عربي
تنفتح مسرحيّة "الهاربات" على فراغ أسود قاتم، لا يقطعه سوى نور خافت يتسلّل مع كلّ جسد يقتحم الفضاء، ليتزايد عدد الأجساد ويظلّ الضّوء شحيحاً، إلى أن تكتمل لوحة لخمس نساء ورجل في حالة انتظار. لا ضجيج سوى أنفاس تتردّد في الفراغ، ولا حركة غير الجسد وهو يختبر حدوده ولا إيقاع إلّا ذاك المتولّد من استنفار الحواس أمام المكان المرعب بظلمته.
في هذا التقشّف البصري، تستعيد المخرجة التونسية وفاء الطبوبي في العرض الذي قدّم أول من أمس السبت في قاعة الفن الرابع بتونس العاصمة جوهر المسرح بوصفه لقاء عارياً بين الممثّل والفضاء وبين الجسد ونظيره المتلقي من دون وسائط تخفّف حدّة التوتر أو تؤجل الصدمة.
وبهذا الاختيار الجمالي، تستحضر "الهاربات" إرث المسرح الفقير كما صاغه المخرج والمنظّر البولندي جيرزي غروتوفسكي، حيث يمكن الاستغناء عن النصّ والديكور والموسيقى، لكن يستحيل الاستغناء عن الممثل بوصفه جوهر الفعل على الخشبة.
في المحطّة
خمس نساء في محطّة، كلّ واحدة تمثّل فئة اجتماعية معينة: العاملة، الموظفة، الأستاذة، الشابة المجازة في القانون، السيّدة المسنّة، إلى جانب المرأة التي تجمع قوارير البلاستيك، يواجهن صراع الحياة اليومية، ويشاركهنّ الرّحلة رجل وحيد في نقطة عبور منسيّة. ينتقلن من منفى إلى آخر، تحرّكهن جروح قديمة ويطوّقهن في البداية شعور خانق بالعجز، قبل أن يتحوّل هذا العجز ذاته إلى قوّة دافعة نحو الفعل.
يتحوّل الجسد النسوي من حالة الصمت إلى فعل المقاومة
لم تحرص مؤّلفة النص ومخرجته الطبوبي على تسمية الشّخصيات بقدر ما حرصت على أن تعرّفهن وتعرّفه بحسب الأدوار الاجتماعية، فتظهر الشّخصيات أكثر واقعية وقد تتمازج أحياناً لمصداقية أدائهن مع الشّخص المتخفي خلف الشخصية. هل نحن فعلاً أمام محطّة، أم مجرّد تعبير مجازي عن الانتظار الذي يلفّه الضّياع؟ هل هؤلاء هن "الهاربات" وذلك الرجل الوحيد مجرّد مساعد عابر؟ هذا التردّد بين الواقعي والرمزي يحوّل الفضاء إلى تجربة شعوريّة أكثر منه مساحة جغرافية محدّدة. هنا يشتغل العنوان بوصفه مفتاحاً دلالياً: ّالهاربات بصيغة التأنيث حيث تُلغى وللمرة الأولى هيمنة المذكر التي اعتدناها لغوياً ورمزياً.
يحيل التّلاعب اللّغوي إلى نسويّة العمل، الذي قد تنكره المخرجة ـ كما فعلت في حوارات سابقة، لكن واقعيتها في مقاربة القضية الوجوديّة تجعل حضور النساء طاغياً عددياً ودلالياً مقابل حضور ذكوري هامشي يتصالح، عن قصد أو دونه، مع واقع تونسي راهن تشهد فيه الـ"هنّ" تفوّقاً وإصراراً على الدفع بعجلة النموّ والتغيير في مجالات عدّة.
الجسد المقاوم
يتحوّل الجسد النسوي في "الهاربات" من حالة الصمت والتبكيت إلى حالة الفعل والمقاومة، فتتفجّر حوارات قد يستحيل الإفصاح عنها خارج الخشبة. هنا لا يتكلّم الجسد بالكلمات، بل بالصّراخ الصامت وبالحركة والارتجاف الذي يواجه الشكّ والخوف من دون وسائط. تتشكّل على الرّكح كتلة جسدية نسوية مقاومة، محاصرة بإطار من ضوء خافت، وكلّما تصاعد التوتّر بدت هذه الكتلة مثل لوحة معلّقة على جدار يرجّه زلزال: تميل، تتمايل وتكاد تنفلت ثم تعود إلى ثباتها مصرّة على البقاء رغم فرص الهروب المتاحة ورغم المحاولة.
دارت المسرحيّة بين الضوء والظلمة، لتصوّر حالات التمزّق التي تعيشها الشخصية، وكأنّها تفكّر لتوها في حياتها وخياراتها مع الشخصيات التي تجانبها ومع الجمهور المتلقي الذي يشكّل مجموعة أخرى من الشّخصيات ومن النماذج الاجتماعية، فهو شريك في إيجاد مخرج لهذه المعركة الوجودية الكبرى: كيف أكون في هذا العالم حرّاً؟ وما الذي تنتظره لتغيير واقعك؟ أسئلة لم تقل صراحة بل تثار من سرديّات الذاكرة ومن الحركة الجسدية. ويتورّط الجمهور بدوره حين تتقاطع تفاصيل العرض مع تفاصيله اليومية فيجد نفسه منخرطاً وجدانياً في التّجربة لا بوصفه متفرجاً، بل ذاتاً معنية بما يحدثه فوق الخشبة.
يلتقي المسرحي بالاجتماعي من دون خطاب مباشر ويُترك للجسد أن يقول على الخشبة ما تعجز عنه اللّغة، وتجد الشخصيات النسويّة خلاصها في جملة واحدة: "نحن القانون" جملة لا تُقرأ شعاراً إنما إعلاناً وجودياً: نحن من ننظّم حياتنا ونضع أسسها ونقرّر تفاصيلها، نحن الفاعلات، ليكون تفاعل الجمهور بالتّصفيق والهتاف امتداداً لهذا المعنى حين تحوّلت الجملة إلى لحظة اعتراف جماعي بإمكانيّة ثورة تُؤسَّس من الجسد وتبدأ من المسرح.

أخبار ذات صلة.
كيف واجهت مصر والأردن صدمة الطاقة؟
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة
كيف واجهت مصر والأردن صدمة الطاقة؟
العربي الجديد
منذ 31 دقيقة