عربي
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة حرجة بعد صعود أسعار النفط إلى مستويات قاربت 120 دولاراً للبرميل، ما دفع وزراء مالية مجموعة السبع للاجتماع العاجل لبحث السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وعلى الرغم من أن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، تمتلك مخزونات استراتيجية تتجاوز 1.2 مليار برميل، وهي مصممة لمواجهة الصدمات المفاجئة في الإمدادات، فإن حجم الاضطراب الحالي في أسواق الطاقة قد يحدّ من قدرة هذه الاحتياطيات على احتواء الأزمة بالكامل، وفق تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ الأميركية، اليوم الاثنين.
وتشير تقديرات مصر سيتي غروب إلى أن سوق النفط يخسر نحو 16 مليون برميل من الإمدادات اليومية نتيجةً لانقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز. ويعادل ذلك قرابة 16% من الإمدادات العالمية، ما يضع الأسواق أمام واحدة من أكبر صدمات الطاقة منذ سنوات، بحسب الوكالة، وهو ما يعني أن الأزمة الراهنة ليست نقصاً في معروض النفط العالمي بقدر ما هي شلل لوجستي كامل في مضيق هرمز، وهو ما يجعل الفارق الزمني بين قرار السحب من الاحتياطيات ووصول الشحنات للمصافي عائقاً كبيراً، وسط تحذيرات من أن استخدام المخزونات الآن سيترك العالم مكشوفاً لاحقاً.
وتتبنى الإدارة الأميركية نهجاً يعتمد على مراقبة الأسواق ورفض السحب الفوري من الاحتياطي مراهنةً على وصول الإنتاج الأميركي لمستويات قياسية والاعتماد على النفط الفنزويلي. وفي المقابل، يظهر الاتحاد الأوروبي ثباتاً أكبر، مؤكداً امتلاكه مخزونات تكفي 90 يوماً، مع تركيزه الخاص على تأمين وقود الطائرات والديزل الذي يعتمد فيه بشدة على الخليج. ويرى صانعو القرار في بروكسل أن الإمدادات الحالية كافية لتغطية الاحتياجات العاجلة، وأن الاضطرابات الراهنة تظل في إطار الأزمة اللوجستية المؤقتة التي لا تستدعي السحب، طالما أن ناقلات الغاز المسال المقررة لشهر مارس قد عبرت بالفعل قبل تأزم الموقف، وفق "بلومبيرغ".
وتعد الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية إحدى أهم أدوات إدارة الأزمات في سوق الطاقة العالمية، إذ تعتمد عليها الحكومات لتخفيف الصدمات الناتجة عن اضطرابات الإمدادات أو الارتفاعات الحادة في الأسعار. وبحسب منصة التدريب الأميركية المتخصصة في صناعة النفط والغاز (EKT Interactive)، تطور مفهوم هذه الاحتياطيات منذ سبعينيات القرن الماضي بعد أزمة النفط عام 1973، حين أدركت الدول الصناعية أن الاعتماد الكامل على السوق العالمية دون وجود مخزون طوارئ يمثل خطراً اقتصادياً وأمنياً كبيراً. ومنذ ذلك الحين، أصبحت مخزونات النفط الاستراتيجية جزءاً أساسياً من سياسات الأمن الطاقي في معظم الاقتصادات الكبرى، سواء عبر منشآت حكومية ضخمة أو من خلال إلزام الشركات التجارية بالاحتفاظ بمخزونات محددة.
وتلعب هذه الاحتياطيات دوراً محورياً في استقرار الأسواق، إذ يمكن للحكومات الإفراج عن جزء منها في حالات الطوارئ لتعويض النقص المفاجئ في الإمدادات العالمية. وقد حدث ذلك مرات عدة خلال العقود الماضية، أبرزها أثناء حرب الخليج عام 1991، وبعد إعصار كاترينا عام 2005، ثم خلال الأزمة النفطية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، فإن الدول الأعضاء في الوكالة ملزمة بالاحتفاظ بمخزون نفطي يعادل ما لا يقل عن 90 يوماً من وارداتها النفطية، وهو ما يعكس أهمية هذه المخزونات في الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
وهناك فرق بين الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والاحتياطيات النفطية الطبيعية، فالأولى تعرفها إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأنها مخزونات طارئة من النفط الخام تقوم الحكومات بتخزينها مسبقاً فوق الأرض لمواجهة اضطرابات الإمدادات أو الأزمات في سوق الطاقة. أما الاحتياطيات الطبيعية، أو ما يعرف بالاحتياطيات المؤكدة، فهي، بحسب نفس المصدر، كميات النفط الموجودة في باطن الأرض داخل الحقول النفطية والتي تشير الدراسات الجيولوجية والهندسية إلى إمكانية استخراجها.
في ما يلي خريطة لأكبر عشر دول أو كتل اقتصادية تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية في العالم، بالاستناد إلى نتائج مسح أجراه موقع "العربي الجديد" للبيانات والمصادر الرسمية وتقارير المؤسسات الدولية المتخصصة.
الولايات المتحدة
تمتلك الولايات المتحدة أكبر احتياطي نفطي استراتيجي في العالم، تصل سعته التخزينية إلى نحو 714 مليون برميل من النفط الخام. وقد أنشئ هذا الاحتياطي بموجب قانون سياسة الطاقة والحفاظ عليها لعام 1975، في أعقاب أزمة حظر النفط العربي عام 1973 التي كشفت هشاشة إمدادات الطاقة في الاقتصاد الأميركي. ويهدف هذا الاحتياطي إلى توفير مخزون طارئ يمكن استخدامه لتخفيف آثار أي اضطرابات مفاجئة في السوق العالمية. ويتم تخزين النفط في هذا الاحتياطي داخل كهوف ملحية ضخمة تحت الأرض موزعة على أربعة مواقع رئيسية على ساحل خليج المكسيك في ولايتي تكساس ولويزيانا.
وتتميّز هذه الكهوف بقدرتها على حفظ النفط لفترات طويلة مع تكلفة تشغيل منخفضة نسبياً مقارنة بأنواع التخزين الأخرى. وتستطيع الحكومة الأميركية سحب النفط من هذا الاحتياطي بسرعة كبيرة في حالات الطوارئ، حيث يمكن ضخ ملايين البراميل يومياً إلى السوق عبر شبكة خطوط الأنابيب والموانئ. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا الاحتياطي مرات عدة خلال العقود الماضية، كان أبرزها في عام 2022 عندما أطلقت إدارة الرئيس جو بايدن أكبر عملية سحب في تاريخ الاحتياطي بإجمالي 180 مليون برميل، بهدف تخفيف ارتفاع أسعار الوقود بعد الحرب الروسية في أوكرانيا.
الصين
تأتي الصين في المرتبة الثانية عالمياً من حيث حجم الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، إذ تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى امتلاكها مخزوناً يتراوح بين 400 و500 مليون برميل من النفط. وبدأت بكين بناء احتياطياتها الاستراتيجية منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية الاقتصاد الصيني من تقلبات سوق الطاقة العالمية وضمان استمرار الإمدادات للصناعة والقطاع الصناعي الضخم في البلاد. وتقوم الصين بتخزين النفط في شبكة واسعة من الخزانات الساحلية والمرافق البرية المنتشرة في مناطق مختلفة من البلاد، خصوصاً بالقرب من الموانئ ومراكز التكرير الكبرى.
وتعمل الحكومة الصينية على توسيع هذه المنشآت تدريجياً، حيث تنفذ مراحل متتابعة من برنامج الاحتياطي الاستراتيجي، ما يجعل المخزون الصيني في نمو مستمر. كما تستفيد بكين من فترات انخفاض الأسعار العالمية لزيادة مشترياتها وملء الخزانات بكميات إضافية. ويمثل هذا الاحتياطي أحد عناصر استراتيجية الصين لتعزيز أمن الطاقة الوطني، خاصة أن البلاد تعد حالياً أكبر مستورد للنفط في العالم. فمع استهلاك يتجاوز 14 مليون برميل يومياً، تسعى الحكومة الصينية إلى امتلاك مخزون يمكنه دعم الاقتصاد في حال حدوث اضطرابات في الإمدادات العالمية أو توترات جيوسياسية تؤثر في طرق الشحن البحري.
اليابان
تعد اليابان من أكثر الدول اعتماداً على الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية بسبب افتقارها إلى الموارد الطبيعية المحلية. ويبلغ إجمالي مخزونها النفطي، الحكومي والتجاري معاً، نحو 470 مليون برميل، وهو ما يكفي لتغطية أكثر من 200 يوم من الاستهلاك المحلي، وفق بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية. ويتكون النظام الياباني من جزأين رئيسيين: احتياطي حكومي تديره الدولة مباشرة، واحتياطي تجاري تلتزم الشركات النفطية بالاحتفاظ به وفق القوانين التنظيمية. ويتيح هذا النظام المزدوج لليابان مرونة كبيرة في إدارة الأزمات، حيث يمكن للحكومة الإفراج عن النفط بسرعة في حال حدوث اضطرابات في الإمدادات. وقد استخدمت اليابان هذا الاحتياطي عدة مرات بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية خلال الأزمات العالمية، مثل الأزمة النفطية عام 2011 التي أعقبت الاضطرابات في ليبيا.
كوريا الجنوبية
تمتلك كوريا الجنوبية أحد أكبر الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في آسيا، إذ تقدّر سعتها التخزينية بنحو 200 مليون برميل. وتدير هذه المنشآت شركة النفط الوطنية الكورية، التي تشرف على شبكة واسعة من مرافق التخزين المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد. ولا يقتصر دور هذه المنشآت على توفير احتياطي طوارئ للاقتصاد الكوري، بل تحولت أيضاً إلى مراكز تخزين تجارية دولية تستضيف كميات من النفط المملوكة لشركات عالمية. ويمنح هذا النموذج كوريا الجنوبية دوراً متزايد الأهمية في تجارة النفط العالمية، خصوصاً في منطقة شرق آسيا.
الاتحاد الأوروبي
لا يمتلك الاتحاد الأوروبي احتياطياً نفطياً موحداً، لكنه يفرض على كل دولة عضو الاحتفاظ بمخزون يعادل 90 يوماً من واردات النفط على الأقل. ويتم تنفيذ هذا الالتزام عبر مزيج من الاحتياطيات الحكومية والمخزونات التجارية لدى شركات النفط، وفق توجيه مخزونات النفط الصادر عن المفوضية الأوروبية. وتختلف أحجام هذه المخزونات بين الدول الأوروبية بحسب حجم الاقتصاد واستهلاك الطاقة. فدول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تمتلك احتياطيات ضخمة تبلغ عشرات الملايين من البراميل، في حين تحتفظ الدول الأصغر بمخزونات أقل لكنها تفي بمتطلبات الحد الأدنى المحددة في التشريعات الأوروبية. وقد استخدم الاتحاد الأوروبي هذه المخزونات عدة مرات بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية خلال الأزمات العالمية. ويهدف هذا النظام إلى تعزيز التضامن بين الدول الأعضاء وضمان توفر الطاقة في حالات الطوارئ، خصوصاً في ظل اعتماد أوروبا الكبير على واردات النفط والغاز من الخارج.
الهند
تعمل الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، على بناء احتياطياتها النفطية الاستراتيجية بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة. وتبلغ السعة الحالية للاحتياطي الهندي نحو 39 مليون برميل موزعة على عدة منشآت تخزين في مناطق مختلفة من البلاد. وتخطط الحكومة الهندية لتوسيع هذه السعة بشكل كبير خلال العقد المقبل، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية. كما تسعى الهند إلى التعاون مع شركات النفط العالمية لاستغلال منشآت التخزين في أغراض تجارية أيضاً، بحيث يُؤجّر جزء من السعة التخزينية لشركات أجنبية. ويسمح هذا النموذج بتقليل التكاليف على الحكومة وفي الوقت نفسه تعزيز مرونة نظام الاحتياطيات الاستراتيجية.
دول الخليج
على عكس معظم الدول الصناعية، تعتمد دول الخليج النفطية، وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت، على مفهوم مختلف للأمن الطاقي يتمثل في الطاقة الإنتاجية الفائضة بدلاً من الاحتياطيات الاستراتيجية التقليدية. فالسعودية، على سبيل المثال، تمتلك القدرة على زيادة إنتاجها بسرعة بملايين البراميل يومياً إذا دعت الحاجة، وهو ما يمنحها دوراً محورياً في استقرار سوق النفط العالمية. وقد استخدمت هذه القدرة عدة مرات لتعويض النقص في الإمدادات خلال الأزمات الدولية. كما أن بعض دول الخليج تمتلك منشآت تخزين تجارية ضخمة، مثل منشأة الفجيرة في الإمارات، التي تعد أحد أكبر مراكز تخزين النفط في العالم.
والثلاثاء الماضي، أعلنت السلطات المعنية في إمارة الفجيرة أن حريقاً اندلع في منطقة الفجيرة لصناعة النفط، نتيجة سقوط حطام بعد اعتراض طائرة إيرانية مسيرة بواسطة أنظمة الدفاع الجوي، مؤكدة عدم تسجيل إصابات والسيطرة على الحريق واستئناف العمليات بصورة طبيعية. وتوضح منطقة الفجيرة لصناعة النفط أنها تمتد بمحاذاة ميناء الفجيرة وتستضيف سعات تخزين تجارية للمنتجات النفطية، وتقول إن سعة التخزين الحالية لجميع أنواع المنتجات النفطية تبلغ نحو 70 مليون برميل.
