في أحد أحياء صنعاء تعيش أسرة محمد وتختصر حكاية ملامح مدينة كاملة أنهكها الجوع والخوف وانسداد الأفق خلف باب خشبي متآكل تسكن الأسرة المكونة من خمسة أطفال في منزل ضيق لا يدخله الضوء.
مع دخول رمضان لا تنشغل الأسرة بزينة ولا استعدادات، بل بسؤال يومي ثقيل ماذا سنأكل غدا وكيف سنمر من هذا الشهر بلا انكسار جديد في قلوب الصغار، كما يتحدث والدهم عن معاناتاه في توفير الاحتياجات الأساسية.
كان "محمد سعيد" موظفا حكوميا يتقاضى راتبا يغطي إيجار البيت ومصاريف المدرسة وبعض الطعام منذ سنوات لم يعد الراتب يصل بانتظام ثم انقطع هذا الدخل الثابت، وأصبح عامل باليومية في طابور البطالة الطويل.
يقول محمد لـ"الصحوة نت"، مع طلوع الفجر أخرج أبحث عن عمل وأحيانا أعود في الليل إلى أسرتي ولا أملك ريالاً واحداً، إذا استطعت أن أوفر الخبر".
ويضيف "إن أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل نظرة أطفالي حين يسألوني عن أشياء أنا عاجز عن توفيرها". ومع تراكم الديون وضغط الإيجار وارتفاع الأسعار وجد نفسه أمام عجز كبير.
معركة من أجل العيش
حين يعود "محمد" إلى المنزل في المساء يحمل احتياج يومي، وتقول زوجته "أم وائل" أن تقف عاجزة أمام مهمة مستحيلة كيف توزع القليل من الطعام على الأطفال وكيف تحافظ على كرامة الأسرة في وجه الحاجة.
وقالت لـ"الصحوة نت": "أحيانا لا نأكل وجبات كاملة من أجل أن يشبع الأطفال". وتشتري "أم وائل" الزيت في أكياس صغيرة بمئة ريال لأنها لم تعد قادرة على شراء عبوة كاملة وهذا أصبح يتكرر في آلاف البيوت.
ما يتمناه "محمد" ليس مالا كثيرا، بل عملا مستقرا يعيد له إحساسه بأنه يعيل أسرته بعرق جبينة ويجلس حول مائدة صغيرة مع أسرته وألا يخذل أطفاله أكثر مما قد حصل معاهم خلال السنوات الماضية. على حد قوله.
قصة "أسرة محمد" تلخص مأساة يعيشها اليمنيون في صنعاء ومناطق سيطرة ميلشيات الحوثي. وحذرت الأمم المتحدة "إن الوضع الإنساني في اليمن بات أكثر خطورة من أي وقت مضى وما يزال يواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة وخاصة في مناطق سيطرة الحوثيين".
ووفق التقديرات، الأممية سيحتاج 22.3 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال العام الجاري 2026، بزيادة قدرها 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، ويعاني نحو 5,5 مليون من ظروف انعدام الأمن الغذائي.
صنعاء وتوسع المأساة
وتوقفت غالبية العمليات الإنسانية للمنظمات الدولية خلال الأشهر الماضية في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، بسبب انتهاكات الميلشيات وتقليص الدعم، وهذا انعكس على الأسر التي كانت تحصل على مساعدات غذائية.
وتعيش العاصمة صنعاء دائرة فقر مغلقة من الاحتياج الإنساني، بدأت من انقطاع رواتب الموظفين ونهبها من قبل ميلشيات الحوثي، ومن ثم فرض جبايات ضاعفت من الأسعار في ظل انعدام مصادر الدخل، وصولا إلا احتكار حتى العمل الاغاثي والإنساني.
في صنعاء القديمة كانت "أم عبد العزيز" تحصل سنويات على مساعدات من تجار كبار كانوا يوزعون على جميع المنازل في عدد من الاحياء دون استثناء، لكن من سنوات توقف هذه المساعدات بسبب منع الحوثيين. وقالت: "لا نحصل على أي مساعدات في رمضان رغم حاجتنا الماسة".
وتفرض الميلشيات الحوثي توزيع المساعدات عن طريق مؤسسات تديرها الجماعة، وغالبيتها تعمل من أجل أفراد الجماعة، وتعد أولوية المساعدات للمناطق والأسر التي قتل منها مجندين في صفوفها، ولا يعتبر الاحتياج أولوية في مدينة الجميع أصبح محتاج للمساعدة.
وبدت الأسواق قبل رمضان أقل من السنوات الماضية، حيث تتراجع القدرة الشرائية سنوياً في الوقت الذي تتكدس البضائع في الأسواق. وقال موظف في إحدى الأسواق التجارية الكبيرة (مول) -طلب عدم ذكر اسمه- "كل عام نسبة المبيعات أسوا من سابقاتها الناس لا يملكون الأموال ولا مصادر للدخل".
ويضيف لـ"الصحوة نت"، "كان السوق يزدحم حد الاختناق قبل أسبوع من رمضان لكن هذا العام كان إقبال الناس على السوق في آخر يوم شعبان أقل بكثير من الأعوام السابقة وكان ذلك متوقعاً".
وكان رمضان موسم لاستيعاب أكبر عدد من الموظفين نتيجة للاحتياج في كثير من الأقسام سواء الغذائية أو الملابس حيث يتسوق الناس للعيد -وفق الموظف في المول تجاري- لكن هذا العام استوعبنا اقل من 50 بالمئة مما نخطط له سنويا بسبب حركة البيع البطيئة.
ورغم كل المأساة التي يعيشها السكان في مناطق سيطرة الحوثيين لكن جبايات الجماعة لا تتوقف وتتضاعف خلال شهر رمضان بمسميات عدة، ويستهدفون الجميع من أصحاب الاعمال الصغيرة أو الكبيرة.
في المقابل لا تتحمل ميلشيات الحوثي أي مسؤولية تجاه احتياجات الناس ويزعمون أن المسؤول عن احتياج الناس هي الحكومة الشرعية. بينما هم لا يهتمون إلا بتوفير الأموال لقياداتهم ومقاتلتهم لخوض حروب لقتل اليمنيين، وعندما سئل مسؤول عن حوثي عن الرواتب رد بالقول "لا يخلق المعدوم إلا الله".
أخبار ذات صلة.