يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:
في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق وتحولات جيوسياسية متسارعة، يشهد اليمن “حقبة جديدة” من التعقيدات السياسية التي تتجاوز الداخل لتشابك مع المصالح الأوروبية والعالمية في منطقة البحر الأحمر.
وبينما تترقب المنطقة نتائج المفاوضات الإيرانية-الأمريكية في جنيف، تبرز الساحة اليمنية كمسرح محتمل لصراع إقليمي أوسع، خاصة بعد الانهيار المفاجئ للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وبروز كتلة “المحافظات الشرقية” كلاعب جديد يكسر ثنائية الشمال والجنوب التقليدية.
من استعراض القوة إلى التفكك القسري
بدأت ملامح التغيير الجذري في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع موجة اضطرابات في حضرموت وعدن، مدفوعة بتدهور الظروف المعيشية والاحتجاجات النسائية الواسعة. وفي محاولة لفرض واقع جديد، قام المجلس الانتقالي الجنوبي بتنظيم تجمعات حاشدة في “سيئون” تزامناً مع ذكرى الاستقلال في 30 نوفمبر، في خطوة وُصفت بأنها “استعراض للعضلات” في مناطق خارج سيطرته المباشرة، وتحديداً في وادي وصحراء حضرموت الغنية بالنفط.
وتطورت الأحداث بتسارع أذهل المراقبين في ديسمبر/كانون الثاني؛ حيث تقدمت قوات “الانتقالي” مدعومة بتعزيزات من أبين والضالع وشبوة لتسيطر على سيئون والمناطق النفطية، قبل أن تتوغل شرقاً نحو المهرة في غضون ثلاثة أيام فقط. هذا التوسع السريع جاء وسط صمت سعودي أولي أثار تكهنات بوجود تفاهمات مع الإمارات.
إلا أن “الانتقالي” اتخذ منحىً مغايراً للتصورات السعودية، مما استدعى رداً عسكرياً حازماً وغير متوقع من الرياض؛ حيث استخدمت السعودية القوة الجوية ووجهت إنذارات نهائية للمجلس الانتقالي وللإمارات بضرورة الانسحاب الفوري. هذا “الاستخدام الأقصى للقوة” أجبر القوات الموالية للإمارات على التراجع، وانتهى الأمر بإعلان “حل المجلس الانتقالي الجنوبي” رسمياً خلال اجتماع في الرياض، مما وضع حداً لكيان سياسي طالما قدم نفسه كممثل وحيد للجنوب.

تفكيك سردية المجلس الانتقالي الجنوبي
أكدت الباحثة اليمنية، ميساء شجاع الدين، أن السياسة السعودية الحالية تعتمد تكتيكات متنوعة لاحتواء تداعيات غياب “الانتقالي”، مشيرة إلى أن الرياض بدأت بالفعل في “تفكيك السردية” التي قامت عليها شرعية المجلس الانتقالي. ومن أبرز هذه التحولات بروز مصطلح “المحافظات الشرقية” (حضرموت، شبوة، المهرة) ككتلة سياسية واقتصادية مستقلة، مما يعني فعلياً إنهاء تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب فقط، واستبداله بخارطة نفوذ ثلاثية الأبعاد تمنح المكونات الشرقية ثقلاً ومساحة للمناورة بعيداً عن مركزية عدن.
وقالت شجاع الدين: “المحافظات الشرقية تعني حضرموت وشبوة والمهرة، وهي محافظات غنية وثرية، وهم سعداء بهذا التطور لأنه يمنحهم قوة ونفوذ حقيقيين تجاه الآخرين. لم يعد التقسيم مجرد شمال وجنوب فحسب، بل أصبح لدينا ‘شرق’ كخارطة جديدة للسياسة اليمنية.”
- وحدها في قمرة القيادة.. كيف تعيد السعودية صياغة التوازنات اليمنية؟
- تحقيق حصري: صندوق عدن الأسود.. كيف سقطت إمبراطورية “أبو سعيد الإماراتي” في قبضة السيبرانية السعودية؟
- حصري- سقطرى.. ماذا وجد الفنيون السعوديون عقب “الطرد المفاجئ للإمارات”؟
من جانبها، أوضحت ياسمين الإرياني، المديرة التنفيذية المشاركة لإنتاج المعرفة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أن تجربة “الانتقالي” في الحكم خلال السنوات الثلاث الماضية أدت إلى حالة من “خيبة الأمل” الشعبية نتيجة الفساد وتشكيل شبكات محاباة عائلية، فضلاً عن العجز عن تحسين الخدمات الأساسية.
وقالت الإرياني: ورغم وجود مسيرات داعمة للمجلس حالياً في شبوة وحضرموت، إلا أن الكثيرين يشاركون فيها ليس حباً في المجلس، بل خوفاً من “تمييع القضية الجنوبية” وضياع مكاسبها السياسية والعسكرية مع تلاشي الكيان الذي كان يمثلها بقوة في المفاوضات الإقليمية.
وتحدثت “شجاع الدين” و”الإرياني” في بودكاست للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تابعه “يمن مونيتور”.
وقالت شجاع الدين “كانت هناك رغبة في تدمير سردية المجلس الانتقالي التي قامت على أن الجنوب كيان واحد وأنهم الممثل الوحيد له. في السنوات الأخيرة، كان هناك توطيد متزايد للسلطة، وأصبح صنع القرار محصوراً في دائرة ضيقة جداً حول عيدروس الزبيدي والمقربين منه من قريته فقط، وليس حتى من محافظة كبيرة. لقد وصلت هذه الدائرة إلى حد محدود للغاية، لذا فإن العديد من الجنوبيين سعداء الآن بتدمير هذه السردية.”
وفي سياق متصل، تحاول الرياض حالياً استقطاب القيادات السابقة في “الانتقالي” عبر إدماجهم في الحكومة المشكلة حديثاً وتحويل ولائهم السياسي من خلال الدعم المالي، تحت شعار “تغيير الولاءات عبر الإنفاق”. ومع ذلك، لا يزال “الحوار الجنوبي” الذي وعدت به السعودية غامض المعالم، حيث لا توجد لجان تحضيرية أو مواعيد محددة حتى الآن، مما يعكس إدراكاً سعودياً لمدى تعقيد الملف الجنوبي وصعوبة الوصول إلى إجماع سريع في ظل حالة التشظي الحالية.
وتشير ياسمين الإرياني: “أظهرت [الأحداث] أن الجنوب بدون الشرق غير قابل للحياة بشكل كبير، وأعتقد أن المجلس الانتقالي الجنوبي كان يعرف ذلك جيداً… ليس فقط لأن الثروة أو الموارد النفطية هي شيء أساسي، ولكن أيضاً لأن المحافظات الشرقية تشغل الجزء الأكبر من المنطقة الشرقية للبلاد، فهي مساحة شاسعة ومنطقة استراتيجية للغاية”.
التوترات الإيرانية وظلال “الملاذ الآمن”
تراقب جماعة الحوثي هذه التطورات بهدوء حذر، حيث أبدى زعيم الجماعة اهتماماً بملفات دولية مثل “فنزويلا” أكثر من اهتمامه المباشر بأحداث الجنوب، ربما “لإدراكهم أن الانقسام في المعسكر المناهض لهم يصب في مصلحتهم”. ومع ذلك، يواجه الحوثيون ضغوطاً اقتصادية طاحنة، مما دفعهم لاستئناف المفاوضات مع السعودية بشأن “خارطة الطريق” لتأمين دفع الرواتب، قبل أن تتعثر هذه الجهود مجدداً بسبب انشغال الرياض بأزمة ديسمبر/كانون الأول وتصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
وحذرت ميساء شجاع الدين من سيناريو قاتم في حال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران؛ حيث يمتلك الحوثيون الجاهزية العسكرية للتنسيق مع طهران، بما في ذلك إغلاق مضيق باب المندب. والأخطر من ذلك هو احتمال تحول اليمن إلى “ملاذ آمن” لعناصر الحرس الثوري الإيراني في حال تعرضت طهران لهجوم مباشر، نظراً لامتلاك الحوثيين “شبه دولة” وجغرافيا مؤمنة، وهو ما لا يتوفر لوكلاء إيران الآخرين في العراق أو لبنان.
ختاماً، ترى ياسمين الإرياني أن اليمن أصبح “مرساة لملفات إقليمية كبرى” مثل غزة والسودان وأمن البحر الأحمر، حيث ترى السعودية في اليمن الساحة الأنسب لمواجهة النفوذ الإماراتي مباشرة. وفي حين تتبع الإمارات حالياً استراتيجية “التراجع التكتيكي” بانتظار “تعب سعودي” محتمل وفقدان للتركيز، تجد الرياض نفسها مطالبة بإدارة كرات كثيرة في الهواء في آن واحد؛ فالسقوط في الملف اليمني قد يحول البلاد إلى بؤرة فوضى يصعب احتواؤها لعقود قادمة.
The post اليمن على مفترق طرق: تفكك “الانتقالي” وبروز “إقليم الشرق” يكسر ثنائية الشمال والجنوب appeared first on يمن مونيتور.