إسقاط الأنظمة في السياسة الأميركية... من نيكاراغوا إلى إيران
عربي
منذ يوم
مشاركة
لم يكن ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز أخيراً عن تزويد الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) قوات كردية إيرانية متمركزة في العراق بأسلحة خفيفة، في إطار برنامج سرّي بدأ قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تحسباً للاستعانة بهم ضد النظام الإيراني، حدثاً استثنائياً في السياسة الأميركية، فقد دعمت واشنطن المعارضة في عدد من دول العالم بالأسلحة لتدبير انقلابات ضد أنظمة الحكم غير الموالية لها. وتبرز في السياق إحدى أخطر هذه المحاولات في ثمانينيات القرن الماضي، عبر دعم الولايات المتحدة جماعات كونترا المسلحة المعارضة في نيكاراغوا، بعد سقوط نظام سوموزا في عام 1979. وكانت إيران في قلب فضيحة كونترا، مع نقل أسلحة أميركية سرّاً إليها عبر طائرات إسرائيلية خلال الحرب ضد العراق بين عامي 1980 و1988، وذلك على الرغم من حالة العداء بين طهران وواشنطن إثر سقوط نظام الشاه في عام 1979. سمحت "سي آي إيه" لجماعات كونترا ببيع المخدرات في الأحياء الأميركية الفقيرة البداية في نيكاراغوا بوصول الرئيس الجمهوري رونالد ريغان إلى البيت الأبيض في عام 1980، بدأت حقبة جديدة في الولايات المتحدة من الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، استخدم فيها ريغان شعار "السلام من خلال القوة" لتبرير سياساته في دعم الانقلابات في أميركا الجنوبية وبقاع عدة في أنحاء العالم. وكانت حرب فيتنام (1955 ـ 1975) التي انخرط فيها الأميركيون بين عامي 1961 و1973 في الأذهان، ما دفع الكونغرس آنذاك إلى رفض تمويل المعارضة في دولة نيكاراغوا. ومرّر المشرعون "تعديل بولاند" الذي هدف بشكل رئيسي لتقييد الإدارة الأميركية ومنعها من تقديم دعم عسكري لإطاحة الحكومة في الدولة التي اعتبرها واشنطن ضمن "فنائها الخلفي". أمام إصرار الكونغرس، لجأت إدارة ريغان إلى أساليب سرية، فسمحت الوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) لجماعات كونترا في نيكاراغوا ببيع مخدر "الكراك" في الأحياء الأميركية الفقيرة، خصوصاً في مدينة لوس أنجليس، التي يسكن في أغلبها أميركيون من أصول أفريقية. تعمّدت واشنطن التغاضي عن تهريب المخدرات إلى أراضيها، من أجل حصول "كونترا" على تمويل عسكري لحربها ضد الحكومة في نيكاراغوا. وأدى تدفق المواد المخدرة إلى انتشار "الكراك" في الأحياء الفقيرة داخل الولايات المتحدة، ما تسبب في تدمير حياة آلاف المواطنين الأميركيين وتفكك أسرهم وزيادة معدلات الجريمة والعنف في تلك المناطق. كذلك سعت إدارة ريغان من خلال مجلس الأمن القومي، للبحث عن وسائل سرية لتمويل من يطلق عليهم "متمردو كونترا في نيكاراغوا". كانت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة قد انقطعت بعد أزمة الرهائن الأميركيين عام 1979، الناجمة عن سقوط نظام الشاه ونجاح الثورة الإسلامية. وكانت الولايات المتحدة قد صنّفت إيران كأول "دولة راعية للإرهاب"، وهو ما كررته الإدارة الحالية التي اخترعت تصنيف "الدول الراعية للاحتجاز غير المشروع" من أجل تطبيقه على إيران. لكن في الثمانينيات، احتاجت إيران إلى الأسلحة بعد الاستنزاف الذي لحق بها خلال الحرب مع العراق، في المقابل، سعت الولايات المتحدة إلى إطلاق رهائن أميركيين مختطفين على يد جماعات موالية لإيران في لبنان. جرى ترتيب صفقة "كونترا" أو "إيران غيت"، فباعت واشنطن أسلحة سراً لإيران بأسعار أعلى من قيمتها، وحوّلت أرباح هذه المبيعات لدعم متمردي كونترا في نيكاراغوا. وقامت طائرات إسرائيلية بنقل الأسلحة إلى إيران، بصورة غير مباشرة، أي عبر التوقف في أكثر من محطة. استخدم ريغان شعار "السلام من خلال القوة" لتبرير سياساته في دعم الانقلابات أسلحة "كونترا" إلى إيران في أكتوبر/ تشرين الأول 1986، هاجمت القوات الحكومية في نيكاراغوا طائرة أميركية كانت تحمل أسلحة لجماعات "كونترا"، واعترف شخص نجا من الهجوم بعمله لصالح "سي آي إيه". في الشهر التالي كشفت مجلة الشراع اللبنانية أن الولايات المتحدة تبيع أسلحة بشكل سري لإيران، في مقابل المساعدة في إطلاق سراح رهائن أميركيين في لبنان. لاحقاً كشفت تحقيقات وزارة العدل عن مذكرة في مكتب أوليفر نورث، عضو مجلس الأمن القومي الأميركي آنذاك، تشير بوضوح إلى تحويل الأرباح من مبيعات الأسلحة في إيران إلى متمردي كونترا. وأذيعت لاحقاً جلسات الاستماع عبر شاشات التلفزة. اعترف نورث بالعملية ووصفها بأنها "فكرة جيدة" لتجاوز القيود القانونية المفروض من الكونغرس. لاحقاً، حاصرت الولايات المتحدة نيكاراغوا اقتصادياً، وتوقفت عن دعم "كونترا" عسكرياً، مما أدخلها في أزمات اقتصادية وجعل الحرب مكلفة، فحصلت تسويات سياسية في ماناغوا، شاركت فيها واشنطن، ثم أُجريت انتخابات في عام 1990. مرت على فضيحة "إيران غيت" 40 عاماً، وأصبحت واحدة من أكبر الفضائح السياسية في التاريخ الأميركي. غير أنها تشير إلى نمط متكرر للإدارات الأميركية في محاولة تجاوز سلطة الكونغرس والقانون، والسعي للتأثير في مسار الدول ومستقبلها، حتى لو أدى الأمر لمقتل مواطنين أميركيين. واليوم رغم نفي الرئيس دونالد ترامب الحاجة الحالية لدخول الأكراد إلى إيران بهدف إسقاط النظام، إلا أن نمط السياسة الأميركية واضح.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية