عين جالوت مسؤولية المنبر و واجب الميدان ! - احمد عبدالملك المقرمي
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

 

   تعيش أمتنا ـ اليوم ـ أياما عصيبة، و على حافة جبهات مشتعلة، و مخطط ماكر، لا يجب إزاءها الغفلة، و لا التجاهل؛ لأن مغبة الغفلة و التجاهل أن تداهمك الأخطار و أنت تنتظر فرجا من حيث لا يكون لك جهد العمل اللازم فيه، و هذا في ميزان الدين تفريط آثم ، يخالف قاعدة : "و أعدوا"، و يخالف قواعد السياسة التي يقيها المكر و الغدر؛ سوء الظن بالخصوم، و يوردها المهالك حسن الظن الأبله بالخصوم ..!!

 

  أمام المواجهات الكبرى، و المراحل الفاصلة تأوي الأمم إلى ما أعدت من قوة، و تلجأ فورا إلى ما اتخذت من تدابير . و بُعدها الاستراتيجي هنا هو التأييد الشعبي المتلاحم.

   و الأمم المفرطة، و التي تخادع نفسها بحسن الظن على حساب الإعداد و الاستعداد تدفع الثمن بأتعس ما يمكن أن تتصوره.

 

   بين يدينا ذكرى معركة عين جالوت التي جاءت على إثر نكبة السقوط المروع لعاصمة الخلافة بغداد سنة 656 هـ. في يد المغول التتر الذين أخذوا يزحفون بعدها على الممالك الإسلامية واحدة تلو الأخرى من حدود الصين حتى وصلوا إلى حدود مصر ؛ و كانت بلاهة تلك الممالك البقاءعلى ما هي عليه؛من غياب الإعداد، و من التمزق، و عدم التعاون فيما بينها لمواجهة الخطر المغولي،و الأدهى أن بعضها أعان المغول على إخوتهم في الدين و العروبة ظنا منها أنها ستخلص نَجِيّا من المغول بانبطاحها؛ كما و سوست لها سذاجتها،  أو لمساندتهم كما هو شأن فريق آخر، و إذا بالفريقين ضحية خيبتهم،  وغدر

المغول الذين ازدروا تمزقهم، و خيانة بعضهم بعضا.

 

   كانت أموال دار الخلافة في بغداد تكفي لبناء جيش يقارع جيش التتار و يلحق به أعظم هزيمة؛ لكنها بقيت مكدسة فيما كان الجيش يتضور جوعا، و من جهة أخرى فقد كان دور الوزير ابن العلقمي (الخائن) أن يقلص تعداد الجيش إلى عشرة آلاف فرد فقط مع حرمانه من حقوقه؛ لتقع تلك الأموال المكدسة بيد المغول حيث وقف القائد المغولي منبهرا حول ماذا كان يمكن أن تفعله هذه الأموال لو أنها وظفت للدفاع عن الدولة ؟!

 

   تهاوت الممالك (الكانتونية) واحدة بعد أخرى حتى مشارف أرض مصر.

  حين تغيب المبادئ تطغى الأثرة، و تتعاظم الأنانية؛فيقفز على السلطة أقزام يمزقون البلد إلى كانتونات هشة تشبع رغبات الأقزام،و لو جاء على حساب الدين و الوطن ..!!

 

   و العجيب الغريب أن بعض ملوك دويلات الشام، كانوا يرون تساقط دويلات شبيهة بهم فلا يتعظون ! و الأمَرُّ الأدهى أن بعض زعماء الدويلات العربية ـ يومها ـ كانت في الوقت نفسه تتآمر لتشكيل حلف يسقطون به مصر و ضمها إليهم، و ما كانوا يقدّرون ما يجري حولهم.

 

   و فيما هم في غفوتهم سادرون؛ داهمهم التتار فأسقطهم جميعا، و أخذ يعد لاجتياح مصر.

 

   في مصر كان الدرس مما جرى لبغداد و غيرها واضحا، فانبرى المنبر و الميدان معاً يعززان الإعداد و الاستعداد لمنازلة المغول الغزاة.

 

   أما المنبر فقد كان العـــــــز بن عبد الســـلام العالم الجليل ، و الفقية التقي نجم المنبر الذي حرك الجماهير؛ مُعبّـئًا صفوفها، و مستنهضا هممها، و محفزا يقظتها؛ فإذا هي و قد غدت طوع توجيهات هذا العــــــالم التقي مستعدة للجـــــهاد، و التضحية.

 

   و أمام الدور الذي نهض به العز بن عبد السلام تكسرت تهديدات المغول التي كانوا يبثونها عبر رسائلهم، فقد حَصّن المنبر المجتمع من الضعف أو الهوان، و انتقل بهم إلى مسار العزم و الإقدام.

   و هذا هو دور العلماء العاملين عبر التاريخ،الذين يعرفون دورهم ، و يعرفون حقيقة واجبهم،و يفهمون مكان جبهتهم الحقيقية التي أناطها الله بهم. 

 

   و أما الميدان فكان السلطان المظفر قطز ، يُعبئ صـــــفوف القادة، و الجند، و يحثهم لملاقاة العدو، و يُحبّب لهم التضحية و منازل المجاهدين، حتى إذا  ما رأى تقاعسا من بعض قادة الجيش؛ قال كلمته الصارمة:  والله لأقاتلنهم و لو كنت وحدي، و يكون عار ما يلحق بنساء المسلمين لعنة على المتقاعسين؛ فاستثار حميتهم فأجمعوا على الجهاد معه.

 

   حين تختفي المشاريع القزمية، يبرز المشروع الجامع، و ما عرف التاريخ أن مشاريع الأقزام تنصر أمة، أو تسترد حقا.

 

   لم ينتظر سيف الدين قطز مجيئ المغول إلى مصر، و إنما بادرهم بعزم المحراب، و حسم الميدان و مضى الجيش المجاهد نحو فلسطين؛ لتكون معركة عين جالوت في أرض فلسطين صبيحة يوم 25 من شهر رمضان 658 هـ. حيث يكون النصر المؤزر، الذي أسقط أسطورة الجيش المغولي الذي أسقط بغداد، كان النصر عظيما بحيث أذهل الجميع، و خاصة أولئك الذين كانوا يرددون عبارة المهزومين:  إذا سمعت أن جيش التتار انهزم فلا تصدق ..!!

 

   كانت مصر آخر جدار صدٍّ يُعَوَّل عليه، و كانت عند مستوى المهمة، حيث نهضت بإرادة المنبر، و عنفوان الميدان، فكان نصر الله و الفتح.

   أمران لا ينبغي للأمة أن تتهاون بهما: بناء الإيمان، و الإعداد اليقظ من أمة:"وأعدوا".

 

 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية