عربي
في لحظات القصف الأولى، يضيق الوقت إلى حدٍّ لا يسمح بالتفكير. دقائق قليلة تفصل بين البقاء في المنزل أو الهروب منه. في تلك اللحظات، قد يسأل النازحون أنفسهم: ماذا يجب أن نأخذ معنا؟
قصفٌ مفاجئ وعنيفٌ كأنّه يُحاصر كل بيت في الضاحية الجنوبية لبيروت. في لحظات كهذه، يكون الناس أمام خيارين: احتمالُ الفرار والنجاة أو المخاطرة بالحياة وربّما الموت. وفي هذه اللحظات، تتكثّف مشاعر الخوف في الوقت الذي يتطلب الموقف اتخاذ بعض القرارات السريعة. ويسأل أولئك الذين سيتحولون إلى نازحين في هذه المرحلة، ولو لوقت قصير: هل نهرب الآن أم ننتظر؟ ماذا نأخذ معنا؟ وهل نملك الوقت أصلاً؟
عندما بدأ العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، شعرت مروى وعائلتها أن توسّع الحرب في لبنان ليس بالاحتمال البعيد. وزادت حدّة القلق بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير/ شباط الماضي، فعمدت العائلة إلى تجهيز حقيبة طوارئ. في هذه الحقيبة القليل من الثياب، من بينها ملابس النوم. ورغم هذا الحذر، لم تتوقع مروى وعائلتها أن يحدث كل هذا بسرعة. تقول لـ"العربي الجديد": "حين بدأ القصف منتصف ليل الأحد الماضي، خرجنا من دون أن نحمل شيئاً، حتى حقيبة الطوارئ الجاهزة. في هذه اللحظات، فُقدتْ كل التفاصيل والأغراض التي تكون مهمةً في العادة، قيمتها. صار همّنا الوحيد النجاة من الغارات المتواصلة".
تتابع: "وصلنا إلى منزل أحد أقاربنا في منطقة البسطة في بيروت. وظهر اليوم التالي، قصدنا منزلنا في منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وجلبنا بعض الثياب والأدوية المضادة للالتهاب والسعال والإنفلونزا وأدوية الحساسية والإسهال والمغنيسيوم، خشية الإصابة بالأمراض نتيجة البرد، خصوصاً أنّ عدداً من أفراد عائلتي اضطروا إلى البقاء عند الكورنيش البحري للعاصمة وسط البرد في تلك الليلة، لأن منزل أقاربي لم يكن ليسعنا جميعاً".
في اليوم التالي، باتت مروى أكثر قدرة على التفكير في احتياجاتها التي بقيت محصورة في الأساسيات؛ قطعتان من لباس النوم، ثياب داخلية، جوارب، وملابس إضافية. وهذه المرّة لم تنسَ شاحن هاتفها وحاسوبها الذي تحتاجه في عملها لكونها مهندسة معمارية. والأهم "قططي"، التي كانت تخشى ألا تتمكن من إنقاذها، بحسب قولها. كذلك جلبت بعض التفاصيل التي تعنيها، منها واقي الشمس، ومرطّب الوجه، وكريم للشعر. كانت مروى تُدرك أنّ هناك حرباً قادمة قد تكون أقسى من الحرب السابقة. لكن ما حدث كان مفاجئاً وقوياً، مقارنةً بالحرب السابقة، إذ إنّ الأحداث مهّدت للأهالي الاستعداد للنزوح. لن تنسى مشهد النازحين في تلك الليلة، وتضيف: "كانوا يسيرون مع أولادهم بلا أي شيء".
في الليلة ذاتها، كان علي يفكر فقط في إنقاذ والدَيه وشقيقتيه. ولم يكن هناك متّسع من الوقت لطرح الأسئلة والتفكير في ما يمكن توضيبه أو ما هي الأساسيات بالنسبة إليه. جواز سفر؟ شاحن؟ شفرة حلاقة مثلاً؟ هي لحظات لا متّسع فيها إلا للنجاة من القصف أو الموت. فكّر فقط في أخذ ما يملك من مال لأنه أكثر ما قد يحتاج إليه في الأيام المقبلة إذا ما استمرّ التهجير، بالإضافة إلى سترةٍ، لأنّ الطقس كان بارداً للغاية. ويقول لـ"العربي الجديد": "الخوف يمنع الشخص من التفكير في أيّ شيء، وكان جميع مَن في المنزل يصرخون في تلك اللحظات من جراء القصف".
في الأيام التالية، وبعد نزوحهم إلى إحدى المدارس، صار والده يذهب إلى البيت في الأوقات التي لا يكون فيها تحذيرات أو قصف إسرائيلي، لجلب بعض الأغراض، فيُطلَب منه القليل من الثياب. ويتابع: "أملك الكثير من الأشياء ذات القيمة بالنسبة إليّ، مثل الساعات والهواتف وغيرها، لكنّه ليس الوقت المناسب للتفكير في هذه التفاصيل. همٌّ كهذا لا قيمة له أمام أن يكون الناس في أمان. لكن في الوقت الحالي، أحتاج إلى كُتبي لمتابعة دراستي الجامعية عن بُعد - أونلاين. سأنتظر على أمل أن يهدأ الوضع قليلاً لأتمكن من جلبها".
بدا علي وكأنّه قرّر تناسي كلّ التفاصيل من أجل ما هو أكبر... النجاة. أمّا إيمان، التي هُجّرت من بلدة عيترون الحدودية مع بدء الاشتباكات على الحدود جنوباً مع جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي لم تأخذ غير المال والهاتف في ذلك الوقت، فتقول إنّها باتت أكثر خبرة في اختيار ما يجب توضيبه. هذه المرّة، هُجّرت من بلدة بليدا جنوبي لبنان بعد هدم بيتها في عيترون، وتذكرت أن تأخذ بعض الأوراق المهمة، ومدخراتها من الذهب، المال، وكلّ احتياجاتها من الملابس. وتوضح إيمان لـ"العربي الجديد" أنّه "خلال ساعات الهروب الأولى، تكون كل التفاصيل أقلّ قيمة، وتكون الأولوية لإنقاذ الأرواح. لكن ما إن نصبح في مكانٍ آمن، حتى نبدأ في تذكر كلّ التفاصيل، مثل الثياب التي نحبها، سند مُلكية المنزل، الصور وغيرها". ماذا عن حقيبة الطوارئ؟ تضحك لأن "من البديهي إعدادها. لكن ربما كنا نرفض تصديق أننا سنعيش التهجير مجدداً".
على عكسهم، فاطمة التي غادرت منزلها في منطقة الشياح بالضاحية الجنوبية لبيروت عقب إنذار الإخلاء الذي نشره المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، أول أمس الخميس، كان لديها الوقت للتفكير في ما تحتاجه، خصوصاً أنّها كانت قد هُجّرت خلال الحرب السابقة. تقول لـ"العربي الجديد": "كنتُ أعرف تماماً التفاصيل والأمور التي سأحتاج إليها. وضّبتُ الكثير من الثياب تحسّباً لطول أمد الحرب، إلى جانب الأحذية، والملابس الداخلية، وأغطية الرأس، وحتى غسول الوجه وكريمات عدّة. أحتاج هذه الأشياء ولا أريد شراءها مجدداً. حتى إنّني فكّرتُ في ملقط الحواجب وفرشاة الأسنان. حاولتُ أخذ كلّ ما يشعرني بأنّني لم أترك منزلي". وقد جلب أفراد عائلتها كذلك البطانيات والوسائد والمناشف وغيرها الكثير، من أجل تخفيف وطأة النزوح.
يبقى السؤال: كيف تُحدَّد الأولويات؟ ولماذا تختلف من شخصٍ إلى آخر؟ عادةً لا تكون هذه الأسئلة مجرّد تفكير منطقي بسيط، بل هي جزء من عملية نفسية تُعرف بـ"التقييم الانفعالي"، إذ يُقيّم الإنسان بسرعة مدى خطورة الحدث وأهميته بالنسبة إلى بقائه. وفي حالات التهديد الشديد مثل القصف يميل الدماغ إلى إعطاء الأولوية للنجاة الفورية على حساب التفكير في التفاصيل الأخرى. وبحسب مراجعة لعدد من الدراسات حول نظرية "التقييم الانفعالي" التي نشرها عالم النفس الفرنسي كلاوس شيرر عام 2018 في مجلة "Emotion Review"، فإنّ المثيرات المرتبطة بالخطر تحظى بأولوية إدراكية أعلى لأنها ترتبط مباشرةً بالبقاء، ما يجعل الانتباه موجّهاً أساساً نحو الهروب أو البحث عن الأمان.
في هذا السياق، تقول المعالجة النفسية دانيا بشنّاتي لـ"العربي الجديد"، إنّه "ما من معادلة يمكن تعميمها على جميع الناس، فالأمر مرتبط بالمشاعر والأفكار وبنية الأشخاص النفسية والتاريخ النفسي المرتبط بالحروب والكوارث وغيرها". وهنا تُقسّم الناس إلى فئتين: الأولى هي تلك الفئة التي تعرّضت للقليل من الأزمات، في مقابل الفئة التي باتت أكثر اعتياداً، بحسب وصفها. وتوضح بشنّاتي أنّ الفئة الأخيرة "أكثر قدرة على تحديد الأولويات، والاختيار الذكي لما يجب توضيبه، لأنّ الخوف لا يشلّ تفكيرها، وبالتالي تكون أكثر قدرة على تحديد الأولويات استناداً إلى ما عاشته سابقاً. بمعنى آخر، تكون البنية النفسية متمرّنة".
أما الفئة الأخرى، بحسب بشنّاتي، فتعيش "حالةً من الإنكار، بمعنى أنّه لم يحدث شيء، ولن تضطر إلى الهروب لحاجتها إلى العيش بسلام وهدوء نفسي. وحين يحدث التهديد، لن تكون هناك معلومات مخزّنة في أدمغتها حول كيفية التعامل في ظروف كهذه، ما يؤثر بقدرتها على السيطرة على المشاعر. وهنا يتعرّض الدماغ لصدمة وإرباك". وتشير المعالجة النفسية إلى أنّ "الدماغ أحياناً يبقى في منطقة الراحة أو الأمان النفسي لحاجته إلى ذلك، حتى لو كان الشخص قد مرّ بتجربة مماثلة، أي إنه يعيش في حالة من الإنكار، ليرتاح".

أخبار ذات صلة.
الدوري الأوروبي: مواجهات صعبة بين الكبار
العربي الجديد
منذ 10 دقائق