عربي
لا تُعدّ "البالة" ظاهرة هامشية في العراق، وإنّما خيار راسخ تشكّل عبر سنوات من الأزمات المتتالية، ودفع الأهالي إلى شراء الملابس والإكسسوارات المستعملة، حتى صار أحد أعمدة التكيّف المعيشي لشرائح واسعة.
واستطاعت أسواق البالة أن تحافظ على زخمها بفضل تنوّع بضائعها وجودة قسم منها، فضلاً عن قدرتها على توفير بدائل لا تستطيع الأسواق النظامية توفيرها بأسعار مقبولة، ومع تصاعد كلفة المعيشة، تحوّلت "البالة" إلى حاجة ضرورية لكثير من العائلات. غير أن هذا الواقع دخل دائرة القلق، عقب إعلان وزارة التجارة العراقية أخيراً، إمكانية تقليص استيراد المواد والملابس المستعملة، وهو إعلان فُهم على نطاق واسع بوصفه تهديداً مباشراً لمصدر رزق آلاف العاملين، وضغطاً إضافياً على المستهلكين.
ولم يَبقَ القلق في حدود السوق، بل طُرح في سياق أوسع خلال ورشة عقدها مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية، التابع لمستشارية الأمن القومي، ناقشت الأثر الاقتصادي والأمني لتقليص استيراد "البالة"، في ظل مخاوف من اتّساع البطالة، وتراجع دخل آلاف العائلات، وما قد يرافق ذلك من تداعيات اجتماعية وأمنية.
يقف حسين الركابي (38 سنة)، وهو بائع ملابس مستعملة منذ أكثر من عقد، محاطاً بأكوام من البضائع التي يعرف تفاصيلها قطعة قطعة. ويقول لـ"العربي الجديد": "العمل شاقّ وغير مضمون، إذ نفتح محالنا منذ الصباح الباكر، ونبقى حتى المساء، ولا يوجد دوام محدد ولا عطلة ثابتة، بينما يرتبط دخلي بالحركة اليومية للسوق، أحياناً نبيع جيداً، وفي أحيان نعود بلا ربح، لكننا نواصل العمل كونه مصدر رزقنا الوحيد. تقليص الاستيراد سيضرب هذا التوازن الهشّ، وليس البائع فقط من سيتضرر، بل العامل، والناقل، وحتى العائلة التي تعيش من هذا الدخل".
بدوره، يؤكد البائع عامر الساعدي (41 سنة) أن سوق "البالة" ليس مجرد بيع وشراء، بل شبكة علاقات يومية. ويضيف لـ"العربي الجديد": "نعرف زبائننا، ونتفهم أوضاعهم، وتحفظ ذاكرتنا مَن يشتري لأطفاله، ومَن يبحث عن ملابس عمل، ومَن ينتظر موسماً معيناً. يعود كثير من الزبائن إلينا لأنهم لا يملكون خياراً آخر. هناك عائلات كاملة تعتمد علينا، لأن الملابس الجديدة لا تتناسب مع مداخيلهم، واستمرار العمل في هذا السوق يتطلب جهداً مضاعفاً، إذ نفرز البضاعة بدقة، ونبحث عن الجودة، ونحاول توفير ما يحتاجه الزبون حتى نحافظ عليه".
ومن خلال شهادات الباعة، تتضح صورة سوق قائم على المعرفة اليومية بالناس، وهو ما يقود إلى سؤال أوسع حول هوية هؤلاء الزبائن، وكيفية تحوّل "البالة" إلى جزء ثابت من نمط حياتهم، حتى لدى الأشخاص الذين تحسّن دخلهم نسبياً.
في هذا الجانب، تقول جمان هادي (47 سنة)، موظفة حكومية، إنّ علاقتها بسوق "البالة" بدأت منذ التسعينيات. وتضيف لـ"العربي الجديد" أن هذا السوق "كان خياراً اضطرارياً خلال فترة الحصار الاقتصادي، لكننا اعتدنا عليه، وبقي معنا حتى اليوم. كما أن تحسن الوضع المالي لا يعني تراجع الحاجة، الراتب أفضل، لكن المصاريف تضاعفت، إن لجهة المدارس أو الملابس أو الاحتياجات اليومية". وتوضح أنها تعتمد على "البالة" لشراء الملابس الشتوية، والحقائب المدرسية، وحتى بعض الإكسسوارات، إذ إنها تجد ما تحتاجه بسعر معقول، ما يخفف الأعباء الاقتصادية عن كاهلها.
وترى أمينة مناجد (51 سنة) في هذا السوق وسيلة لإعادة التوازن إلى ميزانيتها، وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ السنوات الأخيرة حملت أعباءً إضافية، "خصوصاً أنّ الأبناء كبروا، والمتطلبات زادت، والدخل لا يواكب الغلاء المعيشي"، وتضيف: "أشتري من البالة ملابس، أحذية، حقائب نسائية، وحتى بعض مواد الزينة. هذا السوق يمنحني خيارات لا أجدها في الأسواق الأخرى". وتؤكد أن أي قرار بتقليص الاستيراد يجب أن يُدرس بعناية، "فالأهالي لا يبحثون عن الرفاهية، بل عن القدرة على الاستمرار".
وبعيداً عن تجربة الموظفات، هناك معاناة لدى فئة أخرى أكثر هشاشة هي شريحة الكَسَبة، وهم العمال المياومون، والباعة الجائلون، وأصحاب المهن الحرة البسيطة، وهذه الشريحة محرومة من أي راتب ثابت أو أي شبكة أمان. أحد هؤلاء، أحمد فرج (36 سنة)، وهو كاسب يعمل بالأجر اليومي، يقول لـ"العربي الجديد": "دخلي غير مضمون، ويوم نعمل ويوم نتوقف. البالة هي الحل الوحيد أمامي، وأشتري منها ملابس أولادي وأحذيتهم، وكل ما أستطيع. صار الاعتماد على هذا السوق ضرورة وليس خياراً. وقد اعتدنا عليه منذ سنوات، فهو يناسب وضعنا. وتقليص الاستيراد يعني ببساطة ارتفاع الأسعار وضيق الخيارات".

أخبار ذات صلة.
صادرات النفط الإيراني تتواصل عبر هرمز
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
إلغاء قرار فرض ضريبة على السلع في ليبيا
العربي الجديد
منذ 8 دقائق