عربي
برحيل المطربة الشعبية المصرية فاطمة سرحان (1928 - 2026)، طويت صفحة مهمة من صفحات الأرشيف الشفاهي المصري، المتوارث في ربوع البلاد، بلا رعاية حكومية، ولا دراسة أكاديمية.
مثلت تجربتها نموذجاً مهماً للقدرة على استيعاب تنويعات فنية شعبية تختلف باختلاف البيئات المصرية، في الصعيد والدلتا، في الإنشاد والموال البلدي، في الأفراح وحلقات الذكر، واكتسبت مهارة دمج هذه الألوان في أداءات خاصة، منحتها شرعية الحضور في مختلف المناسبات الشعبية، كذلك برزت بصورة لافتة ضمن راويات السيرة الهلالية، وغيرها من السير الشعبية، معتمدةً على أسلوب الحكي الغنائي الذي يتطلب ثقة بالنفس، وقوة الحفظ، وقدرة على التلوين الدرامي للصوت.
هذا التنوع جعل من مسيرتها خريطة متكاملة للفنون القولية والموسيقية في مصر، إذ حافظت على توازن دقيق بين قدسية الإنشاد وحيوية الموال البلدي، فترسخت مكانتها باعتبارها مرجعية فنية للأجيال اللاحقة التي تسعى لفهم أصول الغناء الفلكلوري.
تشكل وعيها الموسيقي في فضاءات الموالد وحلقات الذكر، وهي المساحات التي تفرض على المؤدي اختبارات جادة لإثبات الشخصية الفنية، والقدرة على الارتجال أمام الجمهور. هذا اللون من المراس التدريبي يمنح المطرب صلابة تقنية يفتقر إليها التدريب الأكاديمي حبيس الجدران.
كانت فاطمة سرحان الفصل الأخير من فصول الكتاب الفولكلوري الضخم الذي سطره بكده وسعيه ودأبه المتواصل رائد الفن الشعبي زكريا الحجاوي (1915 - 1975)، مكتشفُ الأسماء الكبيرة من مطربي السيرة الشعبية ورواتها، من طبقة خضرة محمد خضر، والريس متقال، ومحمد طه، وجمالات شيحة، ويوسف شتا، وشوقي القناوي، وسيد حواس.
رحل كل هؤلاء، وامتد العمر بسرحان إلى قرن إلا عامين. ولدت في مركز بسيون بمحافظة الغربية عام 1928، والتقت بالحجاوي في الخمسينيات، لتبدأ مسيرة طويلة مع الغناء الشعبي، ويصل صوتها إلى أثير الإذاعة، وشاشة التلفزيون، قبل الاشتراك الغنائي في بعض الأفلام السينمائية.
في السنوات الأخيرة، نظر كثيرون إلى فاطمة سرحان بوصفها صمام أمان لجانب مهم من جوانب الغناء المصري، وفي وقت كانت فيه الحالة الموسيقية تواجه تشويشاً وارتباكاً، كان صمود سرحان برهاناً على أن الفن الشعبي قادر على التجدد من داخل أدواته الأصيلة.
عكس أسلوبها في الأداء احتراماً عميقاً للمعالم الموسيقية الشعبية والأداء الصوتي الذي يميز الملكات الحقيقيات للغناء البلدي. نبعت ريادتها من قدرتها على تقديم فن رفيع المستوى تقنياً، لكنه يظل مفهوماً ومقرباً لقلوب عموم الجماهير، فهي لم تكتفِ بالحفاظ على الموروث، بل أضافت إليه من شخصيتها القيادية فوق المسرح، ومن قدرتها على تطويع الألحان لتناسب تطلعات المستمع الباحث عن الأصالة وسط ضجيج الأنماط المستحدثة.
كانت تجربة فاطمة سرحان في رحاب المديح النبوي والإنشاد الديني بالغة التميز، فاستطاعت صياغة علاقة فريدة بين جمالية الصوت وجلال الغرض الغنائي. لقد نجحت في انتزاع اعتراف جماعي بقدرة الحنجرة النسائية على قيادة حلقات المديح، وهي مساحة ظلت دائماً حكراً على المنشدين الرجال، وكانت الأصوات النسائية فيها خياراً ثانياً للمستمع.
