شاشات الهواتف وموائد الحنين: كيف يعيد 7 ملايين يمني صياغة “الوطن” في شتات رمضان؟
أهلي
منذ يوم
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ من بشرى عبد الرحمن

مع إشراقة هلال شهر رمضان المبارك، تفيض مشاعر الحنين في قلوب ملايين اليمنيين الموزعين على خارطة الشتات العالمي، لتتحول عواصم المنافي من مجرد محطات للجوء أو العمل إلى ساحات مفتوحة لاستعادة “الروح اليمنية” التي أنهكتها سنوات الحرب والاغتراب.

وفي رصد معمق أجرته  شبكة “يمن مونيتور” الإخبارية، تبرز تفاصيل هذه الملحمة الوجدانية التي يخوضها اليمانيون خلف البحار، حيث لا يعد الصيام مجرد شعيرة دينية، بل هو معركة يومية لترميم الذاكرة ببهارات البلاد، ومحاولة دؤوبة لغرس جذور الهوية في تربة غريبة، مستعينين بوهج الشاشات لربط ما انقطع من أواصر الأهل والديار.

 

ديموغرافيا الألم

تفرض لغة الأرقام واقعاً استثنائياً أعاد رسم الخارطة البشرية لليمنيين، إذ تشير البيانات التي تتبعتها “يمن مونيتور” إلى أن كتلة الشتات اليمني بلغت قرابة 7 ملايين نسمة، دفعتهم ظروف الانهيار الاقتصادي والصراع المسلح نحو هجرة قسرية لم تشهدها البلاد في تاريخها المعاصر.

وتتصدر المملكة العربية السعودية هذه الوجهة باحتضانها نحو 1.8 مليون مقيم يمني وفقاً لتعداد 2022، تليها مصر التي باتت ملاذاً لمليون يمني يبحثون عن الاستقرار، فيما تتوزع بقية الأعداد بين الولايات المتحدة (200 ألف)، والإمارات (100 ألف)، وبريطانيا التي تضم نحو 80 ألفاً، وصولاً إلى جيبوتي التي استقبلت أكثر من 40 ألف لاجئ.

هذا التوزع الجغرافي الواسع لا يعكس مجرد أرقام إحصائية، بل يشير إلى تحولات عميقة في بنية المجتمع اليمني المهاجر، حيث رصدت مصفوفة تتبع النزوح (DTM) التابعة لمنظمة الهجرة الدولية حركة عكسية تمثلت في ترحيل عودة آلاف اليمنيين إلى بلادهم لأسباب تنظيمية. هذه المتغيرات تضع المغترب اليمني في حالة من القلق الدائم، مما يجعل من شهر رمضان فرصة ذهبية للبحث عن “وطن مؤقت” يمنحه السكينة وسط تقلبات القوانين وظروف الإقامة المعقدة في بلاد المهجر.

إن تضخم أعداد اليمنيين في دول مثل ألمانيا وفنلندا ودول الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية وماليزيا واثيوبيا يعكس رغبة الجيل الجديد في البحث عن بدائل تتجاوز المحيط الإقليمي التقليدي، وهو ما يفرض تحديات مضاعفة تتعلق بالاندماج مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية. ففي ظل هذا الشتات، تصبح التجمعات الرمضانية هي “البرلمان الاجتماعي” البديل الذي يناقش فيه اليمنيون همومهم المشتركة، ويحاولون من خلاله تخفيف وطأة العزلة التي فرضتها المسافات الشاسعة واختلاف الثقافات، محولين أرقام الإحصائيات إلى قصص صمود إنساني تتجلى في كل إفطار.

الفنانة منى الأصبحي

حين تتحول المائدة إلى خط دفاع أول عن الهوية والذاكرة

في صقيع فنلندا وداخل المنازل المتباعدة في الولايات المتحدة، تبرز المرأة اليمنية كحارس أول للهوية، حيث يتحول المطبخ اليمني في رمضان إلى “غرفة عمليات” لاستحضار روح صنعاء وعدن. ففي مدينة “لاهتي” الفنلندية، يصف المغترب محمد بن مجاهد السميني المشهد لـ “يمن مونيتور” بأنه محاولة لاستعادة دفء الوطن عبر مائدة تجمع العائلة والشباب، مؤكداً أن رمضان هناك ليس مجرد صيام، بل هو “مساحة للطمانينة، حيث تجتمع الأسرة ويشعر الجميع بالراحة والسكينة رغم البعد القاتل عن الوطن”.

وقال: “تحاول هذه الأسر استعادة دفء الوطن عبر مائدة رمضانية يمنية تجمع العائلة والشباب وتعيد للأطفال ملامح الطفولة والهوية اليمنية، وتُحيي ليالي الشهر بالعبادة والتواصل، وهنا لا يكون رمضان مجرد صيام بل مساحة للطمأنينة، حيث تجتمع الأسرة اليمنية ويشعر الجميع بالراحة والسكينة رغم البعد عن الوطن”.

وعلى مقلب آخر من الأطلسي، تجسد الفنانة منى الأصبحي في الولايات المتحدة معركة استعادة الروحانية المفقودة في ظل غياب صوت الأذان الذي يمثل “الكلفة الكبرى” للمهاجر. وترى الأصبحي أن غياب التناغم الفيزيائي مع ذكر الله في الفضاء العام يفرض على الأسرة ابتكار أجواء موازية، حيث تقول: “إننا ندفع ضريبة المهجر من أرواحنا؛ لذا نضطر لاستحضار تلك الروح في زوايا بيوتنا عبر الزينة والأضواء الرمضانية، لمحاكاة البهجة وغرس قدسية الشهر في نفوس أطفالنا وجعلهم يشعرون بخصوصية هويتهم وسط محيط مغاير.”

هذا الاستحضار المتعمد للتفاصيل التقليدية يتجاوز كونه حنيناً للطعام، ليكون بمثابة “تحصين ثقافي” للأجيال الناشئة من الذوبان في المجتمعات الغربية. فالأسر اليمنية في فنلندا وأمريكا وكل دول الشتات اليمني تعي تماماً أن انقطاع الرابط مع طقوس رمضان يعني انقطاع الخيط الأخير الذي يربط الأطفال بجذورهم؛ لذا تصبح السنبوسة والشفوت والشوربة، الممزوجة برائحة البخور اليمني، أدوات تعليمية ولغة بصرية تنقل قيم التراحم والخصوصية الحضارية لليمن في بيئة تفتقر لتلك الروحانيات.

اليماني سفيراً للثقافة في كوارث الشتات ومنافيه

في ألمانيا، حيث يحكم الروتين الصارم والدوام الطويل وتيرة الحياة، يجد اليمنيون في رمضان فرصة لكسر العزلة الاجتماعية التي تفرضها سياسات السكن المشتتة. ويوضح الدكتور علي هاشم الشرفي لـ “يمن مونيتور” أن الجالية تحاول في الإجازات الأسبوعية استئجار الصالات لخلق “جو يمني” يعوض غياب المقايل الاجتماعية، مشيراً إلى أن الجهود تتركز على “تهيئة أطفالنا وبيوتنا لاستحضار دفء الوطن في منافينا المتباعدة”، وهو ما يعكس إصراراً على تحويل الشتات الألماني إلى نقاط التقاء تعيد صياغة الروابط الأسرية.

أما في كوريا الجنوبية، فقد استطاع اليمني أن يقدم نموذجاً ملهماً للاندماج دون ذوبان، كما يروي عبود المراني من حي “إيتايوان” بسيول، حيث تحول أطفاله إلى سفراء يدعون جيرانهم الكوريين لمشاركتهم الإفطار اليمني. ويؤكد المراني لـ”يمن مونيتور” أن الغربة علمته أن “الوطن هو العائلة، وما دام شملنا مجتمعاً مع جيراننا الكوريين فنحن نبني حياة تتسع لليمن ولكوريا معاً”، وهو ما يبرز قدرة اليمني على تحويل “محنة” الاغتراب إلى “منحة” للتعايش السلمي ونقل الثقافة العربية والإسلامية إلى أقصى شرق الأرض.

ولا تختلف هذه الروح في جزيرة “بوكيت” التايلاندية، حيث يسرق الشباب اليمني لحظات تشبه بلادهم عبر إفطارات جماعية تزدان بالأطباق التقليدية وسط غياب المآذن الصنعانية. ويصف المغترب أحمد الجميلي تلك اللمة بأنها “العائلة البديلة التي تعوضنا غياب الأهل وتمنحنا روحانية رمضان الحقيقية”.

إن هذه النماذج في ألمانيا وكوريا وتايلاند تثبت أن اليمنيين لم يحملوا في حقائبهم الملابس فقط، بل حملوا وطناً وجدانياً عابراً للقارات، قادراً على الصمود والتكيف والبناء في أي أرض تطأها أقدامهم.

 

الوفاء لهوية تأبى الانكسار

إن اليقين الذي تكرسه قصص اليمنيين في المهجر، من صقيع أوروبا إلى شواطئ آسيا، يؤكد أن “اليمن” ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو حالة قيمية وروحية تنتقل مع الإنسان أينما حل. الشهادات الحية التي وثقتها “يمن مونيتور” تبرهن على أن اليماني، رغم قسوة المنافي ومرارة الغياب القسري، يظل متمسكاً بخيط الضوء الذي يربطه بجذوره، محولاً صيام الغربة إلى ملحمة وفاء وطنية تثبت أن الهوية اليمنية عصية على الانكسار أو الذوبان في بوتقة الاغتراب.

 

The post شاشات الهواتف وموائد الحنين: كيف يعيد 7 ملايين يمني صياغة “الوطن” في شتات رمضان؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية