حين تفقد إيران بوصلتها
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يبدو أن طهران لم تتعلم أو تتواضع كثيراً، لا من الحرب الجارية ولا من تجارب تدخّلها السابقة في العالم العربي. فبدل الإصغاء لجيرانها في الخليج، الذين سعوا لتجنّب المواجهة ولعب بعضهم أدوار وساطة، فإنها تواصل نهجاً تصعيدياً بمبررات واهية، عبر استهداف البنى التحتية والمنشآت المدنية، أي مقدرات الشعوب، بما يعمّق فجوة الثقة ويغذّي القلق الإقليمي حتى بعد توقف الحرب، وهو ما قد ينسحب على علاقة الإقليم بأميركا أيضاً. في المقابل، لا يخفى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، تمضي منذ سنوات في مشروع توسعي لفرض هيمنة إقليمية بمنطق "إمبراطوري"، مع محاولات متكررة لجرّ دول الخليج إلى جبهة المواجهة. وقد أعلنت هذه الدول بوضوح رفضها الانخراط في هذا المسار، متمسكة بسياسات التهدئة وتفادي التصعيد. غير أن المفارقة تكمن في أن سلوك طهران، في هذه اللحظة الحساسة، يسير عملياً في الاتجاه الكارثي الذي يخدم هذه الرؤية، عبر زيادة الضغوط الأمنية والعسكرية على محيطها الخليجي. بدل أن تركز طهران على معالجة اختراقاتها الأمنية التي سمحت باستهداف قيادات ومواقع حساسة، تبدو وكأنها توسّع دائرة المواجهة وتدفع الجوار نحو مزيد من التشدد. هذا النهج لا يهدد الاستقرار الإقليمي فحسب، بل يكشف خللاً في ترتيب الأولويات، إذ تتراجع البوصلة الاستراتيجية لصالح استعراض القوة، بما يعمّق العزلة الإيرانية ويخدم حسابات مشعلي الحرب. الأخطر أن هذه السياسات تعيد إنتاج نمط ما بعد 2011، حين أسهمت تدخّلات إيران في تحويل دول عربية، وفي مقدمتها سورية، إلى جانب اليمن والعراق، إلى ساحات صراع مفتوح ضد رغبات الشعوب، بما راكم استعداءً واسعاً في الشارع العربي. ومع تكرار التجربة، تتآكل صورة "الداعم" التي سعت طهران لترسيخها، لتحل محلها حالة متصاعدة من التوجس والرفض، تتفاقم مع كل عودة إلى منطق التلويح بالأذرع وفتح أبواب النزاعات مجدداً. في المحصلة، لا تبدو الاستهدافات ضد الخليج، مروراً بالعراق والأردن، مجرد تصعيد عابر، بل مؤشر على فقدان البوصلة الاستراتيجية. وبين مشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة، وسياسات إيرانية تدفع نحو مزيد من الاستعداء، يجد الإقليم نفسه أمام معادلة خطرة. وهو ما يجعل الحاجة ملحّة لمراجعة حقيقية في طهران تعيد الاعتبار لمنطق الدولة، وتضع حداً لمسار يراكم الخصوم بدل تقليصهم.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية