عربي
في موسم درامي سوري شهد عودة عدد كبير من الممثلين الذين كانوا خارج البلاد، برز مسلسل "ما اختلفنا" في موسمه الثالث بوصفه أحد الأعمال التي تحاول إعادة إحياء تقليد الكوميديا النقدية في الدراما السورية. ورغم محدودية عدد المسلسلات الكوميدية هذا العام، يلفت العمل الانتباه بمحاولته تقديم هذا النوع من الدراما الذي يعتمد على اللوحات القصيرة في مقاربة الواقع السياسي والاجتماعي. يبدو "ما اختلفنا" (مجموعة كتّاب، إخراج وائل أبو شعر) في مخيلة المشاهد امتداداً غير مباشر لمسلسل "بقعة ضوء"، العمل الشهير الذي قُدّم على مدار خمسة عشر موسماً، وكانت أجزاؤه الأولى قد حققت نجاحاً وما تزال لوحاته تُستعاد حتى اليوم. أما الأجزاء الأخيرة منه، فلم تبلغ المستوى نفسه من التأثير، ما يجعل أي عمل يعتمد صيغة اللوحات الكوميدية يقارن به تلقائياً.
يشهد الموسم الحالي من "ما اختلفنا" (يعرض على سوريا 2، والعربي 2، والعربي بلس) انضمام أحد أبرز أعمدة نجاح "بقعة ضوء"، الممثل أيمن رضا، الذي شكّل مع باسم ياخور ثنائياً بارزاً في عدد من الأجزاء السابقة. وافترق الممثلان لاحقاً في بعض أجزاء "بقعة ضوء" وفي جزأي مسلسل "ببساطة"، الذي يمكن اعتباره مرحلة انتقالية بين العملين، قبل أن تنتهي الخلافات بينهما أخيراً بمصالحة. ويبدو أن الشركة المنتجة (ميتافورا) سعت من خلال هذا الانضمام إلى تعزيز عناصر القوة في العمل وتأمين أسباب نجاحه.
ينتمي "ما اختلفنا" إلى نمط الكوميديا السوداء، التي تعتمد النقد السياسي والاجتماعي عبر النكتة المرّة. وفي هذا النوع من الأعمال، لا يكون الضحك هو الغاية الوحيدة، بل غالباً ما يكون الهدف الأساسي تحريض المشاهد على التفكير في الواقع الذي يعيشه، والتساؤل عن الأسباب التي أوصلت إليه. وفي بلد مثل سورية، يعني ذلك بالضرورة ممارسة نقد يُضبط بعدد من الخطوط الرقابية، سواء كانت معلنة أو مفهومة ضمنياً، وهي خطوط يحددها النظام السياسي، بصرف النظر عن طبيعته.
يحضر التغيير الذي شهدته البلاد في عدد كبير من لوحات الموسم الحالي، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. حتى إن إحدى اللوحات أُنجزت باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويظهر فيها بشار وحافظ الأسد. وتتناول بعض اللوحات موضوعات اجتماعية عامة لا ترتبط مباشرة بالظروف الراهنة، وإن كانت دوافعها غير منفصلة تماماً عن هذا السياق. في إحدى اللوحات، يحلّ الشيخ محل ضابط الأمن في الدوائر الحكومية، فيقيّم أوضاع الموظفين ويقرر من يمكنه الاستمرار في عمله ومن يُكشف "تكويعه" فيُفصل من وظيفته بناءً على ماضيه القريب. وفي لوحات أخرى، يظهر التطبيل للحكومة الجديدة، مصحوباً بتفاؤل مبالغ فيه بأن البلاد ستصبح نموذجاً اقتصادياً يفوق دبي وسنغافورة، وأن جميع من هاجروا أو هُجّروا إلى أوروبا سيعودون إليها، بل حتى الأوروبيون أنفسهم. لكن هذا التفاؤل يصطدم بواقع مختلف، إذ يتعثر بعض العائدين في ظلام انقطاع الكهرباء، ويصطدمون بغلاء الأسعار وندرة فرص العمل. ولا يقتصر التطبيل على مواطنين متحمسين، بل يمتد إلى ما يشبه "الذباب الإلكتروني"، إذ تُقام مسابقات واختبارات لتوظيف أشخاص مهمتهم مهاجمة أي صوت معارض وتخوينه واتهامه بأنه من "الفلول". في إحدى هذه اللوحات، يحصل أحد المتقدمين على لقب "دبّور إلكتروني" لقوة ردوده.
تتناول لوحة أخرى الإرباك الذي أحدثه طرح العملة الجديدة، مع استمرار تداول العملة القديمة، الأمر الذي يجعل الحسابات معقدة إلى حد يحتاج فيه المرء إلى "أستاذ رياضيات" لضبطها. ويظهر ارتباك آخر في تحديد العناوين، بعد تغيير أسماء الشوارع والساحات التي كانت تحمل اسم عائلة الأسد أو أفرادها وألقابهم إلى أسماء عامة جديدة. في لوحة مختلفة، يتحول "اختبار إثبات الحالة" إلى موقف ساخر، حين يواجه رجل وامرأة موجودان في مكان عام أو داخل سيارة مشكلة بعد نسيانهما عقد الزواج أو دفتر العائلة في المنزل، فيتعرضان للتوقيف إلى أن تُحضر الأوراق المطلوبة، أو إلى اختبار يُسأل فيه كل منهما على حدة عن تفاصيل البيت الزوجي للتأكد من صحة العلاقة.
ومن أكثر لوحات "ما اختلفنا" جذباً لجمهور مواقع التواصل الاجتماعي، مشهد ساخر يظهر فيه بشار الأسد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. في اللوحة، يتلقى الأسد درساً في اللغة الروسية من معلمة تؤدي دورها جيني إسبر بإطلالة مختلفة وشعر أشقر. تتحول محاولاته المتعثرة لتكرار الكلمات إلى حوار كاريكاتيري يلمّح إلى علاقات السلطة والسياسة الخارجية، ما ساهم في انتشار المقطع انتشاراً كبيراً.
مع ذلك، يفتقد المسلسل إلى أحد العناصر التي كانت تشكل قوة في هذا النوع من الكوميديا، وهو تصوير حياة الطبقات الدنيا في المجتمع، ولا سيما سكان الأحياء الفقيرة والعشوائيات، الذين يعوضون عجزهم عن تغيير واقعهم بالسخرية من أسباب القهر والانكسار. هذه كانت إحدى السمات البارزة التي ميّزت "بقعة ضوء". فمعظم لوحات "ما اختلفنا" تدور في بيوت أفراد من الطبقة الوسطى، وهي طبقة تكاد تختفي في الواقع السوري، كما تجري الأحداث في مطاعم وشوارع نظيفة. وقد صُوِّر المسلسل في لبنان، كما كان الحال في الجزأين السابقين.
يشارك في أداء شخصيات اللوحات عدد من الأسماء المعروفة في الكوميديا السورية، مثل جمال العلي، وأندريه سكاف، وقاسم ملحو، وأمانة والي، ومحمد حداقي، وأحمد الأحمد، ونظلي الروّاس، إلى جانب عدد من الممثلين مثل حلا رجب، وميسون أبو أسعد، ورشا بلال، وملهم بشر، ونور علي، ونانسي خوري، ويارا خوري، إضافة إلى الممثلين اللبنانيين فادي أبي سمرة وعبدو شاهين.
أما الكتّاب الذين شاركوا في تأليف اللوحات، فمن أبرزهم مازن طه، وكلوديا مرشليان، والممثل شادي الصفدي، ورانيا درويش، وهديل إسماعيل، ومعن سقباني.
يمكن القول إن "ما اختلفنا" محاولة واضحة لمواصلة مسار الكوميديا النقدية الذي عرفت به الدراما السورية. وبينما تتغير الظروف والموضوعات، يبقى هذا النوع من الأعمال مساحة نادرة لالتقاط مفارقات الواقع والسخرية منها، ما يمنح المسلسل حضوره الخاص في موسم درامي تشح فيه الأعمال الكوميدية.

أخبار ذات صلة.
ضربات غامضة تطول قيادات فصائلية في بغداد
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة