"العيد الصغير" في المغرب... ألبسة تقليدية وموائد عامرة
عربي
منذ ساعة
مشاركة
استقبل المغرب عيد الفطر في أجواء نابضة بالحياة، حيث عجت الأسواق والمتاجر بالزوار، وتسابق الكبار والصغار على اقتناء الملابس التقليدية والعصرية، بينما فاحت من البيوت والمحلات روائح الحلويات التي تميّز هذه المناسبة، من "الغريبة" إلى "كعب الغزال". ورغم أن العيد يأتي في ظل ظروف دولية صعبة، تتّسم بتصاعد الحرب في الشرق الأوسط والتوترات الإقليمية، إلا أن الاستعدادات لدى المغاربة لم تتغير، في مشهد يعكس التمسك بالعادات والتقاليد والحرص على اقتناص لحظات الفرح والبهجة. وفي الوقت نفسه، تعيش بعض العائلات المغربية حالة قلق على أبنائها المغتربين في البلدان التي تتعرض للغارات والهجمات. تبدأ استعدادات العيد بالعناية بتنظيف المنازل وتهويتها، وتجهيز صالة الضيوف وكل ما يلزم لاستقبال العائلة والأقارب، قبل الانتقال إلى شراء مستلزمات الحلويات وتحضيرها في أجواء مفعمة بالبهجة. ولا تقتصر هذه التحضيرات على الجانب العملي فقط، بل تحمل بعداً وجدانياً، إذ تسعى الأمهات لنقل هذه الطقوس إلى أبنائهن، وصنع لحظات مشتركة تبقى راسخةً في الذاكرة. فالعيد، في الوعي الجماعي المغربي، ليس مجرد مناسبة دينية تعقب شهر رمضان، وتخرج فيه زكاة الفطر، بل هو طقس اجتماعي متكامل تتداخل فيه قيم التضامن والتآخي مع صلة الرحم والسفر للقاء الأقارب. تقول أمينة التوزاني (42 سنة)، وهي ربة بيت: "التحضير للعيد يشمل بالنسبة إليّ تجهيز الحلويات التقليدية مثل الغريبة وكعب الغزال وريشبوند، وأسمح لأبنائي بالمشاركة في مرحلة التزيين والتصفيف. هذه الأوقات المليئة بالفرح والتعاون، تشعرني بأن العيد فعلاً مناسبة تستحق الاحتفال". وتضيف لـ"العربي الجديد": "لا تكتمل فرحة العيد دون شراء ملابس العيد لأبنائي، فهي جزء أصيل من بهجة العيد وذكرياتنا العائلية التي نحرص على التمسك بها". ومن أبرز مظاهر "العيد الصغير"، كما يحلو للمغاربة تسميته، تمييزاً له عن عيد الأضحى أو "العيد الكبير"، مائدته العامرة التي تضم أصناف المخبوزات والفطائر والحلويات التقليدية والعصرية، التي تبرز فيها براعة المرأة المغربية، إلى جانب كؤوس الشاي التي تُقدَّم إلى الزوار منذ الساعات الأولى من صباح العيد، مصحوبةً بعبارات التهنئة مثل: "مبروك عيدكم" و"عواشر مبروكة"، "تعيدوا وتعاودوا"، متمنين الخير والهناء للجميع. كذلك اعتادت معظم الأسر المغربية أن تتناول وجبة الغداء، التي غالباً ما تكون كسكساً بسبع خضراوات، أو طبق اللحم بالبرقوق، أو الدجاج المحمَّر بالزيتون أو البسطيلة أو "السفة" وهو طبق حلو، يُحضّر من الأرز أو الشعرية مع الزبدة والعسل ويُزيّن بشرائح اللوز والقرفة، وهي عادات متوارثة تحرص كل أسرة على إحيائها حسب إمكاناتها. ولا يقتصر استقبال العيد على البيوت فقط، بل يمتد إلى الفضاءات العامة، حيث تكتسي الشوارع والأسواق حيوية خاصة، ويزداد الإقبال على محلات الخياطة والملابس التقليدية، في مشهد يعكس ارتباط المغاربة بأزيائهم التراثية. كذلك تشهد صالونات الحلاقة والتجميل بدورها حركةً مكثفةً، استعداداً لهذا الموعد السنوي الذي يحرص فيه الجميع على الظهور بأبهى حلة. تقول آمال بلعوان (38 سنة)، موظفة وأم لطفلين: "العيد بالنسبة إليّ مصدر بهجة وفرصة للقاء الأهل وصلة الرحم، وهو يمنح الصغار فرحة بملابسهم الجديدة وما يجمعونه من مصروف العيد. أحرص خلال هذا اليوم على العناية أولاً بشكلي وهندامي، ثم إعداد مائدة إفطار العيد، التي تشمل مختلف أنواع الفطائر المغربية التقليدية مثل المسمن والحرشة والبغرير، بالإضافة إلى تشكيلة من الحلويات التي تضفي بهجة على المائدة. أما وجبة الغداء، فاعتدنا أن تكون في بيت والدتي، حيث تجتمع الأسرة حول طبق الدجاج المحمر، ونتقاسم لحظات دافئة من الحديث والضحك، تعيد وصل ما فرقته الأيام". في أحد أسواق الدار البيضاء، بدت الحركة نشطة رغم الشكاوى المتكررة من ارتفاع الأسعار وموجة الغلاء. يقف عبد الصمد بلمقدم (51 سنة)، وهو موظف في شركة خاصة، أمام محل لبيع الملابس التقليدية، متفحصاً جلباباً أبيض. يقول: "من تقاليدنا الأصيلة شراء لباس جديد للعيد، لكن الأسعار ارتفعت كثيراً. الجلباب الذي كان يُباع بثلاثمائة درهم (حوالى 30 دولاراً) أصبح الآن يقارب خمسمائة درهم (حوالى 50 دولاراً)". ورغم ذلك، يؤكد عبد الصمد أنه لن يتخلى عن شراء الجلباب، هذا الزي الأنيق الذي يختزل رمزية الهوية والتراث الثقافي المغربي. ويشير إلى أن ارتداء الملابس التقليدية في العيد جزء أساسي من فرحة المناسبة، حيث ترسم الحشود المتجهة إلى المصليات لأداء صلاة العيد لوحةً نابضةً بالفرح والانتماء. غير أن هذه الفرحة لا تكتمل لدى بعض الأسر. تقول هند ريسان (22 سنة)، طالبة جامعية: "العيد بالنسبة إلينا هذا العام مختلف عن سابقه، فنحن منشغلون بمصير أختي المقيمة في الإمارات. تحدثنا معها أخيراً، وهي بخير، لكن قلب والدتي لا يزال معلقاً بها. لم نُحضّر الحلويات كما جرت العادة، ونفتقد روح المناسبة". ويقول محمد بلغربي (58 سنة)، صاحب محل للحلويات: "هناك إقبال كبير على شراء حلويات العيد، فالكعك والفقاص والغريبة تظل جزءاً أصيلاً من المائدة الكبيرة للعيد الصغير في معظم البيوت المغربية". ويضيف: "كثير من الأسر، وبخاصة النساء العاملات، يفضّلن شراء الحلويات الجاهزة لتوفير الوقت والجهد أو لتقليل التكاليف، فالأهم عدم التفريط في روح العيد".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية