وليد الخالدي والدراسات الفلسطينية.. من المؤسسة إلى الحقل المعرفي
عربي
منذ يومين
مشاركة
"عُمر المؤسسات لا يقاس بعدد السنين بل بما حقّقت من أهداف تأسيسها". تضعنا عبارة وليد الخالدي هذه، التي ينقلها المدير العام الأسبق لـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية محمود سويد في مقال نُشر بملفّ خاص الصيف الماضي بمناسبة مئوية ميلاد المؤرّخ الفلسطيني الذي رحل أمس، في صميم الرؤية التي انطلق منها مشروع المؤسسة في بيروت عام 1963 على يد الخالدي بالاشتراك مع قسطنين زريق وبرهان الدجاني، والحيوية التي شملت الجانب الإداري كما البحثي منه. منذ البداية، قدّم وليد الخالدي وعياً مخلتفاً عن السائد عربياً آنذاك، بناء مؤسسة للدراسات لا يعني تأسيس مكتبة ولا الاكتفاء بمجلس ذي هيئة بحثية، بقدر ما يكون مشروعاً لصياغة الوعي الفلسطيني، ومواجهة محاولات طمس التاريخ، وخلق فضاء علمي مستقل. وبهذا كانت المؤسسة بعد الموافقة الحكومية على إنشائها ("العِلم والخبر" حمل توقيع وزير الداخلية آنذاك كمال جنبلاط) مساحةً لتدريب الباحثين، ولضمان أن المعرفة الفلسطينية لا تُترك للصدفة أو لروايات مضادة. رؤية مؤسساتية جمعت الكفاءة العِلمية بالخبرة العملية يشير سويد، الذي قضى في المؤسسة أكثر من نصف قرن، إلى أن الإدارة المتماسكة قامت على الشفافية والتطوع، ويعمل فيها كل فرد كشريك في مهمّة وطنية وفكرية. هذه البنية الإدارية الصلبة منحت المؤسسة قدرتها على مواجهة الأزمات، فقد صمدت خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وحافظت على استمرارية عملها رغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي تهجيرها من بيروت. المسار الذي اختاره الخالدي كان واضحاً: كلّ دراسة ومؤتمر وترجمة كانت وسيلة لمقاربة الحقائق الفلسطينية ضدّ السردية الصهيونية. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها، إذ نشأ حقل الدراسات الفلسطينية، يدرس الواقع الفلسطيني، ويعيد بناء تاريخ النكبة، ويضع الأسس العلمية لسرد فلسطيني مستقل وموثوق، بعيداً عن الضغوط السياسية والاستعمارية. كذلك يوضّح المؤرخ الفلسطيني فيليب مطر أن تأسيس مكتب للمؤسسة في واشنطن عام 1985، كان امتداداً لمشروع بيروت، وتجربة دقيقة في الإدارة المؤسسية والبناء المنهجي. أشرف وليد الخالدي على كل خطوة، من اختيار المبنى القريب من جامعة جورج تاون إلى تشكيل فريق عمل متعدّد التخصصات. وحرص على الجمع بين الكفاءة العِلمية والخبرة العمَلية، مستفيداً من علاقاته الأكاديمية مع جامعات مثل هارفرد وكولومبيا وكيمبريدج، لتوفير دعم استشاري ونشر مشترك، وضمان أن تكون كلّ منشورات المؤسسة موضوعية وواسعة الانتشار. ووفقاً لشهادة مطر، لم يقتصر اهتمام الراحل على الجانب البحثي، بل حرص على استقلالية المؤسسة في مواجهة الضغوط الخارجية، مثل الحملة التي شنتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) المدافعة عن مصالح إسرائيل على دار نشر جامعة كاليفورنيا التي تولّت نشر مجلة الدراسات الفلسطينية وتوزيعها. هذا التوازن بين الإدارة العملية، والاستقلالية، والجودة الأكاديمية، هو ما مكّن المؤسسة من الصمود. أمّا المؤرخ إيلان بابيه، فيشير في مقال له عن الخالدي، إلى أنه بين سنتَي 1965 و1982 أنتج أربعون باحثاً من مؤسسة الدراسات الفلسطينية (ومركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت) أكثر من 300 كتاب وبحث، مؤسِّسين بذلك قاعدة معرفية متينة لحقل الدراسات الفلسطينية. وقد قدّمت هذه الأعمال تحليلاً معمّقاً لمفاهيم مثل "الاستيطان الكولونيالي" و"معاداة الكولونيالية" لفهم النضال الفلسطيني، قبل أن يصبح الاستيطان الكولونيالي موضوعاً أكاديمياً مستقلاً. ولمّا كانت اللغة تشكل عائقاً في الوصول إلى جمهور عالمي واسع، استجاب الخالدي لذلك بإطلاق مجلة الدراسات الفلسطينية بالإنكليزية عام 1971، وتأسيس مركز تابع لها في واشنطن لنشر الكتب والأبحاث، ثم أُضيفت لاحقاً فصلية القدس بالإنكليزية (Jerusalem Quarterly) في 1998، إلى جانب إصدارات فرنسية وعربية، لتكون هذه المنصات أول مساحة عِلمية آمنة للبحث والكتابة عن فلسطين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية