طريق الشرق الأوسط الإسرائيلي يمر عبر طهران
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لزوماً لما يلزم، قبل القراءة لا مناص من التأكيد على مُسَلَّمات يدور في فلكها الطرح الآتي، أولاً: الكاتب ليس من المعجبين بنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما أدوارها التفكيكية وجرائمها الوحشية في العراق وسورية وبالتبعية المعطلة في لبنان واليمن، ثانياً: في الوقت ذاته لا يراها الخطر الأكبر على العالم العربي وإنما إسرائيل، ثالثاً: يؤمن بأهمية اتخاذ موقف مركب من الأولى ورفض مطلق للثانية. بما أنك قد وصلت إلى هنا، فمن الأفضل أن نضع أمامنا خريطة للعالم العربي ونتأملها جيوسياسياً، بحثاً عن نسق تمدد دولة الاحتلال كيف كان؟ وأين استطال؟ ولأي علة نما وتجذر سريعاً وبشكل أكثر حميمية على الأطراف محيطاً بدولنا؟ فعقب مرحلة أولى من تطبيع قديم دَهى القاهرة وعمّان الكائنتين في قلب العالم العربي، لم تنجح العلاقات الدبلوماسية السالفة والاقتصادية المتنامية، في إزالة التوتر الشعبي وحتى الحكومي في فترات متقلبة لا سيما في الشق العسكري، فكان أن بلغ الأمر تهديدات من وزراء ومسؤولين إسرائيليين حاليين وسابقين باحتلال واقتطاع أجزاء من الدولتين وتهجير الشعب الفلسطيني إلى أراضيهما. في المقابل ثمة نمط جديد من "تطبيع على الأطراف"، سمته البارزة سرعة في النمو بما يفوق سابقه أي "تطبيع قلب العالم العربي"، ولئن تخطاه في أشكال عديدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية، إلا أن تمدده الأمني والعسكري يبقى علامة خاصة على شراكة متصاعدة تؤكد زوال بقايا عقيدة الأمن العربي الجماعي المشترك، واقتراب مخطط تطويق العرب إسرائيلياً من الاكتمال. بالمثال يتضح المقال، والبداية من فحص مقاربة المغرب التطبيعية، فلئن بدا في ما انتحاه من علاقات بعيداً، إلا أننا نراه قريباً بأهله وناسه، وتحديداً هؤلاء المنكرين لدولة الاحتلال من بابها وليس للاعتراف بها فحسب، ولكن ما حيلتهم وقد تنامت عاجلاً العلاقات عقب خمسة أعوام فقط من توقيع ما سمي بـ"اتفاقيات أبراهام"، في ما يخص تعاوناً اقتصادياً وتواصلاً دبلوماسياً، لكن الأنكى منهما والأكثر اشتهاء لدولة الاحتلال ومدخلها الأساس هو العامل الأمني العسكري المتعاظم حتى صارت إسرائيل ثالث أكبر مصدر للسلاح إلى المملكة خلال الفترة بين أعوام 2020 و2024 بحسب قاعدة بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، ولهذا يمكن استنباط أحد أهداف توقيع البلدين خطة عمل جديدة لعام 2026 في تل أبيب، ضمن فعاليات الاجتماع الثالث للجنة العسكرية المشتركة! من ذاك الموضع في الخريطة، لننزل قليلاً إلى الأسفل، أي موريتانيا التي تستهدفها إسرائيل ومن قبلها واشنطن الترامبية، أملاً في استعادة علاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع كيان الاحتلال، بعدما قاطعتها نواكشوط في عام 2010 عقب 11 عاماً من التدشين الرسمي، إثر ضغوط سياسية وشعبية فجرها العدوان على غزة في 2008-2009. في الشأن هذا، نشطت مؤخراً تسريبات منسوبة لأركان الإدارة الأميركية وقد نشرتها في وسائط إعلامية قريبة من دوائر صنع القرار في واشنطن، كصحيفة العميل ياسر أبو شباب وقرينه حسام الأسطل (للتذكير كتبا فيها مقالين)، المعروفة بـ"وول ستريت جورنال"، عبر قصة إخبارية عدتها وعتادها "مصادر مجهَّلة" جرى تبهيرها بإضافة وصف "مسؤولين" إليها، وبقراءة لما بين سطورها يتضح أن عرضاً سياسياً لوح به، خلاصته مقايضة التطبيع بمغريات اقتصادية وحوافز أمنية معروضة على نواكشوط حتى تخوض مع الخائضين، غير أن اليقين جاء في رد سفيرة البلاد بأميركا نافية بعض ما ورد في المادة المنشورة، يوليو/تموز الماضي، بخصوص لقاءات سرية بين المسؤولين من البلدين، واعتماداً على الملموس من تماسك وطني واجتماعي ومؤسسي في الحالة الموريتانية يتضح أن لدى القيادة السياسية غطاء شعبياً ومجالاً سياسياً للمناورة أو الرفض، على العكس مما حدث في الحالة الليبية المهترئة. هناك وقع "تنافس تطبيعي" بين بنغازي، الواقعة تحت حكم مليشيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وطرابلس، مقر الحكومة المعترف بها دولياً، ولهذا فإن لقاء وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش مع نظيرها الإسرائيلي في روما صيف 2023، أثار موجة غضب شعبية واسعة، أدت إلى إقالتها، وعقب عام من الحادثة كشفت أن ما جرى كان بتكليف من عبد الحميد الدبيبة رئيس الوزراء الذي ضحى بها لتسكين الأزمة الناشبة، وكما يؤكد مصدر ليبي للكاتب فإن أبرز أسباب المقابلة، اندفاع الطرف المنافس على حكم البلاد إلى فتح علاقات مع دولة الاحتلال، وخوفاً من ترجيح كفته، اتُّخذ القرار بلقاء سري، لكن وزارة الخارجية الإسرائيلية كشفت عنه. صحيح افتضح أمر غرب البلاد إلا إن الشرق، المحكوم بالحديد والنار، مزنر بخوف لا يمكّن أحداً من مساءلة حفتر عما يثار حول لقاءات جمعت أحد أنجاله مع مسؤولين إسرائيليين، بالطبع يرفضها أهل بنغازي وما حولها، كما استقبحها أبناء العاصمة ومن في جوارهم، المهم أن المشهد الليبي إجمالاً مفتوح أمام كل عابر سبيل يمكنه أنه يوفر سلاحاً أو اعترافاً بشرعية مفتقدة. للوضع هذا تماثلات نوعاً ما مع أحداث سودانية، بطلاها قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وزعيم مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) اللذان تقربا من إسرائيل بالنوافل، ليتقوى كل منهما على الآخر ومن ثم يمنحانها نفوذاً ووجوداً في مشهد نتيجته تفكك أوصال البلاد وبلوغها مصاف الدول الفاشلة، بمعنى أن "اتفاقيات أبراهام" التي أقبلت عليها الخرطوم عملت بمثابة أداة تفكيك فعّالة لدولة هشة. الشيء بالشيء يذكر، فما جرى في الخرطوم يبرز جلياً في الحالة الصومالية، اعتراف إسرائيلي بما يسمى "جمهورية أرض الصومال"، وتدشين لمسار ربما يسفر عن علاقات عسكرية واسعة، فالإقليم المتمرد بحاجة إلى حماية، والاحتلال يسعى جاهداً لنيل موطئ قاعدة عسكرية في موقع استراتيجي عند ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر، فيمكنه إقامة قاعدة للتجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية وتأمين الممرات المائية الاستراتيجية في البحر الأحمر، ولعل المقصد الأساس جر حكومة مقديشيو إلى الهاوية ذاتها، بالضغط عليها عبر ورقة الإقليم. والحال كذلك أخيراً لاقى التمطي الإسرائيلي استنكاراً عربياً، مصرياً وسعودياً، ولكل منهما منطلقاته، بيد أن الرياض لا بد أنها استشعرت خطراً أكبر، لذا كانت تحركاتها أسرع، إذ كانت إسرائيل ستحاصرها متمركزة على مرمى حجر منها في جنوب اليمن، فكان أن قضت على مشروع الانفصال فيه، وكان الهارب عيدروس الزبيدي، قد قال إن الانفتاح على إسرائيل يرتبط برؤية أوسع تقوم على إعادة تفعيل مسار "اتفاقيات أبراهام"، ويمكن أن تكون دولة الجنوب العربي (اليمن الجنوبي) جزءاً منه، لكن كثر الله خيره لم ينس في هرائه إضافة كلمتين عن دولة فلسطينية ضحكاً على ذقون كان يظنها غير واعية لخطره. شرقاً القصة ذاتها تتكرر، تمدد إسرائيلي عبر علاقات عسكرية متنامية، ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت شركة إلبيت سيستمز، المتخصصة في الصناعات العسكرية، أنها وقّعت صفقة أمنية لنقل أنظمة دفاعية تكنولوجية مهمة بقيمة 2.3 مليار دولار لبلد آخر لم يجر الإعلان عنه، ثم نقل تقرير صحافي نشره موقع "إنتلجنس أونلاين" عن أن الإمارات هي الطرف الثاني في هذه الصفقة الضخمة، وقد وصفتها صحيفة كالكيست الإسرائيلية بأن لها أثراً في الموازين الاستراتيجية في المنطقة، نظراً لحساسية الأنظمة التكنولوجية التي سيجري تسليمها. لنضع كل ما سبق إلى جوار ما ذكره رئيس وزراء الاحتلال عن تشكيل محور جديد يمتد "من الهند إلى كوش"، على شكل "دائرة كاملة تحيط بالشرق الأوسط، وما بينهما وحتى داخل البحر الأبيض المتوسط"، أي "نجمة إسرائيلية فوق الأفق العربي" بتعبير محمد حسنين هيكل، الذي كثيراً ما حذّر من استبدال إيران بإسرائيل عدواً للعرب، ومن ثم إكمال المشروع لا ينقصه سوى إسقاط طهران، فطريق الشرق الأوسط الجديد المشتهى إسرائيلياً يمر عبرها. ويل للعرب من شر اقترب.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية