متاجر كبرى وسط ركام غزة... اقتصاد من خاصرة الموت
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
وسط ركام الأبنية المدمرة في مدينة غزة، وعلى مقربة من شوارع ما زالت تحمل آثار القصف الإسرائيلي، افتُتح مؤخراً مجمع تجاري تزينه الواجهات الزجاجية والأضواء الملونة، في مشهد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً، حيث تتدلى الزينة الكهربائية من سقفه المرتفع وتصدح الموسيقى في أروقته، فيما لا تزال الأبنية المحيطة به مهدمة أو شبه خالية من السكان. المجمع الجديد، الذي جرى تدشينه بتكاليف مالية كبيرة رغم شح الإمكانيات وارتفاع تكاليف مواد البناء والنقل، لا يعكس الصورة الكاملة للحالة الاقتصادية القائمة في غزة ورائحة الموت التي ما زالت تنتشر في كل مكان. فبينما ترتفع معدلات الفقر وتتراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان، يظهر هذا المشروع علامةً تجاريةً لافتة تعلن نفسها بقوة وسط واقع اقتصادي هش. اقتصاد الصدمة أمل متجدد وفي محيطه، تبدو المفارقة صارخة، خيام تؤوي نازحين ومحال مغلقة وطرقات متضررة وانقطاع متكرر للخدمات الأساسية، ومع ذلك يتدفق الزوار إلى المجمع ويتجولون بين متاجره ويلتقطون الصور وكأنهم يبحثون عن لحظة طبيعية وسط زمن استثنائي. هنا يتجسد ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الصدمة"، حيث تنشأ أنماط إنفاق ونشاط تجاري في قلب الأزمات. وفي منطقة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، افتتح التاجر نائل حمدان محلاً لبيع الحلويات بعد أشهر من توقف النشاط التجاري. وقال حمدان لـ"العربي الجديد" إن تكلفة إعمار المحل وتزيينه تجاوزت سبعة آلاف دولار، وهو مبلغ كبير في ظل الظروف الراهنة، مؤكداً أن هذه الكلفة تقلل هامش الربح المتوقع. ويضيف: "صحيح أن المبلغ كبير ويؤثر على الأرباح، لكن كان من المهم أن يكون المحل بمظهر لائق وجذاب، فالناس بحاجة إلى أماكن مزينة تشعرهم بأن الحياة تعود تدريجياً وبأن غزة لم تمت"، مشيراً إلى أنّ " الاستثمار في الشكل والتجهيزات ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية وتسويقية في آن واحد". ويقر حمدان بأن الأسعار ترتفع على المستهلك نتيجة هذه التكاليف المرتفعة، سواء في مواد البناء أو مستلزمات الإنتاج، لكنه يؤكد أن افتتاح المشاريع الجديدة يبعث برسالة إيجابية، وتتمثل في أننا في حاجة إلى إبراز عودة الحياة، حتى لو كانت تدريجية ومكلفة، مشيراً إلى أن الحركة التجارية تعني أن الناس ما زالت قادرة على الصمود. المولات والمطاعم الجديدة وتقول الفلسطينية، ياسمين دحلان، التي عادت من نزوحها القسري من جنوب القطاع إلى شماله، والتي تُقيم في خيمة مؤقتة بعد أن دمر الاحتلال منزلها، إن مشاهد افتتاح المحال التجارية التي يطلق عليها الناس هنا بالمولات والمطاعم الجديدة في شمال غزة تبعث في نفسها قدراً من التفاؤل، رغم قسوة الواقع. وأضافت لـ"العربي الجديد": "عندما أرى محلاً تجارياً يفتح أبوابه أو مطعماً جديداً يستقبل الزبائن، أشعر أن الحياة لم تتوقف بالكامل، في الوقت الذي كان الجيش الإسرائيلي يعمل على إخلاء شمال غزة، كنا نشعر أن المنطقة انتهت، لكن هذه المشاهد تقول لنا إن هناك من يصر على البقاء". وترى دحلان أن هذه المشاريع قد تكون مدخلاً لتعزيز صمود السكان في مناطقهم، ورسالة بأن إعادة الإعمار ممكنة ولو بخطوات صغيرة، "ربما لا نملك بيوتاً الآن، لكن وجود نشاط تجاري يعطينا أملاً بأن عجلة الحياة ستدور من جديد". قراءة في التناقض ويستخدم مصطلح "اقتصاد الصدمة" لوصف التحولات الاقتصادية التي تنشأ في أعقاب أزمات كبرى، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الانهيارات المالية، حيث إن الأسواق لا تسير دائماً في هذه السياقات، وفق القواعد التقليدية للعرض والطلب، بل تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية وأمنية. وفي بعض الحالات، تؤدي الصدمة إلى انكماش حاد وتوقف شبه كامل للنشاط، وفي حالات أخرى تظهر أنماط اقتصادية جديدة، مثل ازدهار قطاعات بعينها أو تحقيق أرباح استثنائية لفئات قادرة على استغلال الفرص في بيئة عالية المخاطر. كما يرتبط اقتصاد الصدمة بظاهرة "إعادة توزيع الثروة داخل الأزمة"، حيث تتآكل مدخرات شريحة واسعة من المجتمع، بينما تتراكم أرباح لدى فئات أخرى تمتلك السيولة أو القدرة على الوصول إلى السلع النادرة. وتلعب التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية أيضاً دوراً في تحريك عجلة الاستهلاك، حتى في ظل انهيار الإنتاج المحلي. في حالة غزة، يتقاطع اقتصاد الصدمة مع عوامل الحصار والتبعية وضعف القاعدة الإنتاجية، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً، فالنشاط التجاري الظاهر لا يعني تعافياً اقتصادياً شاملاً، بل قد يكون تعبيراً عن ديناميكيات مؤقتة تحركها الحاجة النفسية إلى الاستهلاك والسعي لإثبات القدرة على الاستمرار رغم الدمار. وفي ظل حرب إبادة مدمرة شنها الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من عامين، سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً حاداً بنسبة 83% خلال عام 2024، تبعته خسارة إضافية بلغت 7.8% في عام 2025، وهو ما يعكس انهياراً شبه كامل في القدرة الإنتاجية، وانقطاعاً فعلياً لمسار النمو الاقتصادي. ووفق تقرير سابق لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، دخل اقتصاد غزة مرحلة "الدمار الكامل"، إذ لم تقتصر الخسائر على الأضرار المادية بل امتدت لتقويض أسس الحياة الاقتصادية ذاتها، في واحدة من أعمق الأزمات التي يشهدها العالم منذ عقود. وأوضح التقرير أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى مستوى عام 2003، ما يعادل خسارة 22 عاماً من التنمية الاقتصادية، ليتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولاراً فقط سنوياً، وهو أحد أدنى المستويات المسجلة عالمياً. استثمارات غير مألوفة بدوره، يصنف المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ، اقتصاد غزة ضمن ما يسميه "الاقتصاديات العجيبة"، وهو مصطلح غير متداول في الأدبيات الاقتصادية، استخدمه لوصف الحالة الفلسطينية عموماً. ويقصد بربخ بذلك بأن الاقتصاد الغزّي يحمل تناقضات غير مألوفة وسلوكاً يبدو غير منطقي وفق القواعد الكلاسيكية للاقتصاد. وقال بربخ لـ"العربي الجديد": "الاقتصاد في غزة عانى سابقاً من حصار وتبعية، واليوم يواجه حرباً وانهياراً واسعاً في المقومات والمرافق، من المفترض نظرياً أن يؤدي الدمار إلى توقف النشاط وأن يؤدي انخفاض الدخل إلى تراجع الاستهلاك وأن تقل فرص الربح في الأزمات، لكن ما نشهده يحمل ملامح مختلفة". وأضاف: "رغم ارتفاع الأسعار بشكل كبير، لا تتوقف حركة البيع والشراء، وبرغم ارتفاع معدلات الفقر تنتشر مشاريع جديدة ومولات وبعض مظاهر الرفاه". وأكد أن غالبية المجتمع متضرر لكن جزءاً منه حقق أرباحاً فاقت المنطق التجاري المعتاد، نتيجة اختلالات في العرض والطلب وندرة بعض السلع والخدمات. ولفت إلى أن ما يحدث يمكن تفسيره جزئياً بما يسميه "استهلاك الصدمة" أو التفريغ النفسي بعد الأزمات، "فالأفراد الذين عاشوا تجارب قاسية يميلون أحياناً إلى الإنفاق لتعويض الحرمان أو لاستعادة شعور بالسيطرة على حياتهم، هذا السلوك وإن بدا مخالفاً للمنطق الاقتصادي الكلاسيكي، إلا أنه مفهوم في سياق الأزمات الممتدة". يذكر أن غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة غزة افتتحت منتصف الشهر الجاري، معرض الصناعات الغذائية المحلية تحت عنوان "إنتاجنا حياة"، في محاولة لإعادة الحياة إلى عجلة الإنتاج المحلي بعد الحرب المدمرة التي أثرت على كل نواحي الحياة. وشارك في المعرض الذي تم تنظيمه في مقر الغرفة شرقي مدينة غزة عدد من المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة، التي جاءت لتعرض ما استطاعت الحفاظ عليه وتطويره رغم الظروف الاقتصادية القاسية وتداعيات الحرب المستمرة. وأوضحت تالا نشوان من العلاقات العامة في الغرفة التجارية في تصريحات سابقة أن فكرة المعرض الأساسية هي إبراز دور المنتجات الوطنية، ومحاولة التعافي على الرغم من الظروف القاسية، وأن "عامان من التدمير لم يفقدا تلك المشاريع شغفها في المواصلة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية