عربي
يستذكر المرء في هذه الظروف الصعبة صعود اسم إيران أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكيف استحوذ رجل دين آنذاك على إعجاب كبير، شمل أصحاب اتجاهات فكرية شتّى في عالمنا، بما في ذلك في العالم العربي، فقد بدا الرجل؛ الإمام الخميني، آنذاك يحمل في إهابه روحاً شعبيةً تحرّرية مناوئة بشدة للظلم، وقادراً على توحيد الصفوف من خلفه، رغم أنه أمضى سنينه المتأخّرة معتكفاً في العراق، قبل أن تُطلب منه المغادرة، وقد غادر بهدوء إلى منفاه الفرنسي، وقد زاده البُعد عن حدود وطنه سحراً سياسياً وتأثيراً لا يُضاهى. وكيف عاد الرجل إلى موطنه في الوقت الذي كان فيه الإمبراطور محمد رضا بهلوي يغادر بلاد فارس إلى الأبد. يستذكر المتقدّمون في السن تلك الأيام، ومعها اندهاشهم من نجاح باهر لائتلافٍ سرعان ما جمع مكونات سياسية وفكرية شتى وراء القيادة الملهمة للإمام، حتى بدا أن حزب تودة وحركة مجاهدي خلق ووطنيين ديمقراطيين قد اجتمعوا وقادوا شعبهم إلى التخلص من الحكم الإمبراطوري، ومن طاغوت السافاك (جهاز الأمن الشهير). وكيف انحدرت الأمور من بعد إلى احتكار السلطة بأيدي المشايخ وعلماء الدين، وكيف جرى إقصاء (وتهديد) مهدي بازركان (الليبرالي)؛ أول رئيس للحكومة في العهد الجديد، ثم أبو الحسن بني صدر؛ الإسلامي المنفتح على إقامة دولة مدنية وأول رئيس جمهورية منتخب، مع مطاردة الأحزاب اليسارية المشاركة في الثورة، وتأثيم أقل معارضة للنظام الجديد، وهو ما طاول الإصلاحيين، أمثال محمد خاتمي ومير موسوي ومهدي كروبي وغيرهم.
وفي تلك الفترة، أسهم اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980، بعد نحو عام على إطاحة الشاه، في إشاعة جو من التشدّد وكتم أصوات المجدّدين، أمثال محمود طالقاني الذي حاول ربط الثورة الإسلامية برابط وثيق مع الحركة الوطنية الإيرانية التي قادها محمد مصدق في خمسينيات القرن الماضي، وآثار المفكر علي شريعتي؛ اليساري المسلم النابذ المذهبية والطائفية، والأشد سوءاً من ذلك أن الشركاء في الثورة جرت تنحيتهم والتقييد على حركتهم وحتى إرهابهم. وأخذ النظام يتجه أكثر فأكثر نحو اعتناق أيديولوجية أحادية، مع منح رجال الدين سلطة الرقابة على المجتمع، وعلى وسائل التعبير على النظام السياسي، بما في ذلك الانتخابات البرلمانية والرئاسية، حيث يُقصى المترشّحون غير المرغوب فيهم. وبينما كان انتهاء الحرب الطويلة مع العراق يمثل فرصة لإعادة ما هدمته تلك الحرب في البلدين، فقد اعتمد النظام في إيران حينذاك (1989) سياسة تصدير الثورة إلى الجوار، عبر نظرة طائفية ومذهبية لمجتمعات الجوار والمنطقة، بديلاً من بناء الدولة والنهوض بالبلاد. وبقية التطورات يحفظها الأرشيف الحديث. ويستذكرها من هم في الخمسينات من أعمارهم في إيران كما في العالم العربي، وبالذات دول المشرق.
لم تعترض دول الخليج على اتفاق إيراني استراتيجي طويل المدى مع الصين، ولا على اتفاق مماثل بين إيران وروسيا، فلماذا تعترض إيران على اتفاقيات استراتيجية تبرمها دول خليجية؟
وإذ يتابع الناس في منطقتنا هذه الأيام الحرب التدميرية على إيران، سواء ممن يميلون إلى تأييد النظام هناك أو من يعارضونه، بقدر كبير من الشعور بالصدمة، وذلك لما بدت عليه هذه الحرب من افتعال، فيما كانت المفاوضات جارية مع الطرف الأميركي، ولانفلات هذه الحرب من كل الضوابط، ولازدراء القائمين عليها ما يُعرف بالشرعية الدولية، وتتركّز مشاعر التضامن مع الإيرانيين الذين يتعرّضون لحربٍ لم يختاروها، ويعاينون تدمير ثروات بلادهم وأصولها، وهم تحت مخاطر رهيبة.
ولا تتوقف الفجيعة عند هذه الخسارات التي تشمل الضحايا المدنيين وممتلكاتهم، إذ تمتد لما ظهر به نظامهم من تخبّط، فبينما بدا هذا النظام يخوض معركته منفرداً بغير حليف أو صديق نتيجة سياساته، فإنه لم يكتف بذلك، بل سعى إلى توسيع دائرة خصومه، باستهدافه دول الجوار، وبينما سعى، في السابق، إلى تصدير الثورة إلى هذه الدول، فقد انبرى هذه المرّة لتصدير الحرب إليها، بذريعة أن هذه الدول تقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، علماً أن أغلب الدول تقيم مثل هذه العلاقات مع الدولة العظمى، من دون أن توافقها بالضرورة على جميع جوانب سياستها الخارجية. وثمّة قواعد عسكرية في عشرات من دول عالمنا، وواقع الحال أن علاقات دول الخليج مع الدولة العظمى قد سمحت من قبل لهذه الدول بلعب دور الوسيط بين إيران وأميركا، وتخفيف التوترات ما بينهما، فيما كانت هذه الدول تقف على الدوام ضد تصعيد الخلافات بين الجانبين إلى درجة المواجهة العسكرية، في وقت احتفظ معظم هذه الدول بعلاقة ثابتة مع إيران، رغم توتراتٍ شابت العلاقات. وقد لعبت الصين؛ الدولة الكبرى والحليف السياسي لإيران، دوراً مباشراً في إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في عام 2023، والتي قُطعت بعد إحراق السفارة السعودية في طهران عام 2016. وبالإشارة إلى الصين، وكما ورد في تعقيب خليجي على الادّعاءات الإيرانية بخصوص القواعد الأميركية، فإن دول الخليج لم تعترض على اتفاق إيراني استراتيجي طويل المدى مع الصين، ولا على اتفاق مماثل بين إيران وروسيا، فلماذا تعترض إيران على اتفاقيات استراتيجية تبرمها دول خليجية؟
بينما بدا النظام في إيران يخوض معركته منفرداً بغير حليف أو صديق نتيجة سياساته، لم يكتف بذلك، بل سعى إلى توسيع دائرة خصومه
حصيلة الحرب التي تشنها إيران على دول الخليج والأردن المساس شديد السلبية بالعلاقات مع هذه الدول على مدى لن يكون قصيراً، وتشتيت الأنظار عن الحرب الإسرائيلية الأميركية الجارية. وقد أحسنت الدول المستهدفة بما أبدته من حصافة وكظم للغيظ، بعدم الانسياق إلى التصعيد، ودعت بدلاً من ذلك إلى وقف الحرب والعودة إلى التفاوض، محتفظة بحقوقها عن الأضرار الكبيرة التي وقعت على أراضيها بفعل اعتداءات الجار الإيراني الذي يوجّه نيرانه خبط عشواء في جميع الاتجاهات.
وتتّجه الأنظار إلى أن تؤدي مراجعات داخلية في أميركا إلى وقف هذه الحرب، وإنقاذ البلاد الإيرانية الشاسعة من تدمير بناها التحتية وتبديد ثرواتها وتقويض مظاهر عمرانها وازدهارها. ومن المثير للانتباه هنا أن طبيعة النظام في إيران قد نفّرت الغالبية الغالبة من المواطنين العرب من التعرّف إلى هذا البلد الجميل والتواصل مع شعبه، واللجوء إلى التعويض عن ذلك لما تبثّه وسائل الإعلام، وبما صورته السينما الإيرانية المستقلة، من مظاهر الحياة في هذا البلد الحيوي والعريق. ومن موقع الاعتراض على مسيرة ذلك النظام، لا يملك المرء إلا التعاطف العميق مع محنة الإيرانيين، والأمل بفجر جديد ينعم فيه الإيرانيون بالحرية والأمن، جنباً إلى جنب مع أشقائهم في لبنان وفلسطين وسورية، التائقين إلى الحرية والخلاص من الاحتلال الإسرائيلي البغيض.

أخبار ذات صلة.
دونالد ترامب يُحارب بـ"الادعاءات المضلّلة"
العربي الجديد
منذ 14 دقيقة