عربي
تحت ستار الحرب على إيران استأنفت إسرائيل مخططات الضم الزاحف على الضفة الغربية، وخلق وقائع جديدة على الأرض على صعيد المسجد الأقصى والاستيطان والحواجز والعمليات العسكرية في الضفة الغربية. ورأى خبراء في الاستيطان وحقوق الإنسان أن إسرائيل لطالما سابقت الزمن واستغلت أحداث الحروب والأوبئة وأي تصعيد عسكري في المنطقة للمضي قدماً بخلق وقائع سياسية واستيطانية جديدة في الضفة الغربية.
وفرضت إسرائيل واقعاً سياسياً على المسجد الأقصى والبلدة القديمة من مدينة القدس تحظر فيه التجمع والصلاة في شهر رمضان، لتغيير الأمر الواقع في القدس، وفرض السيادة بالقوة، حيث يحظر على الفلسطينيين التجمع والصلاة وفتح محالهم، فيما يُسمح للمستوطنين بالاقتحامات والاحتفالات. وشنت إسرائيل 21 عملية عسكرية واقتحاماً موسعاً في أنحاء الضفة الغربية منذ 28 فبراير/ شباط الماضي. وشاركت الأسلحة الثقيلة، مثل المدرعات والدبابات، في اقتحام بعض البلدات، كما في عرابة في جنين والمغيّر قرب رام الله، ومدينة البيرة. واستشرس المستوطنون في اعتداءاتهم اليومية على القرى، ووصلوا إلى قتل الأهالي أمام بيوتهم وليس في المناطق النائية من القرى كما جرت العادة، حيث استشهد الشقيقان محمد وفهيم طه معمر في قرية قريوت جنوب نابلس أمام المنزل.
ومنذ بدء الحرب على إيران نفذ المستوطنون نحو 50 اعتداءً وهجوماً على الأقل في مناطق متفرقة من الضفة الغربية، وفق ما رصدته "العربي الجديد"، معتمدة على ما نشر على مجموعات خاصة بنشطاء ضد الاستيطان، إضافة إلى ما نشر من مصادر رسمية تراوحت بين القتل، حيث استشهد محمد ومعمر فهيم من قرية قريوت على يد المستوطنين، وإصابة نحو 20 فلسطينياً بالرصاص أو الضرب المبرح في الأغوار والمغير وقصرة وقريوت، وصولاً إلى تجريف الأراضي وسرقة المواشي، أو إطلاق مواشي المستوطنين على البساتين والأراضي الفلسطينية، وتخريب آبار المياه فيها، أو أنابيب المياه وشبكات الكهرباء، وعزلها عن محيطها، كما في حي شكارة في قرية دوما جنوب شرقي نابلس.
تزامن الحرب على إيران وتصاعد الاعتداءات بالقدس
وأكد المستشار الإعلامي لمحافظة القدس معروف الرفاعي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في مدينة القدس، لا سيما في المسجد الأقصى، تصاعدت مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مشيراً إلى أن منع الصلاة في الأقصى يأتي في إطار أهداف سياسية تسعى من خلالها إسرائيل إلى فرض سيادة جديدة وتغيير الواقع القائم في المدينة.
معروف الرفاعي: منع أهالي الضفة من دخول القدس رسالة بأن المدينة أصبحت تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة
وأوضح الرفاعي أن الأقصى لا يزال مغلقاً أمام المصلين منذ بدء الحرب على إيران السبت الماضي، رغم إعلان الجبهة الداخلية الإسرائيلية السماح بالتجمعات حتى 50 شخصاً، إذ لا يُسمح بالصلاة حالياً إلا لحراس المسجد وموظفيه. وأشار إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي سمحت في المقابل بتجمعات للمستوطنين في البلدة القديمة من مدينة القدس، بينما لا تزال المحال التجارية فيها مغلقة، ما يعكس توجهاً لاستغلال الحرب على إيران من أجل تحييد إدارة الأوقاف الأردنية وإحلال إدارة إسرائيلية مكانها، بما يمس الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة.
ولفت الرفاعي إلى أن منع أهالي الضفة الغربية من دخول القدس للعام الثالث على التوالي يأتي في السياق نفسه، بهدف إرسال رسالة بأن المدينة أصبحت تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، وأن دخول الفلسطينيين إليها بات مشروطاً بإجراءات أشبه بالحصول على تأشيرة. وبين الرفاعي أن الإجراءات الإسرائيلية سبقت الحرب الحالية، إذ مُنعت الأوقاف الأردنية منذ بداية شهر رمضان الحالي (18 الشهر الماضي) من إدخال اللوجستيات الضرورية إلى الأقصى، مثل المظلات والعيادات المتنقلة والكشافة والمتطوعين، كما مُنعت العائلات في البلدة القديمة من مدينة القدس من إقامة موائد الرحمن وتقديم المياه والتمر للمصلين المارين باتجاه المسجد الأقصى.
وبحسب الرفاعي، فقد وسّعت سلطات الاحتلال كذلك ساعات اقتحام المستوطنين المسجد الأقصى خلال الفترة الصباحية منذ بداية رمضان، حيث جرى تمديدها ساعة إضافية لتصبح من السادسة والنصف صباحاً حتى الحادية عشرة والنصف، في خطوة تهدف إلى إرضاء الجمعيات الاستيطانية وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى.
حرب المستوطنين
ورأى سليمان دوابشة، رئيس مجلس قروي دوما جنوب نابلس، في حديث مع "العربي الجديد"، أن هناك قرى كاملة جنوب نابلس تعاني من ضائقة وحصار منذ الحرب على قطاع غزة في العام 2023، وزاد الحصار على قرية دوما على سبيل المثال وأحد أهم أحيائها شكارة، وهو بعيد عن المنطقة المكتظة في البلد. وقال: "منذ بدأت الحرب، قام المستوطنون بقطع الكهرباء وتدمير خطوط المياه ومنع الإمدادات الغذائية عن الحي الذي تقطنه 80 عائلة، ويعاني من هجمات المستوطنين والإدارة المدنية بشكل يومي".
وتابع دوابشة: "المستوطنون يقومون بسرقة الأغنام والاعتداء على البيوت بهدف ترحيل سكانه والاستيلاء على أرضهم لصالح أربع مستوطنات مقامة على أراضي القرية والقرى المجاورة لها، كما أن هناك أربع بؤر استيطانية محيطة بقرية دوما، وإغلاق جميع المداخل، ووضع بوابة حديدية على المدخل الرئيسي المتبقي للقرية الذي يسيطر المستوطنون وجيش الاحتلال عليه".
وقال دوابشة: "لليوم السادس على التوالي ورغم كل المحاولات مع جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية، لم نستطع إعادة شبكة الكهرباء إلى حي شكارة، وهناك يقين لدى الأهالي أن المستوطنين قطعوا الكهرباء ليقوموا بجرائمهم تحت جنح الظلام ضد الأهالي، ما اضطرهم إلى ترحيل النساء والأطفال إلى مكان آمن داخل القرية، وبقاء الرجال والشبان في بيوتهم وحظائر الأغنام للدفاع عنها، رغم نقص المواد التموينية التي يمنع المستوطنون وصولها إلى الحي".
الأغوار ليست أفضل حالاً
ولا تبدو الأغوار أفضل حالاً من قرى جنوب شرق نابلس مثل دوما المحاصرة، أو قصرة التي اعتدى المستوطنون فيها قبل أيام على نشطاء سلام يساريين إسرائيليين، أو أفضل من قرية قريوت، حيث كان المستوطنون يجرفون أراضي العائلة على بعد أمتار من باب البيت، فيما قام مستوطن، وهو جندي احتياط، بقنص الشقيقين خلال دفاعهما عن بيتهما في الثاني من الشهر الحالي.
وقال فارس فقها، وهو ناشط في الأغوار الفلسطينية، لـ"العربي الجديد": "منذ صباح اليوم (أمس) الخميس، وقوات الاحتلال تقوم بنصب بوابة على مدخل قرية بردلة في الأغوار". وأضاف: "الاعتداءات الشرسة على أهالي القرى النائية في الأغوار، مثل الحديدية، على السكان بشكل شرس واعتقالات انتقامية، إلى جانب اعتداءات في يرزا وغيرها منذ بداية الحرب". وتابع: "منذ الصباح، يقوم المستوطنون بشق طريق استيطاني على أراضي بلدة طمون وقرية عاطوف، رغم أن هناك قراراً من المحكمة العليا الإسرائيلية بتجميد شق هذا الطريق. لكن تحت ستار الحرب على إيران، قدم جيش الاحتلال اعتراضاً على الحكم بأن شق الطريق ضروري لأغراض أمنية وعسكرية بسبب الحرب الحالية، لذا عادوا لشق هذا الطريق، ما يعني مصادرة عشرات الدونمات من أراضي الفلسطينيين في طمون وعاطوف". وبحسب فقها، "نستطيع أن نقول اليوم إن المستوطنين قاموا بتسييج جميع الأراضي في الأغوار، ولم يبق متر واحد لم يقم المستوطنون بتسييجه بقصد الاستيلاء عليه".
إغلاق الحواجز وزيادة العمليات العسكرية
واستشهد خمسة فلسطينيين وأصيب العشرات بالرصاص أو الضرب على يد المستوطنين منذ أن بدأت الحرب على إيران. وشنّ جيش الاحتلال 21 عملية عسكرية واقتحاماً واسعاً في مدن وبلدات وقرى ومخيمات الضفة الغربية المحتلة من أقصى الشمال في جنين إلى أقصى الجنوب في مسافر يطا بمحافظة الخليل، في وقت أغلقت الحواجز الإسرائيلية في أول أيام الحرب على إيران ثم عادت لتعمل عدة ساعات ثم تغلق في سياسة أمر واقع جديدة. ورأى مدير مركز "شمس لحقوق الإنسان" عمر رحّال، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "وتيرة الاقتحامات والعمليات العسكرية في الضفة الغربية زادت وتيرتها بشكل كبير منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث زادت التضييقات في الضفة الغربية التي تشهد وجود 1200 حاجز عسكري وترابي وبرج عسكري وبوابة حديدية ومكعبات أسمنتية، وكلها لمنع حركة الفلسطينيين". وقال رحال: "هناك استباحة كاملة لعدة قرى مثل عرابة التي قام الاحتلال بإخراج الأهالي من بيوتهم وتحويلها لثكنات عسكرية لعدة أيام، مع تحويل الأماكن العامة، مثل الديوان وغيره، إلى أماكن للاعتقال والتحقيق الجماعي مع الأهالي. وقد زادت منذ بداية الحرب على إيران وتيرة الاقتحامات العنيفة بشكل كبير جداً".
عمر رحّال: إسرائيل قامت بإغلاق الحواجز بين المدن بشكل كامل
وأضاف رحّال: "الأمر الجديد أيضاً أن إسرائيل قامت بإغلاق الحواجز بين المدن بشكل كامل، حيث أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي في اليوم الأول للحرب أمراً عسكرياً بإغلاق الضفة الغربية ومنع التحرك بين المدن والبلدات". وتابع رحال: "الإغلاق الذي شهدته الضفة الغربية شبه كامل لجميع المحافظات، وجرى توزيع منشورات من قبل جيش الاحتلال على الأهالي تطلب منهم عدم مغادرة أماكن سكنهم وعدم التنقل إلى أماكن أخرى، وحتى اليوم، لم يصدر أي قرار من جيش الاحتلال بإنهاء حالة الطوارئ والسماح للمواطنين الفلسطينيين بالحركة. الآن الفلسطيني يتنقل من بيته إلى عمله أو المستشفى أو الجامعة في مدينة أخرى على عاتقه الشخصي، ما يعتبر خرقاً للأمر العسكري الإسرائيلي".
وتولى الارتباط العسكري الفلسطيني نشر أخبار الحواجز التي ينقلها إليه جيش الاحتلال الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، نشر الارتباط يوم الأحد الماضي ما يلي: "- سيتم فتح حاجز عين سينا غداً من الساعة 8 صباحاً حتى الساعة الرابعة للدخول والخروج، مع إجراء فحص للمركبات. وبعد الساعة الرابعة، سيبقى الحاجز مفتوحاً للدخول ومغلقاً للخروج. ملاحظة: إذا كان هناك أي تغيير سيتم الابلاغ عن ذلك". وهكذا في بقية المدن كان الارتباط العسكري الفلسطيني ينشر للمواطنين الفلسطينيين ساعات فتح وإغلاق الحواجز العسكرية الإسرائيلية، التي كانت تفتح لمدة ساعات ثم تغلق ليصيب الشلل الضفة الغربية بأكملها. وفيما يمنع المواطنون من الحركة بين المدن، يبقى المستوطنون يتحركون في كل الأوقات وعلى جميع الشوارع الخارجية.
