تفاقم ظاهرة الهجرة الداخلية في تونس
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
لم يكن محمد الدلهومي (32 سنة) يتوقع أن ينتهي به المطاف في غرفة ضيقة بحيّ شعبي في ضواحي العاصمة تونس، وهو الذي كان قبل خمسة أعوام يعيش في قرية صغيرة في ولاية القصرين وسط غربي البلاد، ويعمل مع والده في قطعة أرض زراعية بالكاد تكفي لسدّ حاجات العائلة. لكن مواسم الجفاف وتراجع مردودية الزراعة دفعاه إلى اتخاذ قرار صعب بترك ريفه الهادئ والرحيل نحو العاصمة بحثاً عن مورد رزق. يقول محمد لـ"العربي الجديد" وهو يرتب مواد البناء داخل الحظيرة التي يعمل فيها، إنّ أصدقاءه من أبناء قريته اقترحوا عليه الانتقال نحو العاصمة للعمل معهم في حظيرة البناء مقابل أجر يومي يُراوح بين 30 و40 ديناراً تونسياً (بين 10 و14 دولاراً أميركياً) بعد أن فقد الأمل في الحصول على مورد كسب دائم في قريته. يؤكد المتحدث أن فرص العمل في العاصمة أفضل رغم قسوة ظروف الإقامة والتنقل، مضيفاً "على الأقل أستطيع العمل على نحوٍ يومي وإرسال بعض المال لعائلتي". لا يعتقد محمد أن العمل في حضائر البناء في العاصمة سيُخرجه من الفقر، لافتاً إلى أن الهجرة الداخلية هي شكل من أشكال المكافحة من أجل الحياة، ومنبّهاً إلى أنّ عواقب هذه الهجرة قد تكون وخيمة لأولئك الذين يقعون في شراك البحث عن الكسب السهل وغير الشرعي. وتتواصل الهجرة الداخلية في تونس منذ سنوات، إذ يغادر آلاف الشباب مدنهم وقراهم متّجهين نحو العاصمة وضواحيها، أملاً في فرص عمل أفضل، ما يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية والعمرانية للعاصمة. وتشير نتائج التعداد العام للسكان  لسنة 2024 إلى أن عدد سكان تونس بلغ نحو 11.97 مليون نسمة، ويعيش نحو 70% منهم في المناطق الحضرية، ما يعكس تسارع وتيرة التمدّن وانتقال السكان من المناطق الريفية والداخلية إلى المدن الكبرى.  وتُظهر الأرقام أيضاً تركزاً سكانياً كبيراً في الشريط الساحلي والعاصمة، إذ يقطن نحو ثلث سكان البلاد في إقليم تونس الكبرى، في مقابل كثافة سكانية أقلّ في ولايات الوسط الغربي والجنوب. ويرى المتخصّص في الديموغرافيا منذر السوودي أن هذا التحول يعكس استمرار الفجوة التنموية بين الجهات، إذ تتركز المؤسسات الاقتصادية والجامعات والخدمات الصحية في العاصمة والساحل، بينما تعاني مناطق الداخل من ضعف الاستثمار وارتفاع البطالة، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ العاصمة والمدن الكبرى بالنسبة لكثير من المهاجرين الداخليين، خيار اضطراري  أكثر منه حلماً، مشيراً إلى أن نزيف الهجرة الداخلية تفاقم في السنوات الأخيرة بفعل الجفاف وانحسار فرص العمل في القطاع الزراعي، وتراجع قدرة صغار المزارعين ومربّي الماشية على الصمود أمام التقلبات المناخية. تتحدّر آمنة المباركي (27 سنة) من ولاية سيدي بوزيد (وسط)، وتقول إنّها انتقلت إلى العاصمة بعد تخرجها من المعهد العالي للدراسات التكنولوجية، وبحثها عن فرصة عمل لمدة عامين في منطقتها من دون جدوى. في العاصمة، وتضيف لـ"العربي الجديد"، أنها وجدت وظيفة براتب محدود لا يتجاوز 800 دينار (نحو 275 دولاراً)، لكنها شكلت فرصة أتاحت لها البدء في حياتها المهنية، وأبعدتها عن شبح البطالة.  مثل كثير من الشباب والشابّات، بدأت آمنة حياتها في العاصمة عبر السكن المشترك مع صديقات، من أجل تقاسم كلفة الإيجار المرتفعة، مؤكدةً أنّ غلاء أسعار الإيجارات يدفع الكثير من الوافدين الجُدد نحو العاصمة إلى الاستقرار في الأحياء الشعبية أو المناطق غير المنظمة عمرانياً. ويعتبر منذر السوودي، أن توسع الأحياء الشعبية يعكس نمو المدينة خارج التخطيط العمراني التقليدي نتيجة الهجرة الداخلية وارتفاع الطلب على السكن منخفض الكلفة. ويشير إلى أن الهجرة الداخلية لا تغيّر شكل المدينة فحسب، بل تؤثر أيضاً في نسيجها الاجتماعي، لافتاً إلى أن الأحياء الشعبية في ضواحي العاصمة باتت فضاءات تجمع سكاناً من جهات مختلفة، ما خلق شكلاً من التنوع الاجتماعي ومعاناة صامتة من صعوبة اندماج العديد منهم. ويؤدي التوسع السكاني إلى ضغط متزايد على الخدمات العامة، مثل النقل والمدارس والمستشفيات، إضافة إلى توسع الاقتصاد غير المنظم في بعض المناطق. ويوضح السوودي أن "الهجرة الداخلية هي نتيجة لاختلال التوازن التنموي بين الجهات، إذ تتحوّل المناطق الداخلية إلى مناطق طاردة للسكان، في حين تبقى العاصمة والمدن الساحلية مناطق جاذبة".  من حيّ التضامن، أحد أكبر الأحياء الشعبية في تونس الكبرى، تقول فاطمة (45 سنة) التي نزحت من إحدى قرى ولاية الكاف (شمال غرب) قبل عقدين من الزمن، إنّ الحي كان صغيراً قبل أن يتوسع بصورة لافتة، ويتحوّل إلى منطقة سكنية مزدحمة بسكان من محافظات مختلفة. وسبق أن حذّر البنك الدولي في عام 2021 من أنّ تغيّر المناخ  يُعّد محرّكاً قوياً للهجرة الداخلية بسبب آثاره على سبل كسب العيش، وفقدان إمكانية العيش في الأماكن شديدة التعرض للمخاطر، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة قد تمسّ 19 مليون مواطن في دول شمال أفريقيا بحلول عام 2050.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية