التي تمتد زمنياً من أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى أحدث إنتاجاتها، مقدماً قراءة شاملة لتطور تجربتها الفنية. تبدو جلّ الأعمال المعروضة مشدودة إلى أسئلة الطبيعة. مأخوذة بالتأمل في العلاقة بين الإنسان ومحيطه. غير أن هذا الانشغال بالطبيعة الذي نجده في أعمالها التصويرية المبكرة سرعان ما يتّسع ليشمل أسئلة إنسانية أعمق تتعلق بالهوية والوجود والتمثيل؛ وهو ما يتحقق بوضوح عبر وسائط فنية أخرى لجأت إليها الفنانة لاحقاً، كالنحت والتركيب الفني. تعبّر لوحات المعرض عن أسلوب يقوم على توازن دقيق بين الحساسية التعبيرية والبناء التركيبي. فاللوحة عند المسفر تُبنى على أساس حوار متماسك بين الكتلة والفراغ وبين الحركة الداخلية للألوان والتنظيم المعماري للفضاء التشكيلي. ففي العديد من اللوحات تُستبعد الخطوط والمنحنيات والزوايا فيما يَرسمُ اللون؛ فاللون هو ما يُفجِّرُ تلك التكوينات ويحدّد أشكالها، وهو أيضاً ما يجعل العمل التجريدي أكثر سلاسة ونقاء. حركة داخلية خفيفة تنتقل من التصوير إلى كثافة التجريد يمكن من خلال بعض اللوحات تتبع الحركة أيضاً، وهي تنبثق من داخل السطح التشكيلي، حيث يتكشف في اللون نفسه أثر الفعل الذي أنتجه. فالانسيابات العمودية أو الأفقية، والانزلاقات العريضة للفرشاة، كلها تشير إلى أن اللوحة هي نتيجة فعل جسدي مكثف في سعيه عبر محاولات وتخمينات إلى الكشف عن رؤى حسية وجمالية مستبطنة. وهو ما يمنح الأعمال طابعاً تعبيرياً واضحاً. إذ تبدو بعض اللوحات كأنها سجلّ لحركة داخلية خفيفة بين الانكشاف والاختفاء. يوضع اللون بكثافة، ثم يبهتُ أو يُمحى ويُسحب، تاركاً خلفه آثاراً شفافة للذاكرة. يبقى العنصر اللافت في لوحات أحلام المسفر هو تلك العلاقة المعقدة بين الضوء والعتمة. فالضوء ينبثق من داخل اللون نفسه وعبره أيضاً. يظهر أحياناً كخط أبيض رفيع يشقّ كتلة زرقاء معتمة كظلمة المحيطات أو سوداء داكنة كعتمة كهف، وأحياناً أُخرى يظهر في شرارات خافتة تُقاوم هيمنة الظلّ. يمنح هذا التوتر إحساساً مختزلاً بروح وجمال الطبيعة. فالعتمة تظلّ شرط توهّج الضوء وليس فناءه. وكلما ازدادت كثافة الظلّ، بدا الضوء أكثر هشاشة وقوّة في آن. وهنا تكمن إحدى مفارقات هذه التجربة حيث يأتي الضوء عادة كومضة صغيرة داخل فضاء معتم، لكنها إشراقة كافية لإعادة تشكيل إدراكنا للمشهد كلّه على النحو الذي يغدو فيه الضوء ذاته هو الجوهر. إذ تعتمد تلك اللوحات في المجمل على علاقات دقيقة بين اللون والخط والملمس. يكفي أحياناً خطّ واحد أو بقعة ضوء صغيرة حتى يتحول السطح بكلّيته إلى مجال لاستثارة بصرية. وبالرغم من هيمنة الأشكال غير المشخّصة على كثير من لوحات المعرض، إلاّ أننا نجد أعمالاً تصويرية من مشاهد طبيعية يعود إنجازها إلى فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأحياناً أطيافاً مبهمة في بعض اللوحات مثل لوحة "الصحوة". تعدّد اللوحات المعروضة باعتبارها إحالة على تراكم زمني سابق، لا ينفي الإحساس الطاغي بأننا أمام سردية تشكيلية واحدة. فمنذ الانطباع الأول داخل فضاء العرض، يجد الزائر نفسه أمام عالم بصري تتجاور فيه العتمة مع ومضات الضوء، وتتقاطع فيه الكتل اللونية الثقيلة مع آثار الحركة والانسياب. وكأن اللوحات جميعها تنتمي إلى لغة واحدة. لغة تقوم على الاقتصاد في العناصر مقابل كثافة الإيحاء. خلال مسيرتها الفنية، استطاعت أحلام المسفر أن ترسخ حضورها المحلي والدولي، وقد تُوّج هذا المسار سنة 2008 بحصولها على وسام الأكاديمية الفرنسية للفنون والعلوم والآداب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية