عربي
بدأ التركيز الأميركي الجاد على بترول الخليج العربي في أوائل القرن العشرين، وتحديدا عقب الحرب العالمية الأولى، وتطور من مجرد استثمارات تجارية لشركات بترول إلى ركيزة أمن قومي وشراكة استراتيجية كبرى. على مدى قرن من الزمان توسعت اتفاقيات البترول الأميركية، وهي حافلة بالتوسع العالمي والتحالفات الاستراتيجية والصراعات الجيوسياسية الحادة.
بعد الحرب العالمية الأولى، حاولت بريطانيا وفرنسا الانفراد ببترول المناطق التابعة للدولة العثمانية السابقة (خاصة العراق). لذلك، احتجت أميركا لأنها ساهمت في النصر بالحرب، ويجب عدم استبعاد شركاتها من غنائم البترول. وبدأت أميركا في اتباع "سياسة الباب المفتوح" في عام 1928، والتي كانت السلاح الدبلوماسي الذي استخدمته لكسر الاحتكار البريطاني والفرنسي لبترول الشرق الأوسط، حيث طالبت وزارة الخارجية الأميركية بأن يكون لشركات البترول الأميركية حقوق متساوية مع شركات بريطانيا وفرنسا في الحصول على امتيازات التنقيب في هذه المناطق، رافضة مبدأ "المناطق المغلقة".
لإرضاء أميركا وإنهاء النزاع، تم توقيع اتفاقية في31 يوليو/تموز 1928 عرفت باسم "اتفاقية الخط الأحمر"، وبناء على ذلك تشكلت شركة "بترول العراق" وضمت شركات بريطانية، وفرنسية، وهولندية، بالإضافة إلى مجموعة شركات أميركية، مثل إكسون وموبيل حالياً.
الشركاء رسموا خطا أحمر على خريطة تشمل معظم أراضي الدولة العثمانية السابقة (العراق، سورية، الأردن، وفلسطين وشبه الجزيرة العربية)، وتعهدوا بعدم السعي للحصول على امتيازات بترولية داخل هذا "الخط الأحمر" بشكل منفرد، بل من خلال الشركة المشتركة فقط. وكان ذلك أول دخول رسمي وقوي لشركات البترول الأميركية إلى قلب الشرق الأوسط، وأرسي مبدأ أن أميركا لن تسمح بتهميش مصالحها الطاقية في أي مكان بالعالم.
أرست اتفاقية الخط الأحمر لعام 1928 بندا يعرف بـ "التنازل الذاتي"، كان هو "القلب النابض" لاتفاقية الخط الأحمر عام 1928، وفي الوقت نفسه كان القيد القانوني الذي كبل الشركات الموقعة لمنعها من المنافسة المنفردة. نص هذا البند على أن أي شركة من الشركات الموقعة على الاتفاقية لا يحق لها السعي للحصول على امتيازات بترولية أو إنتاج البترول بشكل منفرد أو مستقل داخل الحدود التي رسمها "الخط الأحمر". كان الهدف من هذا "التنازل" هو منع الشركات الكبرى من ضرب بعضها البعض، وضمان احتكار جماعي يمنع دخول أي منافسين جدد من خارج هذا "النادي المغلق". فإذا وجدت شركة أميركية (مثل إكسون) فرصة بترول في العراق أو سورية، كان لزاماً عليها أن تجلب هذه الفرصة إلى "شركة بترول العراق" لتقوم المجموعة كاملة بتطويرها معاً.
بسبب بند "التنازل الذاتي" تحديداً، ضاعت على الشركات الموقعة (مثل بريطانيا وفرنسا) فرصة البترول السعودي، فعندما بدأ الملك عبد العزيز آل سعود يبحث عن شركات للتنقيب، كانت الشركات الموقعة على "الخط الأحمر" مقيدة ببند التنازل الذاتي؛ حيث لم يكن بإمكانها التحرك إلا بموافقة جميع الشركاء، وكان الشركاء البريطانيون مترددين في الإنفاق.
استغلت شركة "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا" (شيفرون حالياً) هذه الفرصة، وبما أنها لم تكن موقعة على اتفاقية الخط الأحمر، لم تكن ملزمة ببند "التنازل الذاتي". تحركت الشركة الأميركية المنفردة وحصلت على أول امتياز للتنقيب في البحرين عام 1932 وفي السعودية عام 1933، مما أدى لاحقاً لظهور شركة "أرامكو" في السعودية، وخروج أضخم حقل بترول في العالم من عباءة اتفاقية الخط الأحمر.
ظل بند "التنازل الذاتي" يسبب نزاعات قانونية حادة، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث رغبت الشركات الأميركية في التوسع بشكل مستقل. وفي عام 1948، تم إعلان بطلان اتفاقية الخط الأحمر وبند "التنازل الذاتي" رسمياً، مما فتح الباب للمنافسة المفتوحة التي نراها اليوم.
