عربي
مع انتصاف موسم العرض الرمضاني في مصر، أصبح جلياً أنه بلا مفاجآت وبلا ظواهر فنية وجماهيرية جديدة، وكذلك بلا منافسة بين النجوم. لعلّه ليس أكثر من نسخة مكررة وباهتة من مواسم رمضانية سابقة، إذ ساد الفتور على مواقع التواصل الاجتماعي بعد غياب الأحداث التي كانت تدفع الجمهور إلى التفاعل مع ما يعرض على الشاشة طوال الشهر.
يبدو أن ما حدث الموسم الماضي كان استثناءً، مثل مواسم معدودة سابقة في السنوات الأخيرة، شهدت تجارب درامية مختلفة ومستوى فنياً متقدماً. الموسم الحالي يشبه ما أُنتج رمضانياً في عامي 2016 و2017، إذ عانيا انتكاسة ناقضت سنوات الانفتاح القليلة بعد ثورة يناير 2011، وهي الفترة التي شهدت هجرة أبرز أسماء السينما إلى الدراما، وتقديم أعمال جريئة ومتنوعة بنفَس سينمائي، مثل "موجة حارة" و"بدون ذكر أسماء" و"ذات" وغيرها. كان الموسم الماضي بمثابة هدنة مع الرقابة والقبضة الأمنية على الفن، لذلك خرجت عدة أعمال بمستوى جيد مثل "ظلم المصطبة" و"لام شمسية" و"إخواتي" وغيرها.
تعود الدراما المصرية إلى المستوى الاعتيادي هذا الموسم، خاصة في ظل عدم علاج المشكلات الرئيسية التي تواجه صناعة الدراما، ما يجعل الطفرات فيها استثناء وصدفة. وأولى هذه المشكلات المزمنة التي تجعل الجمهور يشعر كأنه شاهد مثل هذا الموسم من قبل، هي رسم خريطة المنافسة بناء على النجوم وليس على أساس السيناريوهات والمشاريع الفنية. بهذا، فإن نحو نصف عدد المسلسلات المعروضة هي نسبة مخصصة سابقاً للنجوم كل عام، الذين بطبعهم يقاومون التغيير خوفاً على شعبيتهم وموقعهم في المنافسة.
تمثّل ياسمين عبد العزيز التي تكرر كل شيء في "وننسى اللي كان" نموذجاً على هذا الأمر، إلى جانب مي عمر التي تقدم التوليفة الميلودرامية للمرة الثالثة على التوالي في "الست موناليزا"، وأحمد العوضي ومصطفى شعبان ل وعمرو سعد ومحمد إمام في شخصيات البطل الشعبي الخارق، إضافةً إلى بعض الأسماء التي تحضر كعام من دون أي مقترح فني جديد، مثل ريهام حجاج وحمادة هلال وروجينا، وأخيراً أعمال البروباغندا السياسية مثل "رأس الأفعى" و"صحاب الأرض".
لذلك، يبقى الأمل كل موسم في اختيارات البقية، وغالباً ما يتحدد مستوى الموسم الفني من إمكانية الفنانين الآخرين في تقديم الأعمال المناسبة، وقدرتهم على الصعود إلى الصدارة في مواجهة الأسماء الثابتة.
أخيراً، أصبحت هناك نسبة ثابتة مخصصة للنجوم الشباب والصاعدين في الدراما المصرية، بعد عدة تجارب ناجحة لهم في السينما والدراما، وأفرزت نجوماً مثل عصام عمر ومصطفى غريب وطه دسوقي وأحمد مالك وغيرهم، ولكن هذه التجارب في طريقها إلى الجمود والتكرار أيضاً، لرغبة أصحابها في إثبات نجوميتهم وحضورهم كل عام، مثل الثنائية المكررة لأحمد مالك مع هدى المفتي في مسلسل "سوا سوا"، التي تأتي على غرار تجاربهما الأخيرة السابقة مثل "80 باكو" و"ولاد الشمس"، إضافةً إلى تعامل المنتجين مع هذه التجارب بكونها أعمالاً ضعيفة الميزانية، للتجربة ولإكمال العدد فقط، وهو ما يظهر مثلاً في مسلسل "فخر الدلتا" لممثل مواقع التواصل الاجتماعي أحمد رمزي، مع مجموعة من مشاهير مواقع التواصل، في تجربة فنية وإنتاجية فقيرة للغاية.
هذه التقسيمة التي تُفرض من أعلى، بناء على أسماء النجوم، هي نتيجة مباشرة للاحتكار الإنتاجي في الدراما المصرية، وتنقسم الصناعة بين جهتين فقط؛ الأولى "الشركة المتحدة" والثانية قناة MBC مصر، ويمثل الاحتكار المشكلة المزمنة والرئيسية الأخرى في صناعة الدراما، إذ تلغي المنافسة مع ضمان معظم الأطراف لمواقعهم ونسبتهم كل موسم، في ظل غياب التقييم الجماهيري لنسب مشاهدة ونجاح هذه الأعمال. وحتى الآن، لا توجد جهة مختصة تستطيع رصد شعبية هؤلاء النجوم ومسلسلاتهم، بدلاً من المؤشرات والتوقعات الشخصية من حجم التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يمكن التلاعب به.
لولا منصات العرض الرقمية، لكانت الدراما المصرية أكثر تحجّراً وركوداً، بعد إضافة هذه المنصات بعض الحيوية على الأعمال الدرامية، بتصعيد عناصر شابة سواء أمام الكاميرا أو خلفها، مثل تجربة مسلسل "عين سحرية" الموسم الحالي، ولكن حتى الآن تمثل نسبة قليلة من حجم ما يُعرض على الشاشة، وما زالت الطريقة التقليدية في صناعة المسلسلات هي المسيطرة، إذ تعتمد على تسويق الأعمال بناء على نجومية أبطالها على القنوات الفضائية، التي بدورها تقنع المعلنين بنشر إعلاناتهم على هذه المسلسلات بناء على توقعات جماهيريتها.
ينقلنا هذا الأمر إلى المشكلة المزمنة الثالثة في صناعة الدراما، وهي ضيق وقت التصوير؛ فينتظر معظم المنتجين بيع مسلسلاتهم قبل بداية تصويرها أو العمل بها، مع رغبة آخرين في اختصار مدة عمل المسلسلات لتخفيض ميزانيتها، ما جعل مسلسلات رمضان تُنفذ على الهواء كل موسم، سواء في عملية الكتابة أو التصوير والمونتاج، حتى إن بعض المسلسلات ينتهي تصويرها قبل الحلقات الأخيرة بأيام قليلة، وهذه الطريقة في إنتاج الأعمال الفنية لن تنتج عملاً متكاملاً وناضجاً ومتماسكاً إلا في حالات استثنائية، وتحول ما يعرض على الشاشة من مسلسلات إلى سهرات درامية وبرامج تلفزيون الواقع مثلاً.
كان الغريب في موسم 2026، أنه إلى جانب المسلسلات، تراجع مستوى المواد التلفزيونية أيضاً؛ فكانت هذه الأخيرة في السابق تعوض الفقر الفني والغياب الجماهيري للدراما، مثل البرامج التلفزيونية أو الإعلانات، وعام بعد عام يقل الاهتمام بالبرامج التلفزيونية في رمضان مع استمرار محاولات بائسة في إنتاج برامج حوارية مع المشاهير حول حياتهم الخاصة وأزماتهم، أو استمرار الإعلانات في الاعتماد على نجوم الغناء، وتكرار الرسائل الغنائية حول صلة الرحم وفعل الخير والتبرع، لتكمل حالة فقدان الشغف التي سيطرت على الشاشة بأكملها في رمضان.

أخبار ذات صلة.
الحكومة اليمنية تبحث عن حلول لأزمة الكهرباء
العربي الجديد
منذ 10 دقائق