عربي
ليس دقيقاً قول من يقولون إن دور عُمان في وساطتها، في غضون مفاوضات الولايات المتحدة وإيران غير المباشرة، كان نقل الرسائل بينهما، فإلى هذا العمل الذي لا يُنقِص من حيوية أداء الدبلوماسية العُمانية النشطة في غير ملفٍّ وقضية، يتبدّى أن السلطنة ظلّت تزاول دورَها هذا باعتبارها "طرفاً معنيّاً"، ليس فقط بإخفاق هذه المفاوضات أو نجاحها، وإنما أيضاً بمسألة أمن منطقة الخليج وبالسلام العالمي. توضح هذه الحقيقة مقالة وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي (1960)، في صحيفة الإيكونومست البريطانية، أول من أمس، والموصولة بتصريحاته، منذ عبّر عن "ذهوله" من تقويض واشنطن "مفاوضاتٍ جادّة"، وذهابها إلى حربٍ "ليست حربَها" و"لا تخدم مصلحتها"، بتعبيره، لمّا قال لـ"سي بي إس"، من العاصمة الأميركية نفسها، في اليوم الأول للحرب الجارية، إن إيران وافقت على التوقّف عن تخزين اليورانيوم المخصّب، فلن تمتلك أبداً كمياتٍ كافيةً منه لصنع سلاح نووي، وكان قد أبلغ العالم، في مختتم جولة التفاوض في جنيف، بأن اتفاقاً بين واشنطن وطهران بات في متناول اليد. وصولاً إلى فائض الصراحة وبالغ الشجاعة في مقالته المسمّاة، وبقّ فيها أكثر من بحصة، وأعاد فيها إشهار "صدمته" من قرار الحرب، الذي لم يفاجئه في الوقت نفسه، وجاء بعد ساعاتٍ من أكثر جولات المفاوضاتِ "جوهرية"، على ما كتب. وقد رمى الولايات المتحدة بأنها فقدت السيطرة على سياستها الخارجية، وبأنها سيقت إلى حربٍ ليست حربها، وحثّ أصدقاءها على أن يساعدوها على الخروج من "ورطتها" في هذه الحرب "غير المشروعة".
وإذ نجدنا في الذي يُفضي به البوسعيدي منذ ثلاثة أسابيع أمام أداء سياسي وإعلامي ليس معهوداً في الدبلوماسيات العربية، التي تحافظ كثيراتٌ منها في التصريحات الإعلامية على تقليديةٍ رتيبة، فليس من الحرج في شيء أن يجهَر واحدُنا بتثمينه هذا الحضور الخاص للوزير العُماني الذي احترف الدبلوماسية والاحتكاك بقضايا ليست هينة، وغير قليلة، منذ بدأ عمله في وزارة الخارجية في بلاده قبل 36 عاماً، وكان له دوره في غضون مفاوضات الملف النووي الإيراني بين طهران وإدارة باراك أوباما، وانتهت إلى الاتفاق الذي أودى به لاحقاً دونالد ترامب. وعندما ينصح، في المقالة اللافتة، الولايات المتحدة، وبلادُه حليفة لها، بأن تُجري مراجعةً شاملةً لمصالحها الحقيقية، وعندما يكتُب أنه لا يوجد سيناريو محتمل تحصل فيه كل من إسرائيل وأميركا على ما تريدانه من هذه الحرب، وعندما يشدّد على أن أمن الطاقة والنشاط الاقتصادي في الخليج والإقليم يرتبطان بتسويةٍ شاملةٍ مع إيران، وعندما يرى أن العودة إلى المفاوضات، رغم الاغتيالات والقصف، الطريق الوحيد لانتشال المنطقة من الكارثة، عندما يكتب هذا كله وغيره، فإن خرّيج ماجستير أكسفورد ودارس الثانوية في بريطانيا يطرح ما يمكن اعتبارها صيغةً عقلانيةً تساعد على إنقاذ الولايات المتحدة والمنطقة من حالٍ لا أفق واضحاً له.
لعلّه يندرج في موضعة السلطنة خارج السرب الخليجي المألوف أن يبدو البوسعيدي متفهّماً الضربات العسكرية التي أقدمت عليها إيران في المنطقة، مع تأكيده أنها مؤسفة وغير مقبولة، عندما يصفها بأنها "نتيجة حتمية" لما أقدمت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان في وُسع الوزير الذي استحقّ إعجاباً ظاهراً من جمهور عربي واسع أن "ينصَح" الجمهورية الإسلامية بما لا يخرّب علاقاتها مع دول الجوار الخليجي، فتتوقف عما تقترفه، سيما أن السلطنة نفسها التي ظلت، منذ عقود، شديدة الحرص على علاقات اتصالٍ وتواصلٍ، وحوار دائم، مع إيران، وجدت نفسها تتعرّض لاعتداءاتٍ من الأخيرة، من دون أن يُسوَّغ سلوكُها هذا بمنطقٍ أو مبرّر. غير أن هذه المسألة لا تخدش المنظور العام في المقالة التي لا يحتاجُ قارئها إلى جهدٍ ميكروسكوبيٍّ ليتبيّن أن كاتبها يرمي إسرائيل بالمسؤولية الأولى عن نشوب هذه الحرب، إسرائيل التي صحّ قوله عنها، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إنها "المصدر الرئيس لغياب الأمن في المنطقة"، والتي أبلغ الرأي العام المحلي في بلاده، لمّا تحدث إلى رؤساء تحرير الصحف العُمانية، الأسبوع الماضي، أن السلطنة لن تطبّع معها، تأكيداً لما كان قد عرّف به الجمهور الإسرائيلي، في مقابلةٍ مع صحيفة عبرية، أن عُمان لن تكون البلد الخليجي الثالث الذي يقيم علاقاتٍ طبيعيةً مع إسرائيل.
إنها السياسة العُمانية المختلفة في الفضاء الدبلوماسي الخليجي، وكذا العربي، تتّسق معها مقالةٌ في "الإيكونومست" لكاتبٍ وزيرٍ، مختلفٍ أيضاً.