اللحظة الفارقة، كانت في اتفاقية كوينسي، والتي تعتبر التدشين الرسمي للعلاقة بين "السياسة والبترول".
اتفاق "كوينسي" وثيقة غير مكتوبة صاغت شكل العالم والنظام الطاقي والجيوسياسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. ففي 14 فبراير/شباط 1945، على متن المدمرة الأميركية "يو. إس. إس. كوينسي" الراسية في البحيرات المرة بقناة السويس، التقى الملك السعودي عبد العزيز آل سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، وهو في طريق عودته من مؤتمر يالطا. وجرى الاتفاق بينهما. هذا الاتفاق لم يكن اتفاقاً تجارياً عابراً، بل كان "مقايضة استراتيجية" كبرى قامت على ركنين: أولا، الأمن، حيث تعهدت الولايات المتحدة بضمان حماية السعودية واستقرار حكمها ضد أي تهديدات خارجية. ثانيا، البترول، حيث تعهدت السعودية في المقابل بضمان تدفق البترول إلى الأسواق العالمية وإلي الولايات المتحدة بأسعار مستقرة وبكميات كافية، مع منح الشركات الأميركية الأولوية في التنقيب والإنتاج.
اتفاق كوينسي كان بمثابة إعلان غير رسمي عن انتقال منطقة الخليج من نفوذ "الإمبراطورية البريطانية" التي كانت تحتضر، إلى نفوذ "القوة الأميركية" الصاعدة، وكانت أميركا تدرك أن البترول هو عصب إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب (مشروع مارشال)، وأن امتلاك مفاتيح البترول السعودي يعني التحكم في نمو الاقتصاد العالمي. يقال إن الاتفاق كانت مدته 60 عاماً، وقد قام الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بتجديده مع الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام 2005 لـ 60 عاماً إضافية، مما يعني أن صلاحية "لقاء كوينسي" من المفترض أن تستمر حتى عام 2065 . نستطيع أن نقول إن اتفاق كوينسي هو الذي جعل من السعودية "صمام أمان الطاقة" للعالم، ومن أميركا "الحامي العسكري" لمنطقة الخليج، وهو الأساس الذي بُني عليه نظام "البترودولار".
هذا النظام بات هو العمود الفقري للهيمنة الاقتصادية الأميركية عالمياً، وهو الذي يقضي بأن يباع ويشترى كل برميل بترول في العالم مقابل الدولار حصراً. فقبل عام 1971، كان الدولار مدعوماً بذهب حقيقي (نظام بريتون وودز). لكن بسبب تكاليف حرب فيتنام، لم يعد لدى أميركا ذهب يكفي لتغطية الدولارات المطبوعة، فأعلن الرئيس ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب، مما هدد بانهيار قيمة العملة الأميركية.
لحل هذه المشكلة، بحث كبار المسؤولين الأميركان (وعلى رأسهم وزير الخارجية هنري كيسنجر) عن مادة يحتاجها العالم أجمع، ولا يمكن الاستغناء عنها لربط الدولار بها، ولم يجدوا أفضل من البترول. عقدت أميركا سلسلة من اللقاءات السرية والعلنية مع السعودية (باعتبارها أكبر منتج للنفط في أوبك)، وتم التوصل لاتفاق تاريخي عام 1974 يتضمن التزام السعودية بتسعير البترول وبيع كافة شحناته بالدولار فقط، كما تقوم السعودية باستثمار فوائضها المالية الناتجة من بيع البترول في سندات الخزانة والمصارف الأميركية، وفي المقابل تضمن أميركا أمن السعودية عسكرياً وتزويدها بالسلاح المتطور وحمايتها من أي تهديد إقليمي.
بمجرد موافقة السعودية على نظام "البترودولار"، تبعتها بقية دول "أوبك"، وأصبح لزاما على أي دولة في العالم أن تمتلك مخزونا ضخما من الدولارات لكي تتمكن من شراء البترول لتشغيل مصانعها وسياراتها. خلق هذا النظام طلبا عالميا مستمرا على الدولار، مما سمح لأميركا بطباعة العملة وتمويل ديونها الضخمة دون أن تنهار قيمتها.
ومن خلال نظام "سويفت" المصرفي، أصبحت أميركا قادرة على مراقبة (أو منع) أي عملية شراء بترول في العالم، مما منحها سلاح "العقوبات الاقتصادية" الفتاك. نستطيع أن نقول إن هذا النظام جعل أميركا "قوية لدرجة خيالية"، وإن "البترودولار" حوّل الدولار من مجرد "ورقة" إلى "إيصال لاستلام الطاقة"، مما جعل العالم كله يمول الرفاهية الأميركية قسرا لضمان بقاء المصابيح مضاءة.
بترول الشرق الأوسط بالنسبة لأميركا ليس "وقودا للمحركات"، بقدر ما هو "وقود للمكانة الدولية"، فمن يسيطر على صنبور الطاقة العالمي، يسيطر على القرار السياسي للدول التي تعيش على هذا البترول. لذلك، تكمن أهمية بترول الشرق الأوسط لأميركا في كونها "ضابط الإيقاع" للنظام المالي العالمي، وليس مجرد حاجة مادية للوقود. فحتى لو استغنت أميركا عن استيراد قطرة بترول واحدة من المنطقة، يظل بترول الشرق الأوسط هو "العمود الفقري" لمكانتها قوةً عظمى، فنظام "البترودولار" يعتبر سلاح الهيمنة المالية، وهو السبب الأهم؛ فبقاء البترول الخليجي مسعرا بـ "الدولار" حصرا يجبر كل دول العالم على الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من العملة الأميركية لشراء البترول.
وهذا الطلب العالمي الدائم يسمح لأميركا بطباعة الدولار وتمويل ديونها الضخمة (التي تتجاوز 38.7 تريليون دولار) دون انهيار اقتصادها. فإذا سقط البترول من يد الدولار، تسقط الهيمنة الأميركية فورا، ولا تستطيع التحكم في اقتصاد الخصوم (الصين وأوروبا).
أميركا تنتج بترولا صخريا (خفيفا) ولديها بترول من فنزويلا (ثقيل)، لكن الصين (المنافس الأول) تعتمد بنسبة 90% على بترول الشرق الأوسط. ونتيجة سيطرة أميركا العسكرية والسياسية على ممرات البترول في الخليج العربي، فإنها تملك "مفتاح التشغيل" للمصانع الصينية. لذلك، عند حدوث أي صراع، يمكن للممرات البحرية في الشرق الأوسط أن تشل اقتصاد الصين في أسابيع.
بترول الخليج العربي غالبا ما يكون متوسطاً أو ثقيلا وحامضاً، وهو النوع الذي صممت عليه المصافي الأميركية العملاقة على ساحل خليج المكسيك، في ولايات تكساس ولويزيانا. بينما البترول الصخري الأميركي خفيف جدا وحلو، ولا يصلح وحده للمصافي الأميركية لإنتاج كل المشتقات البترولية بكفاءة.
ورغم أن أميركا منتج ضخم للبترول الصخري، إلا أنها لا تستهلك كل ما تنتجه محليا. وتمثل واردات الخليج العربي من البترول نحو من 10% إلى 12% فقط، من إجمالي النفط الخام الذي تستورده أميركا، والذي يبلغ حوالي 6.4 ملايين برميل يومياً. لذلك، تقدر احتياجات الولايات المتحدة من بترول دول الخليج العربي (السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، عمان، والبحرين) حالياً في عام 2026 بنحو من 600 ألف إلى 800 ألف برميل يوميا في المتوسط.
نظرياً وتكنولوجياً، تستطيع أميركا الاستغناء عن كميات البترول المستوردة من دول الخليج العربي، فالبدائل متوفرة، ويمكن لأميركا تعويض هذه الكمية بسهولة عبر زيادة الإنتاج من البترول الصخري المحلي، أو زيادة الاستيراد من كندا وفنزويلا، لكن استراتيجيا واقتصاديا، لا يمكنها الاستغناء عن بترول "الخليج العربي" لعدة أسباب جوهرية تجعل الانفصال الكامل انتحارا سياسيا وماليا.
من الناحية "الاقتصادية"، البترول سلعة عالمية، وإذا استغنت أميركا عن بترول الخليج العربي وحدثت أزمة في مضيق هرمز، سيرتفع سعر البرميل عالميا إلى 150 أو 200 دولار، وسيرتفع سعر البنزين في أميركا فورا، حتى لو كانت أميركا لا تشتري قطرة واحدة من الخليج العربي. لذلك، أمن أميركا الاقتصادي مرتبط بـ "استقرار تدفق" بترول الخليج العربي للعالم، وليس فقط بوصوله للموانئ الأميركية.
ومن الناحية الجيوسياسية (البترودولار)، وهو السبب الأخطر؛ فإذا استغنت أميركا عن بترول الخليج تماما وفكت ارتباطها السياسي بالمنطقة، ستتجه دول الخليج العربي لبيع البترول لـ الصين بـ"اليوان" بدلا من الدولار، وسوف ينهار "البترودولار"، نتيجة انهيار الطلب العالمي على العملة الأميركية، مما يؤدي لتضخم جامح داخل أميركا وفقدانها لمكانتها قوةً عظمى.
نستطيع أن نقول، أميركا لا تشتري بترول الخليج العربي لأنها "تحتاجه للوقود" فقط، بل تشتريه لكي تظل المهيمنة على سوق الطاقة العالمي، ولتمنع خصومها (مثل الصين) من السيطرة على أهم منطقة طاقة في العالم.