ومن خلال أدائها لقصائد المدح، قدمت سرحان نموذجاً للمرأة الشيخة التي تجمع بين التمكن النغمي والروحانية العالية، فكان صوتها يرتفع في سرادقات الموالد ليهب المريدين حالة من السكينة والنشوة الروحية، موظفةً في ذلك خامة صوتية رخيمة وصوتاً قادراً على التعبير، وبذلك فرضت شخصيتها الفنية حضوراً طاغياً في الليالي المحمدية ومناسبات آل البيت، مستندةً إلى ثقافة دينية فطرية عميقة وقدرة على حفظ القصائد الطويلة والمربعات الصوفية المعقدة.
وتجلى ذكاؤها الفني في اختيارها لأشعار المديح التي تلامس عواطف البسطاء، فكانت تؤدي الصلوات والمدائح بأسلوب يجمع بين الوقار والحرارة العاطفية، ما جعل من حلقات إنشادها طقساً اجتماعياً يلتف حوله الرجال والنساء على حد سواء. منحت ريادتها في هذا المجال الأجيال اللاحقة من المنشدات الثقة في اقتحام هذا الفضاء، مؤكدةً أن الحال الصوفي لا يرتبط بجنس المنشد بقدر ما يرتبط بصدق التعبير وقوة الأثر.
استطاعت فاطمة سرحان أن توحد في وجدان مريديها بين الفرح الدنيوي في مواويلها الشعبية، والمدد الروحي في إنشادها الديني، صاهرةً الاثنين في بوتقة واحدة تعبّر عن شمولية الشخصية المصرية وتصالحها مع مباهج الحياة وخشوع العقيدة. هذا التوازن الدقيق هو ما جعل منها أيقونة في المديح النبوي، وحوّل صوتها إلى علامة مسجلة في الذاكرة السمعية المرتبطة بالاحتفالات الدينية الكبرى في مصر.
تنتمي تجربة فاطمة سرحان إلى ذلك النمط الأدائي الذي يصلح لأن يكون حائط صد أمام موجات التنميط الموسيقي التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة على الغناء الشعبي في الآونة الأخيرة؛ فحافظت على حيوية الصوت البشري الخالص، وقدرته الفائقة على التعبير الحر بعيداً عن المؤثرات الصوتية الرقمية التي أفقدت الغناء المعاصر هويته الإنسانية.
يمثّل صمود فاطمة سرحان في تقديم القوالب التراثية لقرابة 75 عاماً، انتصاراً للقيم الجمالية القائمة على الارتجال الحي والتفاعل المباشر مع الجمهور، وهي السمات التي تفتقر إليها الأنماط الغنائية المعلبة التي تعتمد على الإيقاعات الاصطناعية المكررة.
يتجلى التباين النوعي في فن فاطمة سرحان من خلال المتن الشعري الذي اختارته بعناية طوال مسيرتها؛ فاستقت مفرداتها من معين الأمثال الشعبية والحكم الريفية الضاربة في القدم. لقد صاغت حنجرتها قاموساً لغوياً يتسم بالرصانة والتهذيب، حتى في أكثر أغانيها بهجة وحيوية، ما جعل من فنها مادة صالحة للاستماع العائلي والجمعي بمختلف طبقاته. يعكس هذا الانضباط اللغوي وعياً عميقاً بمسؤولية الفنان الشعبي بوصفه حاملاً لرسالة أخلاقية، وقدرة على تطويع العامية لتكون لغة أدبية رفيعة تبتعد عن الابتذال اللفظي الذي وسم كثيراً من التجارب الغنائية الحديثة.
تعتمد سرحان على وحدة اللحن والكلمة والأداء الحركي الرزين، ما يخلق حالة من التكامل الفني التي تمنح العمل الشعبي صفة الخلود. لقد ظلت وفية للمقامات الشرقية الأصيلة وللآلات التراثية مثل الأرغول والربابة والدف، مؤكدة أن قوة التأثير الفني تكمن في صدق النغمة وبراعة المؤدي، وليس في ضخامة المؤثرات الرقمية التي تحجب عيوب الصوت وتسطّح التجربة السمعية.
تتجلى قيمة فاطمة سرحان التاريخية في قدرتها على صياغة صورة ذهنية جديدة للمرأة في قلب الفن الشعبي، فتحولت من مجرد مؤدية إلى قائدة تفرض سطوتها الفنية وشخصيتها المستقلة على المسرح. لقد عكست مسيرتها ملامح الست المصرية الأصيلة بتركيبتها المعقدة التي تجمع بين القوة والحنان، وبين الجسارة في مواجهة أعباء الحياة والرقة في التعبير عن المشاعر الإنسانية.
ومن خلال حضورها الطاغي، استطاعت فاطمة سرحان أن تجعل من صوت المرأة ركيزة أساسية في توثيق الوجدان الجمعي، محولةً الغناء إلى أداة لإثبات الذات وتحقيق التمكين الاجتماعي في بيئات كانت تميل تقليدياً نحو المركزية الذكورية، وبرعت في نقل تفاصيل حياة المرأة الريفية والشعبية إلى فضاء الغناء العام، فكانت أغانيها سجلاً حياً لمشاعر الصبر، والانتظار، والفرح بمواسم الحصاد، والاعتزاز بالأصل.
وقد اتسم أداؤها بالواقعية الشديدة؛ إذ نجحت في تجسيد دور الأم الحنون، والجدة الحكيمة، والأخت السند، عبر مواويل تلامس قضايا الهجر والوفاء والترابط الأسري. إن هذا التمثيل الصادق منح المرأة المصرية صوتاً جهوراً يعبّر عن تطلعاتها وهمومها اليومية، وجعل من فنها مرآة تعكس دور المرأة شريكاً فاعلاً في بناء الهوية الثقافية للمجتمع.
اتسمت وقفة فاطمة سرحان على المسرح بحضور خاص يعتمد على الهيبة والوقار، وهي الصفات التي منحتها لقب ملكة الغناء البلدي عن جدارة. ويظهر التحليل السلوكي لأدائها قدرتها الفائقة على إدارة الفرقة الموسيقية (التخت الشعبي) بذكاء وصرامة فنية، ما أجبر الجميع على احترام فنها وتقدير مكانتها.
لقد كانت تقود الحالة الوجدانية للجمهور، وتتحكم في إيقاع التفاعل الحي ببراعة، ما يمثل ذروة التمكين الفني للمرأة؛ فاستبدلت الضعف التقليدي بقوة الحنجرة، والخضوع بفرض الذوق الفني الرفيع. إن هذه الشخصية القيادية جعلت منها نموذجاً ملهماً للعديد من الفنانات اللواتي وجدن في مسيرتها دليلاً على أن الموهبة المقترنة بقوة الشخصية هي السبيل الوحيد لكسر القوالب النمطية وتحقيق السيادة في مجال الفنون الشعبية.
لا ريب في أن رحيل فاطمة سرحان يمثل توارياً لواحد من أهم المصادر الشفاهية التي أرخت للوجدان المصري على مدار قرن من الزمان، فجسدت في شخصها مفهوم المكتبة الموسيقية المتحركة. تكمن القيمة الحقيقية لهذه الفنانة في قدرتها الفائقة على استحضار نصوص ومواويل كادت تنقرض، محتفظةً في ذاكرتها بتفاصيل دقيقة عن طرق الأداء التقليدية التي لم تدونها الكتب والمراجع.
كانت فاطمة سرحان بمثابة المرجع الحي للباحثين في الأنثروبولوجيا الثقافية، إذ قدمت بأدائها توثيقاً صوتياً للتغيرات التي طرأت على الأغنية الشعبية، وحافظت على القوالب اللحنية الصافية التي انتقلت إليها عبر التواتر والسمع في الموالد والنجوع.
تفرض لحظة الغياب ضرورة ملحة للالتفات إلى ما تركته من إرث يحتاج إلى الجمع والتحليل والتبويب؛ يتجاوز الحفاظ على تراث سرحان بأرشفة التسجيلات، إلى محاولة استعادة المنهج الأدائي الذي كانت تتبعه، فإرثها يمثل مادة خصبة للدراسات الموسيقية المقارنة.

أخبار ذات صلة.
السفارة الأميركية في كوبا بقلب المواجهة
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة
السفارة الأميركية في كوبا بقلب المواجهة
العربي الجديد
منذ 35 دقيقة