هذه التوقيفات في تونس
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
جرى، نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة التونسية، إيقاف ثلة من نشطاء قافلة الصمود (نحو خمسة أعضاء، بمَن فيهم الطبيب محمد أمين بالنور)، بعد أن تصدّى لهم الأمن مساء الخميس وهم يسعون إلى تكريم عمّال ميناء سيدي بوسعيد الذي احتضن السنة الماضية انطلاق المرحلة التونسية الأهم من أسطول الصمود. كان نشطاء القافلة والأسطول، وهم تقريباً الوجوه نفسها، يستعدّون لإحياء الذكرى الأولى (9 يونيو/ حزيران 2025) لانطلاق القافلة التي كانت لاحقاً نواةً لكلّ حملات التضامن الإقليمي والدولي مع غزّة. تفيد التصريحات القليلة لبعض المحامين أو عائلات هؤلاء النشطاء وأصدقائهم بأن الإيقافات جرت من دون تقديم أيّ تفاصيل، غير أن اقتيادهم إلى أحد المقارّ الأمنية المعروفة بتتبّع الجرائم المالية والتحقيق فيها أثار شكوكاً حول إمكانية تتبّعهم تحت طائلة اختراق قوانين المالية المعمول بها، أي إمكان ارتكاب جرائم مالية قد تبدأ بتهم جمع الأموال والتبرّعات من دون ترخيص من السلطات، وتنتهي بشبهات أخطر تتعلّق بتبييض الأموال والفساد... إلخ. وقد تناولت بعض الصفحات الإلكترونية، قبل أشهر، تفاصيل ما عدّته تجاوزات مالية وغياب الشفافية المالية التي رافقت هذه الحملات التضامنية، وهي تُهمٌ ينفيها المنظّمون والنشطاء، ويعتبرونها جزءاً من استهداف المتضامنين مع غزّة والمقاومة عموماً. تحوّلت الشبكات الاجتماعية إلى قضاء موازٍ يجري التحقيقات ويكيّف الجريمة وفق التشريعات، ويحيل المتهم إلى "محكمة الشعب والتاريخ" والحقيقة أن هذا المنوال قد غدا معروفاً لدى التونسيين، فلا يستهدف النظام خصومه، مهما كانت الجريمة، بتهم "نبيلة" على غرار التظاهر وشتم النظام... إلخ. فهذه التهم، فضلاً عن تنقيحات تشريعية خفَّفت منها، تمنح مكانةً خاصّةً ووجاهةً وفخراً للموقوفين، وذلك ما يستكثره عليهم النظام؛ إنه لا يمنحهم شرف هذه المكانة. عادةً يُوقَف الخصوم، وهم كثر: مناضلون حزبيون، إعلاميون، نشطاء حقوقيون، بتهم مالية، وهي التهمة التي تجرّد الموقوف من النبل والاستقامة اللذين يُفترَض أن يُتحلّى بهما، ثم تتلقّفها لاحقاً الشبكات الاجتماعية لتتولّى سحل هؤلاء باعتبارهم إمّا فاسدين أو خونة. يجري هذا كلّه وقد تحوّلت الشبكات الاجتماعية إلى قضاء موازٍ يجري التحقيقات ويكيّف الجريمة وفق التشريعات، ويحيل المتهم إلى "محكمة الشعب والتاريخ"، كما يردّد الخطاب الرسمي للسلطة. حتى إذا صدرت الأحكام قضائياً، طالب الشعب بمزيد من الصرامة والتشديد. في هذه الإيقافات كلّها تُجيّش المشاعر الأكثر غلظة وتوحّشاً لدى الناس: الكراهية والشماتة والتشفّي والانتقام... حتى صارت العواطف الإلكترونية أكثر قسوةً وقمعاً. إنها ديكتاتورية ناعمة لا تقلّ بؤساً وضراوةً عن الخطابات الأكثر تشدّداً التي عرفتها البلاد في تاريخها المعاصر. كان الاستبداد فيما مضى يخوض معاركه منفرداً، إلا من بروباغندا الصحافة الرسمية وضجيج الحزب الحاكم. أمّا الآن، مع "المعركة" التي يخوضها النظام بوصفها معركة تحرّر وطني (كما يصرّ على تسميتها)، فإن الصمت خيانة، خصوصاً وقد تحرّر الفضاء العمومي الإلكتروني تقريباً من الرقابات، رغم صرامة الأمر (القانون) عدد 54 المتعلّق بجرائم استعمال أنظمة الإعلام والاتصال، التي وُظّفت للجم المعارضين. ديكتاتورية ناعمة لا تقلّ بؤساً وضراوةً عن الخطابات الأكثر تشدّداً التي عرفتها البلاد في تاريخها المعاصر وفي انتظار الاطلاع على التهم الموجّهة لهؤلاء النشطاء، فالأرجح أن عاملَين حاسمَين قد عجّلا هذه الإيقافات. يعود العامل الأول إلى الصدام الذي وقع بين الأمن والنشطاء، وقد تجمّعوا ليلاً لتكريم عمّال الميناء، كما أشرنا سابقاً، وقد صدر عن بعضهم ما يُعدُّ اعتداءً لفظياً على الأمنيين، نقلت بعض الصفحات الإلكترونية تفاصيله. ويُذكر أن هذا الميناء قد شهد ليلة انطلاق أسطول الصمود (الثلاثاء 9 سبتمبر/ أيلول 2025)، أثناء تجمّع السفن في هذا الميناء، سقوط أجسام نارية غريبة، رُجّح لاحقاً أن تكون بعض المسيّرات قد أطلقتها. ولا تزال التحقيقات جاريةً في انتظار إعلان النتائج، وقد وجّهت أصابع الاتهام إلى إسرائيل التي عاودت الكرّة لاحقاً مع السفن في عرض المتوسط. وقد يكون هذا العامل، والتحوّط الأقصى، دافعَين إلى هذه الإيقافات، خصوصاً أن هؤلاء النشطاء قد أعلنوا أنهم بدأوا بالفعل في الإعداد لقافلة الصمود 2، ما قد يسبّب إنهاكاً أمنياً، فضلاً عن إحراجات سياسية كبيرة للنظام، خصوصاً أن "مجلس السلام بغزّة" بصدد وضع ترتيباته الأخيرة، ومن شأن هذه القافلة أن توقظ مجدّداً تعبئةً يُراد لها أن تخبو. ولا يمكن أن ننسى مواقف خليفة حفتر في شرق ليبيا، ومصر، وغيرهما، التي تعاملت مع القافلة البرّية باعتبارها شرّاً وخرقاً لسيادة هذه الدول. وجع الرأس (المتوقّع) هذا يُراد أن تُكتم أنفاسه باكراً. أمّا العامل الثاني الذي قد يكون عجّل هذه الإيقافات أيضاً، فيعود إلى الوضع المتفجّر في المتوسّط، الذي يشهد خلال الحرب الأميركية الصهيونية على إيران توتراً غير مسبوق في ظلّ غموض مآلاتها، خصوصاً في ظلّ ما تنقله الصحافة العالمية خلال الأشهر الماضية من تقارب واضح بين النظام التونسي والنظام الإيراني. وقد تبدو أيُّ محاولة لدعم المقاومة انحيازاً واضحاً للمحور الإيراني، خصوصاً أن قافلة الصمود وأسطول الصمود قد حظيا بدعم أدبي ولوجستي من السلطات التونسية، وإن كانت المبادرة في أصلها شعبية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية