هلوسات دونالد ترامب الحربية: كثير من الأيديولوجيا قليل من العشوائية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
إنها الفوضى. هكذا يُمكن وصف العالم خلال عام من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهي فوضى تختصرها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لكنها تُطبّق أينما كان: من روسيا وأوكرانيا، إلى فنزويلا، إلى غرينلاند وبنما والسودان، وإلى لبنان وسورية والعراق، وإلى الكوريتين وكمبوديا وتايلاند، والهند والباكستان، وصولاً إلى القطب الشمالي. وإذا كان الرئيس الأميركي مادةً تثير السخرية والتحسر أحياناً، ويكسب مقلّدوه مشاهدات عالية على منصة "يوتيوب"، فإن الحديث عن هلوساته، لا سيما بحثه الدائم عن الولاية الأميركية الـ51، ورغباته المهجوسة بفكرة السيطرة والاستيلاء والسرقة، لا تُخفي وراءها سياسةً حمقاء، بل نظريات حربية تجتمع حولها أساطير الغرب والشرق، ويديرها "لوبي" ضيّق من المتنفذين والانتهازيين، حيث تُخلع كلّ الأقنعة في واشنطن، لإجبار العالم على رؤية نفسه بعيون أميركية بنسخة ترامبية، وهو ما طعّمه الرجل بشخصيته غير المنضبطة، والمتأثرة بهذه الحلقة من الانتهازيين السياسيين والمتصهينين. منحت عملية فنزويلا جرعة دعم لسياسة السلام من خلال القوة وبات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران يُصنّف على أنه الحرب الأشد خطورة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، ويعكس تطبيقاً عملياً لأسلوب من الأوهام الإمبريالية لم يتوقف دونالد ترامب عن التعبير عنها منذ عودته للبيت الأبيض، وقد تصبح عبئاً إذا ما استمرت كذلك حتى على أقرب الحلفاء للولايات المتحدة. وتجسّد ذلك في موسوعةٍ مثيرة من الخطابات، الأقرب عملياً إلى الهلوسات، ليس من قبل دونالد ترامب وحده، بل من فريقه السياسي، لا سيما حين اعتبر نائب كبير موظفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر، الذي يشار إليه على أنه "العقل الاستراتيجي والمدبّر لترامب"، ومصمّم نظرية "أميركا أولاً"، أنه "بعيداً عن الأفكار الخلّابة"، فإن العالم "يجب ألا يُحكم إلا بالقوة". وقد يكون هذا الخطاب محاولة أميركية متجدّدة بعد غزوات جورج دبليو بوش، لإعادة تركيز خرائط العالم حول مصالح "الأمةٍ المنحدرة"، وفق توصيف المفكر الفرنسي إيمانويل تود للولايات المتحدة في 2001، بعد تنبؤه بانهيار الاتحاد السوفييتي، وهو خطاب يرتكز اليوم في الولايات المتحدة، على حفنة من الأشخاص غير المُنتخبين، بعد أن يتراجع أصحاب الخبرة إلى الخلف، وإلى صفوف المشاهدين. دونالد ترامب يكرس خطاباً خارجياً عالي النبرة وبالتوازي مع إطلاقه أكبر حملة ضد المهاجرين في الداخل، بعد عودته إلى البيت الأبيض، وإطلاقه مشروعاً ضخماً لتفكيك خلايا "الدولة العميقة" في الإدارات، كرّس دونالد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض، خطاباً خارجياً عالي النبرة بأبعاد إمبريالية اقتصادية، مطعّمة بـ"كليشيهاته" وبعض "المؤثرات" التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من خطابه السياسي. وعلى سبيل المثال، فإن "الولاية 51"، أو "إمبراطورية الشر"، أو "ريفييرا غزة"، ليست عبارات ارتجالية أو عرضية، في سياق ما يرى فيه دونالد ترامب استفزازاً للآخرين، إذ يؤمن الرئيس الأميركي بلعبة الإعلام والبروباغندا والتأثير إلى أبعد حدود، وقد تمكن من شدّ عصب مؤيديه حولها، خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021)، ويسعى اليوم إلى إسقاطها على سياساته الخارجية، في إطار حرب الصورة والإعلام والكلمة، وما تسمّى استراتيجية الضغوط القصوى التي يمارسها لإخضاع الخصوم، علماً أنه لا يزال يتجنب في ذلك روسيا والصين وكوريا الشمالية. وافتتح دونالد ترامب فور عودته إلى البيت الأبيض، هذا الخطاب، بـ"ريفييرا غزة"، الذي أطلقه في يناير/كانون الثاني 2025 على القطاع الفلسطيني، في تصوره له بمرحلة ما بعد الحرب، وذلك بعدسة المستثمر ورجل الأعمال، وبتأثير من صهره اليهودي جاريد كوشنر، الذي لم يخف نظرته إلى القطاع من وجهة نظر رجل الأعمال اليهودي، الوفي لإسرائيل، واللاهث وراء مصالحها، والذي بنى شبكة علاقات واسعة في دول الخليج، لا سيما مع الإمارات. إثر ذلك، وجّه دونالد ترامب انتباهه إلى كندا، الدولة الجارة، كاسراً محرمات التحالف الاستراتيجي بين البلدين، والتكامل الاقتصادي والتجاري، والبعد الاجتماعي الذي تعبّر عنه العلاقات المتقاربة بين شعبي البلدين، وذلك بعد تعبيره عن رغبته بـ"ضمّها" لتصبح الولاية الأميركية الـ"51". و"الولاية الأميركية الـ51"، أصبحت علامة مسّجلة في قاموس ترامب، يعمل على إسقاطها على كلّ دولة يدعي إخضاعها، مثل فنزويلا، أو يبدي رغبة في الهيمنة عليها، مثل جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للدنمارك. وإذا ما انتهت حربه على إيران، بهزيمة الأخيرة، فقد نلحظ تسمية هذا البلد بمفردات دونالد ترامب بـ"الولاية الأميركية الـ51"، وهو جزء من لعبة الإبهار واستعراض القوة. ينتهج ترامب خطاباً عدائياً تجاه الحلفاء الأوروبيين السابقين وحلف شمال الأطلسي ومنحت العملية الخاطفة التي نفّذتها قوات أميركية خاصة في فنزويلا وأدّت في 3 يناير/كانون الثاني الماضي، إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو واستبداله في الحكم بنائبته ديلسي رودريغيز، جرعة دعم قوية لنظرية ترامب والمحيطين به حول "السلام من خلال القوة". اليوم، في عقل ترامب، فإن فنزويلا هي "الولاية 51" بحكم الأمر الواقع، حيث لا يتوانى عن اللعب بالمفردات، وإهانة حكّامها، مؤكداً يومياً أنه "عيّن" رودريغيز، وأن بإمكانه أن "يفعل ما يشاء" بفنزويلا ونفطها حتى أنه وصف نفسه مراراً بحاكم فنزويلا بعدما خلع التسمية على وزير خارجيته ماركو روبيو. الكلام نفسه كرّره ترامب أخيراً عن كوبا، الذي اعتبر أنها على "اللائحة بعد إيران"، و"عندما ننتهي من إيران، سنسيطر عليها بالقوة أو بطريقة ودّية"، علماً أن هذا الخطاب، نسخةٌ شبه مكرّرة من خطابه حيال غرينلاند، التي فشل في فرض السيطرة عليها، بعدما أظهرت الدول الأوروبية ممانعة قوية لهذا المسار. وفي إيران، يعتقد ترامب بأنه "يجب أن تكون له الكلمة والرأي في تعيين المرشد" المقبل، بعدما اغتالت إسرائيل المرشد الإيراني على خامنئي. وبينما يتظاهر بأنه مهتم بالشعب الإيراني و"نيله حرّيته"، يخرج عن كل الحدود، واصفاً النظام الإيراني بـ"المتوحش" و"المختل" و"امبراطورية الشرّ". وبينما يواصل ترامب الادعاء بأنه أنهى 8 أو 9 حروب، منتقداً عدم منحه العام الماضي جائزة نوبل للسلام (من بينها حربا تايلاند وكمبوديا، والهند وباكستان، وأذربيجان وأرمينيا، وغزة، ومصر وإثيوبيا، والكونغو الديمقراطية ورواندا، وكوسوفو وصربيا وحتى إسرائيل وإيران)، يدفع بخطاب ديني لتبرير قصف المقاتلات الأميركية نيجيريا، كما يفتح مجالاً لمزيد من التصعيد مع العراق، بقصف فصائل مسلحة، مهدداً بغداد بمزيد من العقوبات، إذا لم يصل إلى السلطة رئيس حكومة يرضى عنه. وفي كل خطاباته، يستخدم ترامب لغة "الويل والثبور"، والتهديد بـ"النار والجحيم"، وبـ"أقوى قوة في العالم" وبـ"بأجمل الأسلحة الفتاكة". خطاب عدائي تجاه الحلفاء ويبرز الجديد في خطاب ترامب أخيراً، ليس فقط لغته الحربية، التي تعتمد على إبراز قوة الأسلحة الأميركية و"جمالها"، وتفوق الجيش الأميركي، بل انتهاجه خطاباً عدائياً تجاه الحلفاء الأوروبيين السابقين وحلف شمال الأطلسي، لا سيما بعد رفضهم المشاركة في حماية مضيق هرمز، واعتبار معظمهم أن حرب إيران "ليست حربهم"، ومن ضمنهم ألمانيا، الحليف الكبير للولايات المتحدة وترامب، الألماني الأصل. وإذا كان مفهومة اللغة التي ينتهجها ترامب حيال إسبانيا، التي تعدّ أحد حصون جبهة "الممانعة" له في الغرب، بعدما شكّلت حكومتها الاشتراكية أحد النماذج النادرة أوروبياً التي خرجت على خطّ الانحياز المطلق لإسرائيل في عدوانها على غزة، والتي تعبّر اليوم من دون مواربة عن رفضها الحرب على إيران، فإن ترامب لم يوفّر دولة حليفة تقريباً من سخطه، وتنمره عليها، بسبب أو من دونه، وذلك بهدف الإذلال، وفق رؤية إمبريالية، تمجّد وتروّج للمنزلة شبه "الإلهية" للولايات المتحدة والجيش الأميركي. يتعامل ترامب مع إيران بلغة أيديولوجية متعصبة رغم ذلك، فإن خطاب ترامب لا ينمّ عن سياسة عشوائية، بقدر ما يُجسّد التعبير العملياتي لاستراتيجية الأمن القومي لفريقه، ولأفكار حفنةٍ من الشخصيات النافذة أو الصديقة، التي أوكلها مهام حيوية في الإدارة الأميركية، متخطياً السياسيين التقليديين أو أصحاب الخبرة أو المخضرمين. ويقول إيان بريمر، رئيس "مجموعة أوراسيا" البحثية في تقرير بصحيفة "ذا غارديان" نشر في 10 يناير الماضي بعنوان "المصلحة الخاصة تتغلب على الأيديولوجيا بينما تؤثر حلقة ضيقة على سياسة ترامب الخارجية"، إن "ترامب هو أكثر الرؤساء الأميركيين في التاريخ الحديث استماعاً إلى مروحة واسعة من الأصوات"، مضيفاً: "إنه على الهاتف دائماً، ويتحدث مع أشخاص، أصدقاء ورجال أعمال شركاء له ورجال إعلان، يكلّمونه طوال اليوم، حتى عندما يكون في مقر إقامته في فلوريدا، مارآلاغو، يكون على السمع، هؤلاء لديهم جميعاً أفكار واقتراحات، وهو يدير أذنه لهم". وبينما يتحدث التقرير عن تأثير وزير خارجية ترامب، ماركو روبيو، على الرئيس لهندسة السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية، يتطرق إلى دور مبعوثه ستيف ويتكوف "قليل الخبرة بحسب منتقديه"، وكوشنر "الذي يعدّ الأكثر تأثيراً واستماعاً وثقة" لدى ترامب، وكذلك نجلي ترامب، دونالد جونيور وإريك، اللذين يركّزان على دول الخليج، ويسعيان لإبقاء العلاقة بينها وبين واشنطن خالية من أي توتر، وقريبة جداً من مصالح شركات ترامب. ولكن لماذا تحولت لغة ترامب إلى حربية؟ في تقرير لها في يناير الماضي، رأت صحيفة نيويورك تايمز أن النظرية التي منحت ترامب "شيكاً على بياض لتنفيذ أي عدوان"، ليست عقيدة مونرو التي أعاد ترامب إحياءها بشأن أميركا الجنوبية وتقوم على مبدأ اعتبارها حديقة خلفية للولايات المتحدة يمنع على الأجانب التدخل بها، بل ما يسّمى بـ"الواقعية المرنة"، التي اعتمدها في السابق الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون، وتقوم على تغليب المصالح الأميركية والبراغماتية في التعامل مع دول العالم وفقها، وذلك عبر عدم البحث عن نشر الديمقراطية أو "بناء الأمم" بل تطويع الشعوب أو حيثما أمكن وفقاً للرغبات الأميركية. وبينما تجد معظم القراءات أن وثيقة الأمن القومي في ولاية ترامب الثانية خلت مما يمكن وصفه بالخطاب الحربي، إلا أن ذلك استثنى إيران التي وصفت في الوثيقة بأنها عدو شرس للولايات المتحدة، كما تلصق بها في مفردات البيت الأبيض اليوم، صفات ذات صبغة دينية تعصبية لتبرير الحرب. وترى قراءات أخرى أن معجم ترامب الذي أصبح اليوم زاخراً بالمصطلحات الحربية، يعود إلى أحد بنود وثيقة الأمن القومي، التي تحثّ على تحفيز الصناعات الحربية الأميركية وتشغيل محركات شركات تصنيع السلاح، أحد أعمدة الاقتصاد الأميركي، على اعتبار أنه الترجمة الفعلية لاستعادة القوة الأميركية وإبقائها الأولى في العالم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية