تعليم لبنان... العام الدراسي ضحية كوارث الحرب
عربي
منذ ساعة
مشاركة
قررت وزارة التربية اللبنانية استئناف التعليم بصيغ مختلفة بين الحضوري والتعليم عن بعد، ما يطرح إشكالية التفاوت بين الطلاب في مناطق متاح فيها متابعة الدراسة، وأخرى تحولت مدارسها إلى مراكز إيواء. يصعب الحكم على المشهد الدراسي أو رسم خريطة تعليمية واضحة بعد قرار وزارة التربية في لبنان استئناف التعليم في المدارس الخاصة، مع السماح لكل مدرسة باختيار الصيغة الأنسب، إن حضورياً أو عن بعد أو مدمجاً، بينما كشفت بيانات وزارة الصحة أن الحرب حصدت أرواح ما لا يقل عن 84 طفلاً. ووفق القرار الوزاري، ستعمل المدارس الرسمية عن بعد بداية من الأسبوع المقبل، ليكون الأسبوع الحالي مخصصاً لإتمام التحضيرات اللوجستية، على أن يعوَّض الطلاب النازحون في مراكز الإيواء. لكن إيجاد حل لمشكلة التفاوت التعليمي بين الطلاب، وما يرافقه من غياب للعدالة التعليمية، لن يكون سهلاً، أو لن يتحقق على الأغلب، وإن كان موقف وزيرة التربية ريما كرامي يفيد بأن الإنصاف لا يتحقق بمقاربة واحدة، بل باستجابة تختلف بحسب الظروف، واعتماد إجراءات مرنة تسمح لكل مؤسسة تعليمية باتخاذ القرار الأنسب وفق وضعها، وتلفت إلى أن "عدداً كبيراً من التلاميذ يتابعون برامج تعليمية أجنبية ترتبط بمواعيد امتحانات دولية لا يمكننا تعديلها محلياً، علماً أن الفترة المتبقية من السنة الدراسية لا تتجاوز 40 يوماً فعلياً". وتتفاوت الأوضاع الأمنية بين المناطق اللبنانية، فمناطق الشمال، مثل البترون وطرابلس، تُعدّ أكثر أماناً، إضافة إلى المتن في شمال شرق العاصمة بيروت، فيما تُصنّف مناطق أخرى قريبة من دائرة الخطر، مثل بعبدا والحازمية القريبتين من الضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق أخرى داخل دائرة الخطر نتيجة تعرضها المباشر للقصف، مثل الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني. الخطط التعليمية لن تكون فعالة ما دامت دائرة المخاطر تتوسع، وتطالب روابط التعليم الرسمي بتأجيل الدراسة إلى ما بعد فترة الأعياد بدورها، دعت روابط التعليم الرسمي، الثانوي والمهني والأساسي، إلى التريث في استئناف العام الدراسي، مشيرة إلى ضرورة تأجيل العودة إلى التدريس إلى ما بعد فترة الأعياد، مع التشديد على احترام مبدأ عدالة التعليم، وشددت في بيانها الأخير على الاستفادة من الفترة الحالية لتهيئة الظروف المناسبة للعودة المدرسية الفعالة، ولا سيما أنّ هذه المرحلة لا تتضمن سوى 12 يوم عمل فعلياً. نزح رئيس رابطة معلمي التعليم الأساسي الرسمي، حسين جواد، من منزله في الجنوب، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن "أوضاع الأساتذة والطلاب الذين اضطروا إلى النزوح لا تزال غير معروفة بالكامل، ولا نستطيع العمل في نصف وطن"، في إشارة إلى التفاوت الكبير بين المناطق، لافتاً إلى أن قطاع التعليم الخاص بات يشبه "جمهورية مستقلة" تعمل وفق معايير مختلفة. ويوضح جواد أن "نحو 700 مدرسة رسمية معطلة حالياً، إما بسبب وقوعها في مناطق الحرب، وإما بسبب استخدامها لتكون مراكز لإيواء النازحين، ما يعني أن نحو 400 مدرسة فقط قادرة على استئناف التعليم. لذا، ترى روابط التعليم أن من الأفضل الاستفادة من فترة الأعياد المقبلة، التي تشمل عيد الفطر وعيدي الفصح الشرقي والغربي، للتحضير الجيد للعودة. مع طرح أسئلة أساسية تشمل: هل يملك الطلاب الأجهزة اللازمة للتعلم عن بعد؟ وهل يمتلك الأساتذة الحواسيب الخاصة بهم؟ وهل الإنترنت متوفر في المناطق التي نزحوا إليها؟ ما زال بعض الطلاب والأساتذة في الشوارع". ويتابع: "شهد لبنان ظروفاً مشابهة خلال المرحلة الأولى من الحرب الأهلية، حين تعطلت الدراسة بسبب الظروف الأمنية، ما دفع المدارس آنذاك إلى تعويض الفاقد التعليمي من خلال دمج عامين دراسيين في عام واحد، فهل وزارة التربية مستعدة لوضع خطة طوارئ إن توسعت الحرب؟ بصفتي مدير مدرسة الغسانية الرسمية (قضاء صيدا، جنوب)، لا أعرف حالياً أماكن العديد من المدرسين الذين نزحوا، والخطوة الأولى ستكون محاولة التواصل مع الأساتذة والطلاب عبر مجموعات واتساب، مع العلم أن استخدامه في التعليم غير مسموح رسمياً، لأنه لا يشكل صفاً افتراضياً منظماً مثل منصات تيمز أو زوم، ما يزيد من تعقيد الوضع". نزحت عبلة مع عائلتها من بلدة الصرفند إلى مدرسة الجاهلية المتوسطة الرسمية المختلطة (قضاء الشوف، جبل لبنان)، وترى أن قرار استئناف التعليم خاطئ. تقول: "الإنترنت ضعيف في المدرسة، إضافة إلى عدم توفر الكتب أو الأجهزة اللازمة للتعلم عن بعد. عندما سمعنا التهديدات، لم نعرف كيف خرجنا من المنزل، وبالتالي لم نتمكن من أخذ شيء معنا. المشكلة ليست لوجستية فقط، بل نفسية أيضاً، فلسنا قادرين نفسياً على تدريس أولادنا في هذه الظروف، والأطفال غير مستعدين للعودة إلى الدراسة". بدورها، تروي زهراء، وهي أم لطفل في التاسعة، أنها نزحت من قرية عدلون (قضاء صيدا، جنوب) إلى الصرفند (قضاء صيدا) خشية عدم إيجاد مراكز إيواء في بيروت أو الشمال. وتقول لـ"العربي الجديد": "حتى لو كان التعليم عن بعد، فلست متيقنة من مدى قدرة ابني على التركيز. نعيش حالياً في حالة خوف دائم، وبالكاد استطعنا أخذ بعض الملابس لحظة الهرب، ولا نملك كتباً ولا أجهزة".  من جهته، يقرّ مدير مدرسة رجم خلف الكلخة في وادي خالد بمحافظة عكار (شمال)، خير الدين خضر، بأن استئناف التعليم ليس قراراً عادلاً في ظل الظروف الحالية، رغم أن مدرسته تقع في منطقة آمنة، كذلك فإن أساتذتها وطلابها لا يزالون فيها. ويؤكد لـ"العربي الجديد" ضرورة اعتماد خطة وزارة التربية التي وضعت خلال حرب عام 2024، والتي تنص على أن تعتمد المدارس الرسمية الواقعة في مناطق آمنة وغير المستخدمة مراكزَ إيواء، التعليم الحضوري ثلاثة أيام متتالية أسبوعياً، والمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، يمكن نقل طلابها إلى أبنية مدرسية مجاورة أو إلى دور المعلمين، مع اعتماد برنامج حضوري صباحي أو مسائي. وفيما تكافح المدارس الرسمية للاستمرار، سواء كمؤسسات تعليمية أو كمراكز إيواء، تسير المدارس الخاصة في اتجاه مختلف. يقول الأمين العام للمدارس الكاثوليكية، الأب يوسف نصر، لـ"العربي الجديد": "الحرب قد تطول، ولا يمكن حرمان الطلاب حقهم في التعليم، والحل قد يكون استئناف التعليم الحضوري في المناطق الآمنة، في مقابل اعتماد التعليم عن بعد في المناطق الساخنة، مع إيجاد حلول للمدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، مثل دمج طلابها في مدارس خاصة خلال الفترة الصباحية أو اعتماد دوام بعد الظهر. الظروف مأساوية، لكننا لا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي، فالتعليم فعل مقاومة". ويشدد على "ضرورة اعتماد مبدأ المرونة مع مواكبة التطورات الأمنية، ومراعاة الظروف المختلفة للطلاب، إضافة إلى أهمية الدعم النفسي، ومن ذلك إقامة مبادرات روحية ووطنية لدعمهم. شعر الكثير من الأهالي بارتياح لقرار استئناف الدراسة، لأنهم يحتاجون إلى الذهاب إلى العمل، وطالما أن الاقتصاد لا يزال نشطاً، فلماذا تبقى المدارس مغلقة؟ المطلوب أن تضع كل مدرسة خطة طوارئ واضحة بالتنسيق مع الأهالي والبلديات والجمعيات والقوى الأمنية، تتضمن الأماكن الآمنة، وبوابات الخروج، وأدوار الأساتذة، وكيفية تصرف التلاميذ في حالات الخطر". من جهتها، تقول رئيسة اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة، لمى الطويل، لـ "العربي الجديد"، إن "أي خطة تعليمية لن تكون فعالة بالكامل ما دامت دائرة الخطر تتوسع. ينبغي أن تعمل وزارة الداخلية والقوى الأمنية والصليب الأحمر على إعداد خطة طوارئ في حال اعتماد التعليم الحضوري، فالتعليم عن بعد ليس مثالياً، لكنه يبقى خياراً متاحاً بين السيئ والأسوأ، كذلك يجب تعويض الطلاب الذين يتعلمون عن بعد لاحقاً، لأن هذا النمط من التعليم غير كافٍ، بينما المناطق التي لا تستطيع استئناف التعليم بسبب الظروف الأمنية أو اللوجستية تعيش كارثة تعليمية. عموماً، لا عدالة في لبنان، والإصرار الأكبر على استئناف التعليم جاء من المدارس الكاثوليكية، وهو يرتبط إلى حد كبير بالحاجة إلى تحصيل الأقساط المدرسية". تقيم فرح في بلدة رومية (قضاء المتن، جبل لبنان)، حيث تقع مدرسة أطفالها الخاصة، وهي تؤيد قرار العودة إلى التعليم الحضوري، خصوصاً أن المنطقة لا تزال آمنة. وتقول لـ"العربي الجديد": "لا يعني ذلك عدم التضامن مع الطلاب في المناطق الأخرى المهددة، لكن إذا كان أطفالي قادرين على التعلم، فلماذا يُحرَمون ذلك؟". أما ندى، وهي أم نازحة لطفل، فتؤكد لـ"العربي الجديد" أن "تحقيق العدالة في هذه الظروف أمر شبه مستحيل. ندفع أقساطاً مدرسية كبيرة سنوياً، وطالما أن استئناف التعليم ممكن، فأنا أؤيده. لكني أفضل حالياً التعليم عن بعد، لأني لا أشعر بالأمان في التنقل داخل بيروت".  ويختصر حسين جواد قضية العدالة التعليمية بالقول إن "لبنان مقسوم، وبينما الطلاب النازحون سيُظلمون، ستجد من يدافع عن حق الطلاب القادرين على الاستمرار في التحصيل العلمي، وقد يكون الجميع على حق".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية