من سيربح الحرب؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كيف ستكون نهاية الحرب على إيران؟ وما تداعياتها على المنطقة وعلى التوازنات السياسية والاستراتيجية وموازين القوى إقليميا ودوليا؟ وإذا كانت ستنتهي بقرار من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما يدّعي، فإلى أي مدىً ستكون قد حققت أهدافها بالنسبة للمبادرين بشنها، الولايات المتحدة وإسرائيل، وما هو سقف الأهداف المنتظر من كليهما بشأن حرب تتوسع دائرتها تدريجيّاً، ويمتد مداها الزمني، خلافا لما أعلن عنه في بدايتها أنها ستكون حربا خاطفة، وستحقق أهدافها في غضون أيام؟ وإلى أي مدى ستتحمّل دول الجوار تبعاتها على أمنها واقتصاداتها؟ ذلك أنه من البين أن تداعياتها تتجاوز الدول العربية المجاورة، لتشمل العالم بأسره وتوازناته الاقتصادية ومبادلاته التجارية، ولا سيما إثر غلق إيران مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو يعدّ شريان الملاحة البحرية في مجال شحن النفط، وما سيترتّب عن ذلك من تعطيل الإمداد العالمي بهذا المصدر الحيوي للطاقة، ما يهدّد بارتفاع أسعار النفط والسلع والخدمات المرتبطة بهما، والتسبب بأزمات غير مسبوقة على مستوى التزوّد به من الدول، إذ يعبر ما يزيد عن 20 مليون برميل نفط يوميا المضيق بقيمة سنوية تقارب 600 مليار دولار. والبادي أن الهدف الأساس من هذه الحرب ضرب القوة العسكرية الإيرانية وإضعافها لتغيير النظام بإيجاد بدائل طيعة وموالية من داخله أو خارجه، تضمن الولاء التام للولايات المتحدة في ما يتعلق بالسلاح النووي والإمدادات النفطية والاستكانة للمشروع الصهيوني، وبذلك تتحوّل إيران إلى "فنزويلا جديدة"، ما سيضمن خضوعها لبيت الطاعة من دون تكاليف باهظة أو إهدار للوقت، لكن هذا الهدف الذي كان الحليفان ترامب ونتنياهو يعوّلان في سرعة إنجازه على الاستجابة الطوعية من الشعب الإيراني، وخصوصاً من الأطياف المعارضة للنظام لإسقاطه من الداخل عبر بث البلبلة والفوضى في الشارع الإيراني واستعمال ورقة الأكراد لزرع الفتنة والشقاق فيه، بيد أن ما حدث من لحمة شعبية ووحدة للصف وسرعة ترميم النظام من الداخل إثر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي صدم الحليفين وأربك خططهما، وجعلهما يعيدان حساباتهما لإيجاد خطط واستراتيجيات بديلة لإدارة الحرب وإعادة رسم أولوياتها وأهدافها. ولذلك طغى على تصريحات الرئيس ترامب التخبط والتناقض، خصوصاً في ما يتعلق بنهاية هذه الحرب، حيث تمحور خطابه حول تهويل الخطر الإيراني وشيطنة نظامه، ما جعله يقول أخيراً إنه "كانت لدى إيران خطط للسيطرة على الشرق الأوسط بأكمله، ومحو إسرائيل بالكامل. وكما هي حال إيران نفسها، فإن تلك الخطط ماتت الآن". ... هل كانت تلك الخطط قائمة فعلياً في ظل ما أصاب النظام من ضربات موجعة ومن حصار وإنهاك عسكري واقتصادي؟ واضح أن الرئيس ترامب يتعمّد تضخيم خصومه ليبرّر لشعبه الخطر الذي يحدق به في صورة عدم الفتك بالعدو وتدميره كلياً، إلا أنه من الواضح أيضاً أن ترامب أضحى يعاني من "متلازمة نتنياهو" الذي بات تأثيره عليه جلياً ومقلقاً لأنصاره، فهو لا يدافع عن مصالح الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً عن مصالح إسرائيل ومشاريعها التوسعية لبسط نفوذها وهيمنتها في المنطقة بأكملها، وهو يناقض ما تقدّم به من وعود للشعب الأميركي بأنه سينهي الحروب في العالم، فإذا به يشعل فتيلها ويؤجّج لهيبها ويغلبها على السبل السلمية لفضّ النزاعات وتطويقها، كما أنه يخذل حلفاءه من الدول العربية المجاورة الذين أضحوا في معترك الحرب ومن بين أهدافها وطرفاً فيها من دون أن يهب الرئيس الأميركي لحمايتهم وحماية قواعد بلاده ومصالحها العسكرية في هذه الدول، فوجدوا أنفسهم يخوضونها بالوكالة عنه، ويتورّطون في حربٍ لا أفق لها ولا مسوّغ لهم ليكونوا طرفاً فيها، كما أنه أسقطهم من حساباته بإطالة أمد الحرب، وجعلهم في مواجهة مباشرة مع إيران، وكأنه يسعى، عبر ذلك، إلى مزيد من شيطنة النظام الإيراني بتصويره خطراً وجودياً، لا على إسرائيل فقط، بل أيضاً على المنطقة بأكملها، بل لعله يسعى وحليفه نتنياهو إلى تدويل النزاع ومزيد من عزل النظام الإيراني، وبناء تحالف إقليمي ودولي ضد إيران، بوصمه بمحور للشر في المنطقة والعالم بأسره، فتصبح الحرب على إيران حرباً على قوى الشر والاستبداد، ويتحوّل إضعافها وتركيعها إلى هدف استراتيجي لمقاومة الإرهاب والتطرّف والنزعة إلى الهيمنة والتصدي لتهديدها الأمن والسلم الإقليمي والدولي. حسابات إيران في هذه الحرب تختلف تماماً عن حساباتها في حروبها الماضية ضد الكيان الإسرائيلي، المباشرة منها وغير المباشرة ويبدو أن الحليف الإسرائيلي أمام فرصة تاريخية، لطالما كان ينتظرها ويعد لها العدّة منذ زمن طويل، لكسر شوكة النظام الإيراني الذي يعتبره تهديداً وجودياً له ولأمنه، ومن ثمة إسقاط هذا النظام وتفكيك الوحدة الترابية والوطنية للدولة، وما يترتب عن هذا من إضعاف لحركات المقاومة الوطنية ضد الاستعمار والامبريالية فيها، وبسط سيطرته عليها في معركة وجودية وحاسمة ومفصلية للكيان، باعتبار أن نصره سيؤدّي إلى التسريع في عجلة التطبيع مع دول المنطقة وتصفية القضية الفلسطينية وبناء الشرق الأوسط الجديد الذي سيعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية، وإعادة توزيع مناطق النفوذ وتحويل الكيان اللقيط إلى مركز لها بعد أن كان منبوذاً منها. ولذلك الكيان أمام أمرين: التسريع بتحقيق كل أهداف الحرب أو جلها دفعة واحدة وفي أسرع وقت ممكن، مسخّراً لذلك كل إمكاناته وإمكانات حليفه الأميركي، أو شن حرب استنزاف وإضعاف النظام الإيراني وإسقاطه، وتحطيم مقدّراته العسكرية والاقتصادية على مراحل. ويبدو الأمر الأول الأكثر مقبولية من الكيان الإسرائيلي وقادته الذين يسعون إلى توجيه ضربات موجعة ومكلفة ومكثفة لعدوهم، طالما أن السياق السياسي الإقليمي والعالمي وموازين القوى مواتية لمثل هذا المخطّط، ولا سيما مع انهماك روسيا في حربها على أوكرانيا وانشغال الصين بحربها التجارية والجمركية مع الولايات المتحدة، وهما الحليفان التقليديان لإيران، كما أن السياق الدولي ملائم أيضاً مع وجود رئيس استثنائي للولايات المتحدة مهووس بجنون العظمة والهيمنة، وأداة طيّعة بأيدي لوبيات المال والاقتصاد وشركات النفط والسلاح، ويفكر بمنطق الرجل الأميركي الأبيض العظيم والقوي، وبعقل رجل الأعمال المولع بإبرام الصفقات الرابحة وتصفية الحسابات المعلقة. ولكن لا يبدو الخروج من هذا المستنقع سهل المنال، ويمثل الموقف المتعنت والثابت لإيران شعباً ونظاماً أمراً محيراً ومحرجاً للرئيس ترامب ولحليفه نتنياهو، فحسابات إيران في هذه الحرب تختلف تماماً عن حساباتها في حروبها الماضية ضد الكيان الإسرائيلي، المباشرة منها وغير المباشرة، ولا سيما حرب الـ12 يوماً، فالنظام الإيراني يدرك أن هذه الحرب ستكون وجودية أيضاً بالنسبة له، لأن مصيرها سيحدّد قطعاً مالات هذا النظام بصورة نهائية، إما نظاماً قويّاً لا يقهر تسنده قاعدة شعبية محترمة وقوة عسكرية رادعة، وقادراً على التأثير في محيطة الإقليمي أو نظاماً ضعيفاً متصدّعاً فاقداً للنفود، ومعزولاً عن العالم وموصوماً بالإرهاب والتطرّف والتعصّب، ما سيعجّل بنهايته ودحره. وبالتالي، سيسخّر النظام الإيراني جميع إمكاناته العسكرية وأوراق الضغط والقوة التي يمتلكها للبروز قوة ردع لا تنكسر إرادتها، ولكسب الحرب ولو استراتيجيّاً ورمزياً. ولذلك سيلجأ إلى أمرين حاسمين بالنسبة له: الحفاظ على وحدة ترابه وتماسك شعبه والقدرة على ابتكار آليات لتجديد قيادات النظام في صورة استهدافها، والإعداد المحكم لشن حرب استنزاف طويلة الأمد على المستويين العسكري والاقتصادي. في سياق الأمر الأول، تحتاج طهران إلى استدامة نظامها والحفاظ على توازناتها الداخلية. وفي خضم الأمر الثاني، ستستعمل مضيق هرمز وإمدادات النفط العالمية ورقة ضغط، وستراهن على حسن توظيف إمكاناتها العسكرية، من حيث الحدود الزمنية ودقة الأهداف وكثافتها. كما ستسعى إلى خفض حدة التوتر العسكري والسياسي مع دول الخليج العربي، لامتصاص غضبها. وفي المقابل، ستحاول قدر الإمكان كسب ما تيسر من الدعم العسكري والاستخباراتي من حليفيها الصيني والروسي بكل السبل المتاحة. حرب صراع إرادات لا حرب إمكانات، وحرب طويلة الأمد، ستكون لها تداعيات على الاقتصاد العالمي وموازين القوى والخريطة الجيوسياسية الجديدة  لذلك نرى إيران تقوم بالتصعيد التدريجي في وتيرة الهجمات العسكرية وحدّتها، وتسدّد ضربات لأهداف استراتيجية دقيقة وموجعة للعدو، وتعتمد خطاب التحدّي والندّية له. وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء العسكري في إيران إبراهيم ذو الفقاري أن سياسة الرد بالمثل بين طهران وخصومها انتهت، مشيراً إلى انتقال إيران إلى مرحلة جديدة من المواجهة العسكرية تعتمد على تنفيذ ضربات متواصلة، مؤكداً أن نهاية الحرب لن تحدّدها الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها. خلاصة القول إن هذه الحرب تعد حرب صراع إرادات لا حرب إمكانات، وحرباً طويلة الأمد، ستكون لها تداعيات على الاقتصاد العالمي وموازين القوى والخريطة الجيوسياسية الجديدة، وعلى مصير القضية الفلسطينية ووضع حزب الله في لبنان، فلن يكون من اليسير تحديد من سينتصر ومن سيهزم عند نهاية الاشتباك المسلح، وعند الإعلان عن نهاية هذه الجولة العسكرية التي ستتم على الأغلب بأبواق ترامب، باعتباره "صانع السلم والحرب" في العالم بمفهومهما البراغماتي والآني، رغم أن طهران تصر على أنها هي التي ستحدّد نهاية الحرب وفق معادلاتها وقدراتها العسكرية، لكن من الثابت أن النصر الفعلي تقرع طبوله لصالح من يقدر أكثر على الصمود، وعلى إيلام الخصم، ومن يقدر على صنع التحالفات وتطويعها، ومن يحسن إدارة الأزمات واستثمار مواطن القوة وتذليل نقاط الضعف. لذلك هذه المعركة جزء من الحرب التي ستشكّل معالم المنطقة بأكملها، وشتان فيها بين من يملك التاريخ والحضارة وخاض حروباً طويلة الأمد على امتداد العصور والأزمان ومن لملمه الاستعمار منذ زمن غير بعيد من الشتات، ليمتص دم الشعوب ويعرقل نهوضها. ستكون، إذن، حرب استنزاف طويلة الأمد تعيد إلى الأذهان الحرب على غزّة، من حيث أنها البداية الفعلية لهذا الصراع، ومن حيث أن الكيان المسقط على جغرافية المنطقة وتاريخها أضحى، منذ تلك الحرب المفصلية، يتلقّى الضربات الموجعة، الواحدة تلو الأخرى، وتحوّلت المواجهات غير المباشرة وبالوكالة ضده إلى معارك مباشرة مكشوفة ومصيرية، وتطوّرت الأسلحة المستعملة في هذه المواجهات لتصبح أشد فتكاً، وبتقنيات حديثة وعالية الدقة، تضاهي ما كان يباهي به الكيان المحتل من ترسانة عسكرية واستخباراتية. ... تلك هي إذن الحروب التاريخية والوجودية التي لا تُحسم بمنطق الخسارة والربح، بل بميزان الإرادة والحق.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية