عربي
بعد أن كانت موضع ترحيب في وسائل الإعلام، أصبحت عضو البرلمان الأوروبي ريما حسن اليوم مُستبعَدة منها. يتهمها رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (CRIF)، عبر إذاعة "راديو J"، بأنها تشكّل "خطراً"، بينما يطالب وزراء ونواب من حزب التجمع الوطني بسحب جنسيتها. يأتي ذلك عشية الانتخابات البلدية في مارس/آذار 2026، إذ يتعرّض حزبها، "فرنسا الأبية"، لاستهداف خاص من الدوائر الإعلامية. لماذا كل هذا الكمّ من الكراهية؟
تجمع ريما حسن، في نظر خصومها، "مجموعة من العيوب". فهي شابة، فتُهاجَم من كبار السن الذين يهيمنون على وسائل الإعلام الرئيسية؛ وهي امرأة، فتُكرَه من الذكوريين بمختلف أطيافهم؛ وهي مُعرَّضة للعنصرية، فتُتَّهَم بالنزعة الطائفية؛ وهي فلسطينية، فيُنظر إليها كأنها ناطقة باسم "حماس"؛ وهي مسلمة، فهي إذاً "إرهابية" لا محالة؛ وهي حقوقية، فهي "تتلاعب بالقانون"؛ ومنتمية إلى حزب "فرنسا الأبية"، فهي بالتأكيد "معادية للسامية". هذه الأحكام المسبقة التمييزية، الملقاة مجتمعة في مرجل الكراهية، تُنتج صورةً لريما حسن يُعاد إنتاجها وتداولها على شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى قنوات التلفزيون الإخبارية المتواصلة، بل حتى في شكل كتابات غرافيتي (تاغات) على جدران بعض الأحياء.
جسّدت ريما حسن نموذج المهاجرة الناجحة لفترة طويلة
لفترة طويلة، جسّدت عضو البرلمان الأوروبي نموذج المهاجرة الناجحة. فهي تجمع بين الأناقة وسهولة التعبير والعمق الفكري، ما جعلها شخصية جذابة. استضافتها وسائل الإعلام، وانضمت إلى عدد من الهيئات بفضل خبرتها في القانون الدولي وقضايا الهجرة، من بينها "المجلس العالمي للتنوع والشمول"، وهو هيئة استشارية تابعة لمجموعة لوريال، معبد الجمال، الذي التحقت به عام 2023. كان كل شيء على ما يرام في أفضل العوالم الممكنة، ما دام هذا "التنوع" الشهير (الذي يُكتب بحرف كبير لدى لوريال) هادئاً ومتوافقاً مع السائد... غير أن هجمات الفصائل الفلسطينية، من بينها "حماس"، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، غيّرت المعادلة.
من نجمة متألقة إلى منبوذة
بصفتها فلسطينية، لا تستطيع ريما حسن أن تلتزم الصمت أمام المعالجة الإعلامية الأحادية لتلك العملية التي قادتها أساساً حركة حماس، والتي أسفرت عن مقتل 1219 إسرائيلياً وخطف 251 رهينة، في حين يتم التستر على الانتهاكات وعمليات التطهير العرقي التي يتعرّض لها الفلسطينيون منذ 75 عاماً. وقد عبّرت عن موقفها في اليوم نفسه للهجوم، فكتبت على حسابها في منصة "إكس" إنّه "من غير المقبول أخلاقياً الابتهاج بموت مدنيين". وبصفتها حقوقية، أوضحت: "ما قامت به حماس يندرج، وفق القانون الدولي، في إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية". بل إنها تبنّت الشعار السائد آنذاك: "حماس منظمة إرهابية". وستكرّر ذلك مراراً طوال العام الذي تلا الهجوم. لكن كل ذلك لم يكن كافياً.
باتت وسائل الإعلام التي كانت تُبدي إعجابها بها بالأمس تنبذها اليوم بعنف. ويجري ذلك في مناخ عام تُحظَر فيه أي مظاهر للتضامن مع غزة، إذ حوّلت الحكومة دعمَ فلسطين إلى مظهر من مظاهر "معاداة السامية". وتقول ريما حسن، مستنكرةً، إن السلطات وأبواقها الإعلامية "تطالبنا بتحويل تعاطفنا الطبيعي مع الضحايا الإسرائيليين إلى دعمٍ لدولة إسرائيل". طفح الكيل: فمن ديفا، أصبحت منبوذة.
وُلدت ريما حسن في 28 إبريل/نيسان 1992 في مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين، قرب مدينة حلب في سورية، حيث استقرّت عائلتا والدها ووالدتها بعد أن طُردوا من قراهم إبان قيام إسرائيل عام 1948 ووقوع نكبة التهجير القسري. انتهى الأمر بوالدتها، وهي معلمة، إلى مغادرة زوجها والمخيم لتستقر في مدينة "نيور" (Niort) بإقليم دو سيفير في فرنسا، حيث اشتغلت عاملة نظافة. وقد استغرق الأمر منها سنوات عدة للحصول على إذن بلمّ شمل عائلتها، ومن بينها ريما التي كانت في العاشرة من عمرها، وأبنائها الأربعة. كان ذلك في عام 2001.
بعد ثماني سنوات، حصلت ريما حسن على الجنسية الفرنسية. ففي سن الثامنة عشرة، لم تعد "عديمة الجنسية" كما هو حال اللاجئين الفلسطينيين. وبعد نيلها شهادة الماجستير في القانون الدولي والمنظمات الدولية من جامعة بانتيون-سوربون عام 2016، بدأت إعداد أطروحة حول "القانون الواجب التطبيق في مخيمات اللاجئين"، بالتوازي مع عملها في المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية (Ofpra). ثم شغلت، حتى عام 2023، منصب مقرِّرة في المحكمة الوطنية لحق اللجوء (cnda) (1).
وفي عام 2019، وبعد أن ضاقت ذرعاً بعدم العثور على معلومات موثوقة حول أوضاع اللاجئين، أسست "مرصد مخيمات اللاجئين"، القائم على شبكة من المتطوعين المكلَّفين بجمع المعلومات، والتحقيق، ورسم الخرائط، وتوفير البيانات حول مخيمات اللاجئين في مختلف أنحاء العالم. ومن التعبئة المدنية إلى الانخراط السياسي، لم تكن هناك سوى خطوة واحدة، خطتها في أعقاب هجمات "حماس" والردّ الإسرائيلي المفرط.
شتائم وتهديدات بالقتل
تحسّباً لانتخابات البرلمان الأوروبي في 9 يونيو/حزيران 2024، وافقت ريما حسن على الترشّح ضمن قائمة "فرنسا الأبية" التي تقودها مانون أوبري، بهدف "إسماع صوت فلسطيني" في بروكسل، على حدّ تعبيرها. وبعد عام ونصف العام، عبّرت عن أسفها لعدم تمكّنها من انتزاع العقوبات اللازمة ضد إسرائيل، ولا سيما تعليق اتفاقية الشراكة، بما يتوافق مع القانون الدولي. غير أنها نجحت، مع آخرين، في جعل الإبادة الجارية في غزة قضيةً مركزية في النقاش العام. وتقول صحيفة "بوليتيكو" (2) الإلكترونية المحافظة، التي تأسست في واشنطن وصنّفتها ضمن أكثر 28 شخصية تأثيراً في الاتحاد الأوروبي، إن "حسن، سواء كانت موضع إعجاب أم انتقاد، أصبحت صوت جيلٍ عازمٍ على مواجهة أوروبا بشأن سياستها تجاه غزة، ويبدو أنها ليست بصدد خفض نبرتها قريباً".
تعرّضت حسن لحملات تشهير وتشويه بسبب جرأتها على الحديث عن "الفصل العنصري" وتنديدها بـ"سياسة الإبادة" التي ينتهجها نتنياهو
لكن اختيارها خوض غمار النيابة الأوروبية على قائمة "فرنسا الأبية"، الحزب الذي، بخلاف "الخضر" عرض عليها الترشّح في موقع قابل للفوز، كان له ثمن. فقد ولّت الصور الودّية نسبياً التي نشرتها عنها صحيفتا "ليبراسيون" و"لوموند"، بل إن الأخيرة أصبحت نشطة جداً في مطاردة هذه "الساحرة الجديدة". فبمجرد الإعلان عن ترشّحها، جرى تداول اسمها، وعنوان منزلها، ورقم هاتفها على شبكات التواصل الاجتماعي. كما تعرّضت لحملات تشهير وتشويه بسبب جرأتها على الحديث عن "الفصل العنصري" وتنديدها بـ"سياسة الإبادة" التي ينتهجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وذلك في وقت خلصت فيه محكمة العدل الدولية، في يناير/كانون الثاني 2024، صراحةً إلى وجود "خطر إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة"، وهي حقيقة باتت اليوم معترفاً بها من العديد من هيئات الأمم المتحدة، ومؤرخين إسرائيليين، ومنظمات غير حكومية، وعدد كبير من القانونيين.
ومنذ إعلان انخراطها في السباق الانتخابي، تعرّضت ريما حسن لتهديدات بالاغتصاب أو القتل، حتى في الشارع، ما اضطرها إلى تغيير مكان سكنها. وقد بلغت الحملة ضدها حداً من العنف دفع أكثر من خمسمئة منتخب وشخصية سياسية وطنية وأوروبية إلى نشر "عريضة دعم لريما حسن"، أكدوا فيها أن "ما يُراد إسكاتُه هو فلسطين، وكل الأصوات التي تدافع عنها" (ميديابارت، 2 فبراير/شباط 2024).
لكن تلك المبادرة لم تُجدِ نفعاً. ففي كتابها عن "المعادين الجدد للسامية"، زعمت نورا بوسيني، كاتبة مقالات في صحيفتي "لوبوان" و"ماريان"، وفي مجلة "إكران دو فاي" (Écran de veille) المثيرة للجدل، أنها اكتشفت "الدليل القاطع" على معاداة ريما حسن للسامية: إذ إن حسابها على فيسبوك، عندما كانت مراهقة، كان يتضمّن الرقم 88 ملتصقاً باسمها، وهو رمز غالباً ما يستخدمه النازيون الجدد. وكان في وسع هذه "المتحرّية البارعة" أن تستنتج أيضاً أن حسن تتلقى توجيهات من بكين، ما دام الرقم 8 في الثقافة الصينية يرمز إلى الحظ والوفرة... غير أن الحقيقة أكثر بساطة؛ فهذه الأرقام يضيفها خوارزم "فيسبوك" تلقائياً عند إنشاء أي حساب.
مصنع الجدل
تتوالى "القضايا" المفبركة الواحدة تلو الأخرى من العدم؛ فقد اقتطعت قناة "لو كريون" (Le Crayon) على يوتيوب مقطعاً من مقابلة مع ريما حسن، لتوحي بأنها قالت إن "أفعال حماس [في 7 أكتوبر] مشروعة". ولو نُشرت المقابلة كاملة، لكشفت زيف هذا الادعاء، إذ إن تصريحاتها عن "حماس" لم تكن تتعلّق بأحداث 7 أكتوبر. لكن القناة رفضت بثّ المقابلة كاملة. حاولت الناشطة الشابة شرح سياق كلامها وتفسيره. بلا جدوى. فكما قال المحامي الفرنسي ـ الإسرائيلي جيل ويليام غولدنادل، بـ"حنكته" المعهودة، على قناة "سي نيوز" في 30 إبريل/نيسان 2024: "ربما تكون قد قالت شيئاً آخر خلال برنامج لو كريون، لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن تحرّك حماس مشروع في نظر ريما حسن". وبعبارة أخرى: حتى لو لم تقل ذلك، كان يمكن أن تقوله، وهي على أي حال تفكّر به. وعلى قدر ما يبدو ذلك صادماً، فإن هذا الاعتقاد يتقاسمه أيضاً وزراء وقادة سياسيون.
واستباقاً لما قد تدلي به من تصريحات، ألغت إدارات كلٍّ من جامعة باريس ـ دوفين، ومعهد الدراسات السياسية (سيانس بو)، وجامعة ستراسبورغ، المؤتمرات التي كان من المقرر أن تشارك فيها ريما حسن في 6 مايو/أيار، و22 و28 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، متذرّعة بوجود "خطر الإخلال بالنظام العام". وفي كل مرة، كان هذا الحظر يلقى تأييداً من وزيرة التعليم العالي سيلفي ريتايو، ثم من خلفها باتريك هيتزل، وكذلك من وزير الداخلية برونو ريتايو.
استدعيت ريما حسن للاستماع إليها من الشرطة مرتين في إطار تحقيقات بتهمة "تمجيد الإرهاب"
وفي الوقت نفسه، كانت ريما حسن، المستهدَفة بعدة شكاوى، تُستدعى للاستماع إليها من الشرطة مرتين في إطار تحقيقات بتهمة "تمجيد الإرهاب": الأولى في إبريل 2024، والثانية في إبريل 2025، إذ خضعت لاستجواب دام أكثر من إحدى عشرة ساعة متواصلة. وتتعلق إحدى هذه الشكاوى، المقدَّمة من المكتب الوطني لليقظة ضد معاداة السامية (BNVCA)، بتغريدة وجّهتها إلى طالبات وطلاب معهد الدراسات السياسية، دعتهم فيها إلى "الانتفاض".
وتتعلّق شكوى أخرى، بتهمة "التهديد"، بسبب سجالٍ جرى على منصة "إكس" مع النائب الأوروبي عن حزب "الجمهوريون" فرنسوا كزافييه بيلامي، إذ نددت ريما حسن بقرب كتلته السياسية من "النظام الإسرائيلي الإبادي". وفي المقابل، ساد صمتٌ مطبق إزاء حقيقة أن بيلامي نفسه كان قد اتهم ريما حسن علناً، قبل ذلك بأيام قليلة، بأنها "معادية للسامية"، وهو ما حال دون تولّيها إحدى النيابات الأربع لرئاسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي. كما تتعلّق شكوى أخرى ضد ريما حسن باقتباسٍ للطبيب النفسي الفرنسي المناهض للاستعمار فرانتز فانون. واستندت شكوى إضافية إلى أبيات من قصيدة "بطاقة هوية" الشهيرة (1964) للشاعر الفلسطيني محمود درويش:
سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ
آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ.. من جوعي
ومن غضبي!
القائمة طويلة، والذرائع لتوجيه الاتهامات متعدّدة...
تجريم دعم فلسطين
تتزايد الدعاوى القضائية وتتفرع أهدافها في وقت تشتد فيه الضراوة الإسرائيلية، مما يشكّل صورة من صور تجريم التضامن مع فلسطين. وقد طاول هذا كلاً من "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام" (UJFP)، و"الحزب الجديد المناهض للرأسمالية" (NPA)، ورئيسة منظمة "أوروبا فلسطين" أوليفيا زيمور، والأمين العام للاتحاد العام للعمل (CGT) في الشمال جان بول ديلسكو، والباحث في الشؤون الإسلامية فرانسوا بورغات، والنائبتان ماتيلد بانو ودانييل أوبونو. ومع أن الحصول على بيانات دقيقة بشأن الشكاوى أمر مستحيل، إلا أن عدد الأحكام الصادرة بتهمة "تمجيد الإرهاب" شهد قفزة هائلة: فقد سُجّل 131 حكماً بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2023، ليصل إلى 452 حكماً بين أكتوبر 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024. (3)
تندرج هذه "التجاوزات"، وفق تعبير قاضي التحقيق السابق في قطب مكافحة الإرهاب مارك تريفيديك، ضمن استراتيجية مُحكمة الإعداد. إذ يهدف تكثيف هذه الإجراءات القضائية إلى خنق أي صوت ناقد للسياسة الإسرائيلية: فكلما زاد عدد الدعاوى، زادت فرص نجاح بعضها. كما تُستخدم هذه الإجراءات ذريعةً لمنع عقد مؤتمرات أو لقاءات عامة تستضيف الأشخاص المستهدَفين بها.
تأتي الغالبية العظمى من البلاغات القضائية من حفنة من المنظمات: "اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا" (UEJF)، والمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا (CRIF)، و"مرصد يهود فرنسا"، و"المنظمة اليهودية الأوروبية" (OJE)، والرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية (Licra)، إضافةً إلى بعض الشخصيات المرتبطة، بشكل أو بآخر، بمنظمة "إلنيت فرنسا" (Elnet France)، فضلاً عن عضو البرلمان الفرنسي التابعة لمعسكر إيمانويل ماكرون، كارولين يادان، التي تمثّل الفرنسيين المقيمين في الخارج (4) ومن بينهم المقيمون في إسرائيل. وهي نفسها تناور داخل الجمعية الوطنية من أجل تمرير قانون يُجرِّم أي انتقاد للسياسة الإسرائيلية، بتواطؤ من شخصيات اشتراكية مثل فرانسوا هولاند وجيروم غيدج (5) وقد تفاخرت يادان على "فيسبوك"، في 21 نوفمبر 2025، قائلة: بفضل بلاغنا، جرى استدعاء ريما حسن [من الشرطة] بتهمة تمجيد الإرهاب".
يحمل جميع هؤلاء "المراقبين" (vigies)، بلا مواربة، صوت إسرائيل في فرنسا. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، كشف موقع ميديابارت (Mediapart)، عبر تسريبات "ملفات إسرائيل" (Israel Files) (6) واستناداً إلى رسائل إلكترونية داخلية لوزارة العدل الإسرائيلية، عن الوسائل التي يوظفها الحكم الإسرائيلي "لشنّ حرب قانونية ضد كل من يسعى إلى ملاحقة الجرائم الإسرائيلية أمام القضاء"، في فرنسا وأوروبا، بالاعتماد خصوصاً على "المشاركة النشطة للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا" (CRIF)، ولا سيما ضد ناشطي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). والمثير للاستغراب أن وسائل الإعلام الفرنسية، التي لا تتردد في التنديد بما تصفه بتدخلات روسية أو صينية، تجاهلت هذه الكشوفات. وكذلك فعل البرلمان الأوروبي؛ أما رئيس اللجنة الخاصة المعنية بالتدخلات الأجنبية في مجمل العمليات الديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي، رافاييل غلوكسمان، فلم يرَ هو الآخر شيئاً.
حملة التشويه الكبرى
بطبيعة الحال، يمكن مناقشة مقترحات ريما حسن، مثل طرحها فكرة الدولة الثنائية القومية، وهو، بالمناسبة، لا يمثل الموقف الرسمي لحزب "فرنسا الأبية"؛ غير أن ذلك يندرج في إطار الجدل السياسي المشروع. كما أن بعض صياغاتها لم تكن موفّقة دائماً؛ إذ وصفت رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، بـ"الحثالة"، كما عقدت مقارنة غير موفّقة بين وزير الداخلية الفرنسي ونظيره التونسي، مشيرةً إلى أن الأول يسعى إلى تجريدها من جنسيتها، في حين أن الثاني "يضمن [حمايتها] خلال [تنقلاتها]" في تونس ـ وهو تعليق لا بد أن "يقدّره" السجناء السياسيون التونسيون.
لا تنجح البرلمانية الشابة دائماً في تفادي فخاخ شبكات التواصل الاجتماعي، التي تدفع إلى الردود الفورية والعبارات الصادمة
ولا تنجح البرلمانية الشابة دائماً في تفادي فخاخ شبكات التواصل الاجتماعي، التي تدفع إلى الردود الفورية والعبارات الصادمة. غير أن الواقع أيضاً هو أنها، باستثناء بعض الإذاعات ووسائل الإعلام البديلة، تتعرض لمقاطعة من الصحافة. ويشمل ذلك حتى مشاركتها، في يونيو/حزيران 2025، ضمن قلة من الفرنسيين الذين صعدوا على متن إحدى الأساطيل الدولية المناهضة للحصار المفروض على غزة، وتحديداً سفينة "مادلين" (Madleen).
في حين بدأت معظم الإذاعات والقنوات التلفزيونية الرسمية بتجاهل الحدث، كانت صحف مثل "كوزور" (Causeur) أو "ماريان" (Marianne)، ذات الخطّ الرجعي والتي تعمل منابر للسياسة الإسرائيلية، تسخر من الأمر في يونيو 2025. وبينما كانت إسرائيل تهاجم السفينة في المياه الدولية وتعتقل النشطاء، وبدلاً من إبداء القلق حيال هذا الفعل الذي يُعدّ "قرصنة"، هاجم وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أمام الجمعية الوطنية في 11 يونيو 2025، ما أسماه "فراغ عملية تواصلية"، وخصّ بالذكر "تحرّكات السيدة حسن الاستعراضية".
وعلى النغمة نفسها، صرّح السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي، فابيان روسيل: "لسنا هنا لصناعة الضجيج الإعلامي (buzz)؛ فعملنا أقل ضجيجاً من أسطول يتجه إلى غزة محمّلاً بعدة كيلوغرامات من المعكرونة والدقيق، وهي مساعدات لن تصل أبداً". (24 يونيو 2025). وبعد ثلاثة أشهر، تحدثت الفكاهية صوفيا أرام عبر إذاعة "فرانس إنتر" عما وصفته بـ"كيلوغرامين من الباتيه النباتية (végan)، وعبوة من مشروب "فلسطين كولا"، وثلاث علب من الفوط الصحية"، قائلة إن من حملها "ناشطون إسلاميون". في ذلك الوقت، كانت ريما حسن على متن أسطول "الصمود العالمي"، الذي تلقى دعماً واسعاً... في الخارج، بما في ذلك دعم حكومتي إسبانيا وكولومبيا.
إن شرعية ريما حسن، بصفتها فلسطينية و"ابنة النكبة"، في حمل لواء النضال من أجل حق الفلسطينيين في العودة، هي أيضاً ما يجعلها تتعرض لهجوم شديد من الدوائر المؤيدة لإسرائيل. فعندما قالت بانفعال، على منصة برنامج النقاش "هذا المساء" على قناة "فرانس 5" في 30 يناير/كانون الثاني 2023: "هنا، يمكن لكل واحد منكم الذهاب إلى قرية أجداده، فلماذا أُحرم أنا من ذلك؟"، لم يستطع أحد أن يرد عليها. تمثل عضو البرلمان الأوروبي، المنحدرة من المجتمع المدني ومن أصول مهاجرة، جيلاً جديداً من الفاعلين السياسيين. وقد انضمت إلى صفوف حزب "فرنسا الأبية"، مسلحةً بحرية التعبير وخبرتها بوصفها حقوقية دولية، وهو ما جعلها هدفاً شبه شامل لكل الأحزاب السياسية.
في طليعة هذه الهجمة يقف الرئيس إيمانويل ماكرون وقواته، الذين كانوا يأملون، بعد تفكيك اليمين، في تشكيل "المركز المتطرف"، المخطط أن يشمل جزءاً من حزب "الجمهوريون" وجزءاً من الحزب الاشتراكي، إبان حل الجمعية الوطنية في يونيو 2024. غير أن تعزيز "فرنسا الأبية" لتحالف "الجبهة الشعبية الجديدة" أفشل هذا المشروع. ومنذ ذلك الحين، أصبح الهدف هو تشويه سمعة كل ناشط ينتمي لهذا الحزب. تكشف هذه الحملة الممنهجة ضد ريما حسن و"فرنسا الأبية" عن داء أعمق: وهو تغلغل الإسلاموفوبيا التي باتت تنهش جسد المجتمع تدريجياً.
ما لا يقل عن ستة وزراء شجبوا ريما حسن، متهمين إياها بـ"الترويج للإرهاب" و"التحريض على العنف" و"معاداة السامية". وقد انضم إليهم قادة ومسؤولون من الاشتراكيين مثل جيروم جيدج، أو من الجمهوريين مثل جيرالد دارمانان. والهدف من ذلك هو تحويلها إلى "فزّاعة"، ليصبح الطوق الانتخابي الوقائي، الذي كان بالأمس يمنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة، موجهاً اليوم ضد حزب "فرنسا الأبية". وتعليقاً على هذا المشهد، قالت إيفا سوتو، المذيعة في "راديو J"، في 10 يونيو 2024 إن "المسألة تتعلق بوضع سدّ منيع أمام حزب فرنسا الأبية". وهو ما لخصته بدقة مجلة "لوبوان" حين كتبت: "لقد عاد جان ماري لوبان، واسمه اليوم ريما حسن".
ذهب كلٌّ من نويل بوفيه وباتريك مينيّو إلى حدّ المطالبة بتجريد ريما حسن من جنسيتها
ذهب كلٌّ من نويل بوفيه، الوزير المفوّض لدى وزارة الداخلية، وباتريك مينيّو، وزير العلاقات مع البرلمان، إلى حدّ المطالبة، في مارس/آذار 2025، بتجريد ريما حسن من جنسيتها، وهو إجراء غير قانوني، إذ إن ريما حسن لا تحمل أي جنسية أخرى، وذلك بموافقة برونو روتايو. كما طالب كلٌّ من ماريون مارشال وجان فيليب تانغي، ثم مارين لوبان، بسحب جنسيتها. ويمكن تخيّل العنف الرمزي الهائل الذي يمثّله هذا المطلب بالنسبة إلى شابة كانت حتى وقت قريب عديمة الجنسية. وحتى اليوم، لا تزال ريما حسن تعجز عن تمالك مشاعرها كلما تطرّقت إلى هذا الموضوع.
ولكن ينبغي ألّا نخطئ في فهم الأمر. فهذه الحملة المسعورة ضد ريما حسن وحزب "فرنسا الأبية" تكشف عن داءٍ أعمق: غرغرينا الإسلاموفوبيا التي تنتشر تدريجياً في المجتمع. وهكذا، أمكن للكاتبة الصحافية ناتالي سان كريك أن تصرّح، بهدوء تام، على إذاعة "فرانس إنفو" في 3 ديسمبر/كانون الأول 2025، بأن قادة في "فرنسا الأبية" يوظفون "معاداة السامية لاستمالة الناخبين المسلمين" في الضواحي، وكأن هؤلاء، بطبيعتهم، معادون للسامية. وبعد أيام قليلة، كرّر آلان مينك، مستشار الأقوياء ومنظّر "العولمة السعيدة"، الاتهام نفسه.
كما لخّص ذلك بدقة كاتب الروايات المصوّرة الأميركي آرت سبيغلمان، في حوار مشترك مع نظيره جو ساكو نشرته صحيفة "ليبراسيون" في 20 ديسمبر: "أصبحت معاداة السامية اليوم اسماً رمزياً يُستَخدم لوصم أي تعاطف مع الفلسطينيين". وفي فرنسا، بات هذا المصطلح أداةً مريحة للغاية لشرعنة العنصرية ضد المسلمين، وتشويه سمعة أي صوت يساري.
صحيفة "لوموند" في تجلّياتها
قبل انتخابها ضمن قائمة "فرنسا الأبية" في الانتخابات الأوروبية لعام 2024، كانت صحيفة "لوموند" تتعامل مع ريما حسن بوصفها شخصية صاعدة في المشهد الفرنسي. وكانت مواقفها من فلسطين وإسرائيل معروفة، كما يتضح من "البورتريه" الذي نُشر عنها في مجلة "إم"، الملحق الأسبوعي للصحيفة. غير أنّ الصورة التي رسمها لها، بعد عام واحد، كلٌّ من كريستوف عيّاد وآبيل ميستر في صفحة كاملة من الجريدة، بدت أشبه بلائحة اتهام محشوة بالإيحاءات.
منذ التوطئة، تحدد الصفات المستعملة نبرة المقال: مواقفها "راديكالية"، ردودها "لاذعة"، واستخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي "عدواني". ثم يتطرق الكاتبان إلى قضية التجريد من الجنسية التي طالب بها وزيران في حكومة بايرو، إضافة إلى ماريون مارشال والإمام حسن شلغومي، ويعلّقان قائلين: "بدل أن تتوارى في غياهب النسيان، ردّت"؛ وكأن العيب هو أن متهمة تجرأت على الدفاع عن نفسها!
وعندما مُنعت من دخول إسرائيل فور وصولها إلى تل أبيب، في 24 فبراير/شباط 2025، ضمن زيارة لوفد من نواب البرلمان الأوروبي إلى إسرائيل والضفة الغربية، لم يكن على إسرائيل أن تبرّر فعلها، بل على ريما حسن نفسها؛ إذ اعتبر الكاتبان أن "رحلتها أقرب إلى الاستفزاز منها إلى مشروع مدروس بعناية". أما تشكيكها المستمر في السردية الإسرائيلية، فيؤكدان أنها "ستمنح دائماً مصداقية أكبر لرواية حماس على حساب رواية الجيش الإسرائيلي"، ويضيفان أنها "منتخبة فرنسية ويبدو أنها تنسى ذلك أحياناً"...
الريبة حاضرة على الدوام، سواء تعلّق الأمر بوجود أطروحة الماجستير الخاصة بها، أو برحلتها إلى سورية في يناير/كانون الثاني 2024، التي وُصفت بأنها "مثيرة للريبة"؛ إذ، بحسب "المحققين الفطاحل"، "كان من الضروري وجود صلات قوية مع نظام الأسد للتمكن من الذهاب إلى هناك بصفة مواطنة فرنسية". فهل ريما حسن عميلة سرية سورية، أم ابنة لأب متعاون مع النظام؟ يشير المقال إلى أنها "لم تتخذ قط موقفاً ضد نظام الأسد". والحال أن الشابة قامت بتلك الرحلة في سياق حداد؛ فبعد وفاة والدتها، أرادت رؤية والدها في مسقط رأسه. وهي، بحسب قولها، "رحلة شخصية وحميمية وعائلية"، وهو ما يُفترض، عادةً، احترامه.
وفي ختام البورتريه، وبنبرة ودودة، ظاهرياً، يبدي الكاتبان قلقهما على هذه الشابة، متسائلين: "هل تدرك أنها تمثل كل ما تمقته حماس: امرأة، مستقلة، يسارية، مدخنة، غير محجبة، ومصممة على عيش حياتها الخاصة كما تشاء؟". كاذبة، فلسطينية، مؤيدة لسورية إلى حد ما، معادية للسامية في الخفاء، وفوق كل ذلك... غبية تماماً.
هكذا تكتمل الصورة.
شكراً على الاستعراض!
هوامش
(1) المحكمة الوطنية للحق في اللجوء هي محكمة إدارية تنظر في الطعون المقدمة من طالبي اللجوء ضد قرارات مكتب اللجوء واللاجئين الفرنسي.
(2) "أقوى الشخصيات في أوروبا، 28 شخصية من دفعة 2026"، بوليتيكو-أوروبا
(3) كاميل بولوني، "تمجيد الإرهاب: ارتفاع الإدانات منذ 7 أكتوبر"، ميديا بارت، 11 أكتوبر 2025
(4) كارولين يادان هي عضو البرلمان الفرنسي عن الدائرة الثامنة للفرنسيين في الخارج التي تضم 145883 فرنسياً مسجلاً في القوائم القنصلية، منهم 65137 في إسرائيل، و33698 في إيطاليا، و23855 في فلسطين، والباقي موزعون بين قبرص واليونان والفاتيكان وتركيا ومالطا وسان مارينو.
(5) لم يتمكن مشروع القانون "الذي يهدف إلى مكافحة الأشكال المتجددة لمعاداة السامية" الذي وقعه 120 عضواً في البرلمان (من بينهم ممثلون منتخبون من حزب النهضة، والجمهوريين، والتجمع الوطني، وبعض الاشتراكيين) من المرور عبر الإجراء المعجل في 26 يناير 2026، ولكن من الممكن إعادة تقديمه قريباً.
(6) ميديابارت، 12-14 ديسمبر 2024.
ينشر بالتزامن مع https://orientxxi.info/ar

أخبار ذات صلة.
صادرات النفط الإيراني تتواصل عبر هرمز
العربي الجديد
منذ 10 دقائق
إلغاء قرار فرض ضريبة على السلع في ليبيا
العربي الجديد
منذ 12 دقيقة