عربي
حدث يوم الاثنين، 23 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) تطوّر مهم في الحرب السودانية، إذ هاجمت قوات الجنرال المنشقّ محمّد حمدان دقلو (حميدتي) بلدة مستريحة في شمال إقليم دارفور غربي البلاد. أهمية البلدة تكمن، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي القريب من الحدود التشادية الذي يتوسّط الطريق بين مدينتَي الجنينة والفاشر، في أنها مكان إقامة زعيم عشائر المحاميد موسى هلال. كانت الأخبار إن قوات حميدتي حاولت ملاحقة هلال وتصفيته بعد التنكيل بأهله والاستيلاء على أرضه، إلا أنّه استطاع أن ينجو بحياته.
يسيطر حميدتي بشكل شبه كامل على إقليم دارفور، وكانت مدينة كبكابية القريبة من مستريحة أحد مواقع التحشيد والعسكرة المهمة التي يملكها، لكن لم تكن من ضمن أولوياته في الأشهر الماضية ضمُّ بلدة هلال. في المقابل، لم يسع هلال، وعلى الرغم من لعبه دوراً في تعزيز انقسام المحاميد، الذين بقي بعض رجالهم معه رافضين نداءات حميدتي، إلى الدخول مع المتمرّدين في تحدٍ أو صراع مباشر. لم يكن الحال ليستمرّ طويلاً على هذا النحو، ولا كان من الممكن أن يقبل الجنرال المتمرّد أن تكون هناك بقع رمادية الولاء ضمن مناطق سيطرته.
لا يحتمل حلف حميدتي اختلاف وجهات النظر، فهو يساوي بين الاحتجاج المجرَّد والاتهام بالخيانة
جعل هذا كلّه الهجوم متوقّعاً وطبيعياً. الوضع مشابه أيضاً لما حصل من هجماتٍ على مناطق قبيلة الزغاوة، التي كانت قياداتها أيضاً منقسمة الولاء، ما بين الانتماء إلى الدولة والانحياز إلى الخارجين عليها. ومشكلة مناطق الزغاوة، التي لا تخلو مدنها من وجود المسلّحين، كانت أكثر تعقيداً من مشكلة بادية موسى هلال، الذي تربطه قرابة بحميدتي، فالأولى لم تكن فقط رمادية الولاء، لكنّها أيضاً ضمّت مكوّناتٍ معاديةً بطبعها لقبائل الجنجويد، التي هي أساس التمرّد.
من المفارقات في حرب السودان أن تشاد، التي تسيطر عليها نخبة عسكرية وسياسية منتمية إلى قبائل الزغاوة، كانت تقف إلى جانب "الجنجويد". أفاد هذا الموقف كثيراً المليشيا المتمرّدة، التي استطاعت أن تستغلّ الموقع الجغرافي لتشاد في تثبيت سلطتها وفي الحصول على الإمداد.
ما ظهر أخيراً أن هذه النُّخبة التشادية، التي كانت مدفوعة إلى تبنّي مواقف لا تخدم مصلحتها الوطنية، قد بدأت تعيد حساباتها، فأوردت الأخبار أن عسكريين تشاديين شاركوا في الهجمات أخيراً على المليشيا. لا نعلم ما إذا كانت هذه المشاركة قد تمت بناء على تغيّر نهج الدولة التشادية في التعامل مع تمدّد حميدتي، أو إذا ما كانت مجرّد تحرّكاتٍ شخصيةً بدوافع قبلية في محاولة لإنقاذ أبناء العمومة في جغرافيا لا تحترم الحدود. ووجود المجموعات المتحالفة مع "الجنجويد" قرب الحدود التشادية يشكّل خطراً لا يمكن تجاوزه على النظام في إنجمينا، الذي تمثّل له هذه المجموعات أمراً أشبه بالمعارضة المسلّحة، التي لا يُستبعد أن تبني تحالفاً واسعاً يمكنه أن يطيح الرئيس ديبي، الذي لا يملك عشائرياً السند الكافي لمواجهة تمرّد قبلي كبير.
مرّة أخرى، لا يجب النظر إلى الصراعات الأفريقية من منظور الحدود الحديثة، فالذي حدث في حرب السودان استنفار لامتدادات القبائل التي تجمعها روابط دم بالمتمردين "الجنجويد"، في تشاد وما خلفها، ما جعل هذا الأمر يصبح أكثر تعقيداً، وجعل محلّلين كثيرين يتحدّثون عن التدخّلات الخارجية والمرتزقة الأجانب. بيد إن الأمر بالنسبة إلى القادمين من الخارج مختلف؛ فهم لا يرون أنهم يمارسون ارتزاقاً أو يتدخّلون فيما لا يعنيهم، بل يرون أنهم جاءوا لنصرة أبناء عمومة تصادف أنْ كانوا على الجانب الآخر من الحدود. بهذا المنطق نفسه، ليس هناك ما يمنع أن تتجه هذه المجموعات بعد إحكام السيطرة على غرب السودان نحو اتخاذ هدفٍ جديد، وهو إسقاط حكم ديبي وتولية زعيم جديد من أبناء قبائلهم. ولأول وهلة، يمكن النظر إلى هجوم مستريحة أمراً إيجابياً في طريق تعزيز سلطة حميدتي على الإقليم، إلا أنّ المتأمّل سرعان ما يكتشف الأضرار الكبيرة التي ترتبت من هذا الهجوم، والمتعلّقة بصورة حميدتي زعيماً لقبائل الجنجويد أو للقبائل التي يطلق عليها اسم "عرب دارفور".
في محاولة لإعادة إنتاج الصورة، أبعد حميدتي بعض قيادات تحالفه القديم، في حين استعان بأسماء من خارج فضائه القبلي، كالمتمرّد المخضرم عبد العزيز الحلو
بهذا الهجوم، الأول من نوعه على منطقة تسيطر عليها مجموعة قبلية ليست بعيدة الصلة بحميدتي نفسه، فتح الرجل الذي كان يريد فرض نفسه زعيماً أبواب تشكيك كثيرة في مشروعه ونياته، خصوصاً بعد استعانته في هذه العملية بمجنَّدين من قبائل أفريقية. التشكيك، الذي كان قد بدأ منذ لجوئه إلى إيجاد حلف سياسي وحكومة تحت مسمّى "تأسيس"، بدأت أصواته تعلو أكثر. أمّا "تأسيس" فمشكلتها فيما أفرزته من تناقض في النظرة، ما بين مشروع الشباب المتحمّسين من القبائل الشريكة، الذين تحمّلوا تكلفة الحرب في سبيل الوصول إلى دولة خاصّة بهم يمكنها أن تتسع لتستوعب ما يسمّى "عرب شتات أفريقيا" ومشروع حميدتي، الذي يبدو مشغولاً اليوم بمحاولة غسل صورته المشوّهة أمام العالم والظهور بمظهر السياسي المتحضّر الذي يجمع في سلطته بين أفراد متناقضي الخلفيات، من بينهم أبناء قبائل منافسة أو معادية لعشيرته.
في سبيل هذه المحاولة لإعادة إنتاج الصورة، أبعد حميدتي بعض قيادات تحالفه القديم، في حين استعان بأسماء من خارج فضائه القبلي، كالمتمرّد المخضرم في منطقة جبال النوبة عبد العزيز الحلو، ووزّع بينهم امتيازات ومناصب. هذا الأمر قد يكون طبيعياً خارج هذا السياق العصبي الخاص، لكن بالنسبة إلى القيادات التي تلتفّ حول حميدتي، التي تجمعها به بالدرجة الأولى ولاءات الدم، فإن هذا يظلّ غير مقبول.
لسوء حظّ المعترضين، لا يحتمل حلف حميدتي اختلاف وجهات النظر. يساوي هذا الحلف بين الاحتجاج المجرّد والاتهام بالخيانة، الذي يمكن أن يكلّف صاحبه كثيراً، كما ظهر في كثير من حالات الإعدام والاغتيال لمقاتلين بارزين.
