الموقف الروسي من الحرب على إيران: أولوية أوكرانيا ومراعاة ترامب
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
رغم مؤشرات إلى إمكانية إطاحة ثاني حليف لها منذ بداية العام الحالي، وثالث حليف في أقل من عام ونصف العام (نظام الأسد في سورية والرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، بالإضافة إلى ما ستؤول إليه نتائج العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران)، اقتصر موقف روسيا على التنديد بالحرب على إيران التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي برقية تعزية لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، نشرها الكرملين على موقعه الرسمي، يوم الأحد الماضي، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قتل المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد من عائلته في اليوم الأول من الحرب على إيران السبت الماضي، بأنها "جريمة تنتهك جميع معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي". وأشاد بوتين بخامنئي الذي التقاه أكثر من مرة منذ توليه الحكم، وقال "سيُذكر خامنئي في بلادنا رجلَ دولة بارزاً، أسهم إسهاماً شخصياً كبيراً في تطوير العلاقات الودية بين روسيا وإيران، والارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة". ورغم إشارة بوتين إلى "الشراكة الاستراتيجية"، بدا الموقف الروسي ضعيفاً، مقارنة بالمتوقع انطلاقاً من علاقات البلدين ونظرتهما إلى بناء عالم متعدد الأقطاب، ومشاركة إيران روسيا في منظمات عدة بادرت الأخيرة إلى إنشائها أو المشاركة في تأسيسها خلال العقدين الأخيرين، مثل مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي، إضافة إلى المساعدات الإيرانية الهائلة في حرب روسيا على أوكرانيا، وأهمها تزويدها بمسيّرات شاهد، ومنحها الحق في تصنيع هذه المسيّرات على الأراضي الروسية، وتطويرها، إضافة إلى تزويد روسيا بقذائف صاروخية ومدفعية لتعويض النقص في مراحل عدة من الحرب على أوكرانيا. لا يختلف موقف موسكو اليوم كثيراً عن موقفها خلال حرب يونيو 2025 على إيران الحرب على إيران "عدوانٌ صريح" ويوم الاثنين، قال الكرملين الروسي إن المحادثات الأميركية الإيرانية كانت تحرز تقدماً، لكن الوضع انزلق بعد ذلك إلى "عدوان صريح"، في إشارة إلى الحرب على إيران. وأكد أن موسكو على اتصال دائم بمسؤولي إيران وتناقش الوضع هناك، كما أنها تتواصل مع قيادات الدول الأخرى المتضررة من النزاع بما في ذلك دول الخليج. وعطفاً على ذلك، أكّد الكرملين، أمس الثلاثاء، أن بوتين سينقل إلى إيران مخاوف القادة العرب إزاء الهجمات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية النفطية في المنطقة، وذلك بعدما أجرى بوتين سلسلةً من المكالمات الهاتفية أول من أمس، مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات محمد بن زايد وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، عارضاً استخدام علاقات موسكو مع طهران، لمحاولة تهدئة التوتر. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أمس إن بوتين "سيبذل بالتأكيد كل جهد للمساهمة في تحقيق قدر، ولو كان بسيطاً، من خفض التصعيد"، مضيفاً أن "المناقشات مع جميع محاوريه تقريباً تركزت على أن ينقل قلقه البالغ بشأن الضربات التي طاولت بنيتهم التحتية إلى زملائنا في إيران، مستفيداً من الحوار الذي نحافظ عليه مع القيادة الإيرانية". ويوم السبت الماضي، مع بدء الحرب على إيران التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة، دان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الهجوم، وذلك في اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي. وبحسب بيان الخارجية الروسية، فإن لافروف "دان خلال الاتصال الهجوم العسكري غير المبرر الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والذي يُعد انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وقواعده". ورأت الخارجية الروسية، في بيان آخر، حول الهجوم، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان مجدداً "مغامرة خطيرة تُقرّب المنطقة بسرعة من كارثة إنسانية واقتصادية، وربما إشعاعية أيضاً". وأشار البيان إلى أن "نيّات المعتدين واضحة، ومعلنة، وهي تدمير النظام الدستوري، وحكومة دولة لا يرغبون بها، ورفضت الخضوع لإملاءات القوة والهيمنة". ولا يختلف موقف موسكو كثيراً في الحرب على إيران هذا العام عن موقفها في حرب يونيو/حزيران 2025 بعد هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران لـ12 يوماً. وبعد حرب الصيف الماضي، لم ترشح أنباء عن تزويد روسيا إيران بأنظمة دفاع جوي، أو طائرات حديثة لتعزيز قدرة إيران في الرد على الهجمات بالطائرات والصواريخ الأميركية والإسرائيلية. وربما يعزى سبب ذلك إلى عوامل عدة، أهمها تراجع إنتاج روسيا من الصواريخ والطائرات بسبب تشديد العقوبات الغربية على بعض المكونات الإلكترونية الدقيقة. كما تحتاج روسيا إلى هذه الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي للتصدي للصواريخ والمسيرات الأوكرانية، وضرب أهداف في داخل أوكرانيا. ومن غير المستبعد أن روسيا لا ترغب في إظهار أسلحتها وطائراتها الحديثة على أنها عاجزة عن مواجهة الطائرات والصواريخ الأميركية الحديثة في الحرب على إيران. وأخيراً، من المؤكد، أن روسيا لا ترغب في إغضاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما أظهر منذ عودته إلى البيت الأبيض أنه أقرب إلى الموقف الروسي لإنهاء الحرب، ومارس ضغوطاً على أوكرانيا، وعليه فإن دعم إيران عسكرياً قد يتسبب في تغيير موقف ترامب، وممارسة ضغوط على روسيا، والأخطر إعادة تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، ومنظومات دفاع جوي، وتعزيز التعاون الاستخباري مع كييف، ما يزيد من تعثر الكرملين في تحقيق أهداف الحرب المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات من دون الوصول إلى الأهداف التي أعلنها بوتين، رغم الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة. وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، ذكرت في تقرير في 22 فبراير/شباط الماضي، نقلاً عن مصادر مطلعة ووثائق، أن روسيا وإيران أبرمتا صفقة بقيمة 500 مليون يورو لشراء إيران 500 منظومة دفاع جوي محمولة من طراز فيربا، و2500 صاروخ أرض جو من طراز أم 3369، و500 جهاز رؤية ليلية من طراز موغلي 2، على أن يتم تسليمها من روسيا على ثلاث دفعات بين عامي 2027 و2029. وأشارت الصحيفة إلى أن إيران طلبت منظومة فيربا من روسيا في يوليو/تموز الماضي، بعد أسابيع قليلة من الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي دمّرت قدرات الدفاع الجوي الإيرانية. كما أشارت إلى تسيير عدة رحلات شحن جوي من روسيا إلى إيران في ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني الماضي، وأكد السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، أن الرحلات الجوية الأخيرة القادمة من روسيا كانت تحمل شحنات عسكرية. والأرجح أن الشحنات التي تحدث عنها جلالي، لا تتعلق بأي أسلحة قد تساعد في صدّ الهجمات الأميركية الإسرائيلية. وحسب تقارير سابقة، لمعهد دراسات الحرب، وصلت في منتصف يناير الماضي عدة طائرات نقل عسكرية من طراز آي أل 78، إلى إيران من روسيا وبيلاروسيا، إلى جانب أولى مروحيات الهجوم من طراز أم آي 28. وفي ديسمبر الماضي، ظهرت صور لعشرات المركبات المدرعة الروسية من طراز "سبارتاك" وهي تصل إلى إيران. قد تربح موسكو على المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط والغاز ولا تُجدي مروحيات أم آي 28، والمركبات المدرعة "سبارتاك" نفعاً في مواجهة ضربات جوية إسرائيلية أو أميركية. كما أن لا حاجة إليها في المرحلة الحالية من الاحتجاجات الإيرانية، وهذه المعدات مخصصة أساساً لمكافحة تمرّد مسلح. ومن الواضح أن روسيا ترتكز إلى أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة مع إيران، في مطلع العام الماضي، لا تنصّ على بند للدفاع المشترك كما هو الحال في معاهدة الشراكة مع كوريا الشمالية. وتحظر اتفاقية الشراكة بين روسيا وإيران على أي طرف منهما دعم المعتدين فقط. وبعد بناء مصانع لإنتاج مسيّرات شاهد وغيرها من أنواع المسيّرات الإيرانية على الأراضي الروسية وزيادة واردات الصواريخ والقذائف المدفعية والصاروخية من كوريا الشمالية، بدا أن حاجة روسيا للدعم العسكري الإيراني لم تعد كبيرة كما كان الحال في عامي 2023 و2024. مكاسب وخسائر في المقابل، فإن روسيا ستخسر استثمارات بمليارات الدولارات على المدى البعيد جراء الحرب على إيران وتداعياتها، ومعلوم أن الروس استثمروا في بناء ممر "شمال - جنوب" من الموانئ الإيرانية على بحر العرب وصولاً إلى سانت بطرسبورغ شمال غرب روسيا على بحر البلطيق. كما حصلت الشركات الروسية على امتيازات لتطوير حقول للغاز، وبناء عدد من المحطات الكهروذرية الصغيرة في إيران. واقتصادياً، قد تربح روسيا مؤقتاً، فالحرب على إيران التي تجري على مشارف مضيق هرمز الاستراتيجي رفعت أسعار النفط والغاز، وتُنذر بنقصٍ حاد في الغاز المسيل في الأسواق في حال طالت الحرب، ما يعني زيادة الطلب على الغاز الروسي، وارتفاع أسعاره، ما يسهم في التخفيف من عجز الموازنة، والقدرة على تمويل الحرب في أوكرانيا لفترة أطول. وبحسابات الربح والخسارة، فإنّ تغيير النظام في إيران، إن تحقق، يشكل ضربة جيوسياسية كبيرة لموسكو، وخسارة حليف مهم شاركها في مشاريع بناء عالم متعدد الأقطاب، وفقدان الثقة لدى بلدان عدة حول العالم من آسيا الوسطى إلى أفريقيا من أن روسيا ستهب للدفاع عنها في حال تعرضها لعدوان. ويطرح تخلي موسكو عن حلفائها الواحد تلو الآخر أسئلة عن الثمن الباهظ الذي دفعه وسيدفعه الكرملين من أجل عدم إغضاب ترامب، والفوز بحربه "الوجودية" في أوكرانيا، وأهمية الانتصار في هذه الحرب في ظل ضياع شريك هنا وحليف هناك وتأثير ذلك على طبيعة النظام العالمي الجديد الذي تطالب به روسيا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية