نحو تيار وطني ديمقراطي في فلسطين
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
(1) تهيمن على تفكير بعض المنظّمات الفلسطينية معضلة عسيرة، أن تلك المنظّمات التي شاخ معظمها لا تعرف، على وجه اليقين، أين بات موقع قضية فلسطين على طاولة السياسة العالمية، وإلى أين تسير قضيتها اليوم: هل طُحنت هذه القضية القومية في معمعان الصدام الدامي والمروّع الذي انفجر غداة "7 أكتوبر" (2023) مع إسرائيل؟ هل انحسر زخمها؟ هل ذوى حضورها المتألق ولو موقتاً؟ كيف يمكن إعادتها إلى جدول أعمال العالم العربي بعدما انتقلت الولايات المتحدة من انتهاج الدبلوماسية الفاعلة والمشروعات الاقتصادية (على غرار مشروع مارشال والنقطة الرابعة) للسيطرة على الأسواق والمصادر وحل النزاعات لمصلحتها، إلى التدخل العسكري المباشر والتغول في العقوبات والتهديدات وممارسة الحروب الاقتصادية؟ ماذا يعني ذلك كله لقضية فلسطين؟ إنه يعني إما أن الولايات المتحدة تشعر بالعظمة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة وعدم ظهور قوة مكافئة لها، وبالتالي صار يلائمها التغول السياسي والعسكري على غرار الحرب ضد غزّة ولبنان وإيران، أو أنها باتت تعلم أنها تمر بمرحلة ما قبل الشيخوخة، الأمر الذي يدفعها إلى اتباع سياسات من شأنها تأجيل الشيخوخة، كالعجوز الذي يفتش مهووساً عن عقاقير الشباب. ما عاد ينفع الكلام الجاري أن المقاومة الفلسطينية في غزّة لم تُهزم لأنها فكرة، والفكرة لا تموت في خضم هذه الأسئلة الملحاحة واللجوجة، ما عاد ينفع الكلام الجاري أن المقاومة الفلسطينية في غزّة لم تُهزم لأنها فكرة، والفكرة لا تموت. وبهذا الاشتقاق الشعري، لم تنتصر إسرائيل ألبتة. هذا الكلام زجل سياسي أو، في أفضل الأحوال، مَخْرَج كلامي لا يمتّ إلى الواقع وتفصيلاته الماثلة أمام أعيننا بأي صلة. ومن عجائب المواقف السياسية الرائجة أن كثيراً من التحليلات اليومية التي ما برحت تُصدّع رؤوسنا تكاد تُجمع على أن نكبة 2023-2026 أدهى وأشدّ تأثيراً وأكثر مرارة من نكبة 1948، وأكثر عنفاً وقتلاً وتدميراً وتشريداً ومأسوية. ومع ذلك، ثمة مستوى عال من الهذر ما فتئ يزعم أننا انتصرنا في هذه الحرب انتصاراً لا لبس فيه. والسؤال الجارح: اذا كانت نكبة 1948، وهي الهزيمة بعينها، أقلّ أثراً من نكبة 2023 – 2026 التي هي أشد منها بأشواط، فكيف نقيس الانتصار إذاً؟ فما تحقق من أهداف عملية طوفان الأقصى هو عكس الأهداف التي أُعلنت فور وقوع عملية السابع من أكتوبر 2023؛ فالاستيطان في الضفة الغربية لم يتوقّف، بل توسّع باطراد، والدول العربية لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، وارتفع أكثر فأكثر الحديث عن اتفاقات أبراهام. وبطبيعة الحال، لم يُفّك الحصار عن قطاع غزّة بل بات القطاع مُحتلاً تماماً، وتمادت اقتحامات المستوطنين المسجد الأقصى، وصار بطش زعران التلال الصهيونيين بالمزارعين الفلسطينيين حدثاً يوميّاً، وما عاد أحد يتكلم عن حل الدولة الفلسطينية أو على حل الدولتين إطلاقاً (انظر: عزمي بشارة، المشروع الوطني الفلسطيني: المسار والأسئلة الراهنة، "العربي الجديد"، 25/1/2026). وعلى الرغم من وقائع الأحوال السياسية المتراجعة والتاعسة، ما برحت الحركة السياسية الفلسطينية، بمختلف صنوفها وأطيافها، ترفع شعار "استعادة منظّمة التحرير الفلسطينية" إلى الطريق السوي والثوري. حسناً، ما هو الطريق السوي والثوري في هذه الحال؟ لا جواب، لأن منظمة التحرير ليست عذراء مخطوفة كي نستعيدها، بل هي مؤسّسة خضعت لتحوّلات السياسة والتاريخ وإكراهات الواقع، وهي وصلت إلى وضعها الراهن نتيجة المتغيرات القهرية التي أنشبت أظفارها في جسد قضية فلسطين نفسها، وفي أجساد جميع المنظّمات الفلسطينية المسلحة. وأظن من المحال أن يتمكن أحد من "استعادة" المنظمة، أو إعادة بنائها، كما يحلو له أو لتفكيره، لأن الكلام عن الاستعادة ذهنيٌّ يعكس حالة من التفكير المتعاكس الذي يجعل النتيجة صفراً.  غرق المؤتمر الوطني الفلسطيني الفتي، على سبيل المثال، منذ تأسيسه في 2025 في حال من المراوحة التي أدّت، جزئيّاً، إلى عدم الفاعلية النسبية شعار "استعادة منظّمة التحرير الفلسطينية" سجالي وغير ممكن. ومن المحال أن يتحوّل أي شعار إحراجي شعاراً قابلاً للتحقق. والمعروف أن المنظّمة نشأت في 1964 في ظل الحرب الباردة، ووجدت حاضنة عربية لها في الجمهورية العربية المتحدة قبل هزيمة 1967 (مصر جمال عبد الناصر)، تماماً مثلما وجدت حركة فتح حاضنة عربية لها هي سورية قبل انفراد حافظ الأسد بالسلطة في 1970. وكانت الحرب الباردة تسمح، في أحيانٍ كثيرة، بمظلّة ناجمة عن التوازن الدولي. وتلك المظلة استطاعت، إلى حدٍّ ما، حماية حركات التحرّر الوطني التي انتصرت بالتدريج في الجزائر (أحمد بن بلّة) والكونغو (لومومبا) وغانا (كوامي نيكروما) وغينيا (أحمد سيكو توري) وجنوب أفريقيا (نيلسون مانديلا) وكوبا (كاسترو وغيفارا) وفيتنام (هوشي منه والجنرال جياب والفيتكونغ). أما اليوم فالحرب الباردة، بصيغتها القديمة، انتهت وتمزّقت مظلاتها شر تمزيق، وما عادت هناك قاعدة حاضنة على غرار مصر عبد الناصر أو سورية غداة انقلاب "البعث" والناصريين والوحدويين على حكومة الانفصال في 8/3/1963. وعلاوة على ذلك، تشرذمت الفصائل الفلسطينية التي كان عددها في سنة 1965 اثنين (حركة فتح وجبهة التحرير الفلسطينية) وصار عددها ستة في سنة 1969 (فتح والجبهات، الشعبية لتحرير فلسطين والديمقراطية لتحرير فلسطين والشعبية – القيادة العامة وجبهة التحرير العربية وقوات الصاعقة)، وبات العدد في سنة 2008 نحو 14 منظمة، وأكثر من 20 اليوم. وللأسف الشديد، ما عاد الاهتمام الدولي بقضية فلسطين يركز على حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، بل على إدخال المساعدات الإنسانية وتلبية حاجات السكان، وإعادة الإعمار، ونزع سلاح حركة حماس، ووضع قطاع غزّة تحت رقابة دولية وإسرائيلية. وفوق ذلك، ليس هناك أي مدّ ثوري عربي كالذي عرفته الشعوب العربية في خمسينيات القرن المنصرم كي نتوقع تغييرات تخدم قضية فلسطين، بل ثمّة انحسار يعم المشرق العربي كله، ويعيق إنتاج أفكار وحركات سياسية مستقبلية. ففي خمسينيات القرن الماضي، شهد العرب ثورة 23 يوليو (1952)، وثورة الجزائر في 1954، وتأميم قناة السويس في 1956، ثم العدوان الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر في 1956، والوحدة السورية – المصرية في 1958، وثورة 14 تموز (1958) في العراق وما تبعها من إسقاط حلف بغداد. واليوم لا نشهد غير الصراع السني – الشيعي في لبنان، والصراع السني – الشيعي – الكردي في العراق، وصعود الطائفية إلى ذرى عالية في سورية، ومجازر السكان التي تجري في سياق التفكك الوطني في السودان. (2) إن واحداً من أسباب ضعف السلطة الفلسطينية ووهن منظمة التحرير هو الانقسام الفلسطيني نفسه الذي تتحمل حركة حماس وبقية الفصائل، كلّ بمقدار، الجزء الأكبر منه منذ 2007؛ ففي 14/6/2007 كان الخروج الآثم على الشرعية، وتكريس الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي. وذلك الانقلاب أنهى إمكان التوصل إلى مظلّة وحدوية للفصائل الفلسطينية المختلفة، ودمّر فرصة التعايش في نطاق النظام السياسي الذي تبلور في انتخابات 1996، ثم في انتخابات عام 2006، وقضى على المشاركة السياسية والتعددية الفكرية. ثم إن النظام السياسي الفلسطيني الذي راح يتبلور بالتدريج بعد انتخابات 1996، بدأ يتآكل منذ 2007. وكان للفشل في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2009 و2010 على التوالي، شأن كبير في جعل النظام السياسي غير قابل للتجدّد والتطور إلا بصعوبة كبيرة. والأمر لا يتعلق بمنظّمة التحرير وحدها، أو بالسلطة الفلسطينية أو بحركة فتح، بل هو حالة عامة تُسَربل المعارضة الفلسطينية نفسها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها؛ فقد غرق المؤتمر الوطني الفلسطيني الفتي، على سبيل المثال، منذ تأسيسه في 2025 في حال من المراوحة التي أدّت، جزئيّاً، إلى عدم الفاعلية النسبية. وجرّاء التحولات المتسارعة في الواقع الفلسطيني والإقليمي (وقف النار في غزّة والخطة الأميركية لاحتلال القطاع وإدارته والحرب على إيران ولبنان)، كان على المؤتمر أن يتحوّل من حراك نخبوي غايته الضغط على صانع القرار لتغيير سياسيات منظّمة التحرير ومعها السلطة الفلسطينية، إلى تشكيل تيار وطني ديمقراطي كفاحي، وإلا سيتآكل ويصدأ مثل غيره من الحركات الشعبية المماثلة، علماً أن هذا التحول ليس يسيراً، بل هو عسير جدّاً اليوم، وغير مضمون النتائج. منظمة التحرير ليست عذراء مخطوفة كي نستعيدها، بل هي مؤسّسة خضعت لتحوّلات السياسة والتاريخ وإكراهات الواقع إذا كانت منظّمة التحرير قد شكّلت منذ سنة 1964 المرجعية الشاملة للفلسطينيين، فإن الفلسطينيين اليوم باتوا بلا مرجعية شاملة، وهم، مثل الأكراد، متناثرون في جميع الأمكنة وغير متجانسين في النظر إلى سبل مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، والتصدّي لعدوان المستوطنين، سيّما بعد أن اتخذت السلطات الإسرائيلية في 14/2/2026 قرار تسجيل أراضي الضفة الغربية أملاكاً لدولة إسرائيل، ولم يجد من يردّه. وإذا كانت منظمة التحرير أو حركة فتح شكلتا هوية الفلسطينيين وممثلهم الكفاحي في مرحلة 1965-1993 بالشعارات الوطنية الجامعة (التحرير والعودة ثم حق تقرير المصير والاستقلال الوطني)، فإن فضح الأبارتهايد في فلسطين ومقارعته، وكشف القناع عن النازية الإسرائيلية والتمسّك بالهوية الوطنية وتعزيزها، وتكريس الرواية التاريخية الفلسطينية سيكون، ذلك كله، عناصر للهوية الجامعة في المرحلة السياسية المقبلة (انظر: عزمي بشارة، المصدر أعلاه)، وهو ما يتخطّى الشعارات المزدهرة التي ترفعها الحراكات الشعبية الفلسطينية التي ظهرت قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وبعده، والتي سقطت في شراك الواقع وفخاخه مع الأسف. وها هي الحرب الدائرة على إيران ولبنان تشير إلينا بأن لا سلام في هذه المنطقة من العالم من دون حل المسألة القومية وردع التغوّل الأميركي والنازية الإسرائيلية. والمسألة القومية هي الاسم الرمزي لقضية فلسطين وللتحرّر الوطني، ولا شيء غيرهما إطلاقاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية