تحت طربال متهالك في أطراف ريف حجة غربي اليمن، تجلس “سعاد” (اسم مستعار) من فئة النساء المهمشات تتأمل يديها اللتين حفرت فيهما سنوات الشقاء أخاديد عميقة، لم تصبغهما الشمس وحدها بذلك السواد الداكن، بل مجتمع قرر مسبقا أن يحبسها في خانة “الدونية”.
سعاد ليست مجرد امرأة فقيرة فحسب؛ بل تعاني من تحديات كثيرة بسبب انتمائها لـ”فئة المهمشين”، فبينما تتزاحم النساء للحصول على المساعدات، تقف عاجزة، لا يمنعها الجوع بل غياب البطاقة الشخصية؛ تلك القطعة البلاستيكية الصغيرة التي تمثل للآخرين إجراء روتينيا، لكنها بالنسبة لها جدارا يفصلها عن العلاج والتعليم وحتى الاعتراف بإنسانيتها.
من ريف حجة تروي الخمسينية “أم صحيح”، المصابة بالفشل الكلوي، فصولا من معاناة مزدوجة المرض والتمييز، وتقول: “مشكلتي ليست في البطاقة، بل في لوني الذي يعتبرونه تهمة”.
مواضيع مقترحة
- مهمشو الأرياف: تعايش مجتمعي رغم التحديات
- نعمان الحذيفي: قضايا المهمشين صوت غير مسموع
- مبادرة “سونيا” لتعليم الأطفال: قصة نجاح ملهمة
وتضيف، “عند نقطة تفتيش أمنية، وأثناء توجهي للعلاج، أنزلني أحد الجنود من المركبة قائلا: “انزلي يا خالة، هذه نقطة تفتيش مش مكان للتسول”، بحجة عدم حملها هوية”.
في مكتب الأحوال المدنية، واجهت إذلالا آخر؛ سخر الموظف من ملابسها وطالبها برسوم تعجيزية: “ادفعي خمسين ألفا”، في إشارة غير مباشرة إلى رشوة لا تملكها، وحتى المساعدات الإغاثية حرمت منها بذريعة عدم امتلاك الوثائق، تختصر أم صحيح مأساتها بعبارة موجعة: “أنا يمنية، لكن في نظرهم مجرد لون لا يستحق ورقة تثبت آدميته”.
الخبز مقابل التعليم
نادية (15 عاما)، تجلس في أحد مخيمات النزوح بريف حجة، وهي في الصف الخامس الابتدائي، بعد سنوات دراسية ضاعت بين النزوح وتحمل المسؤولية المبكرة، تقول: “كنت أترك المدرسة لأجمع الخبز لإخوتي، واليوم أبلغ الخامسة عشرة وما زلت في الابتدائية”.
لم تواجه عنفا جسديا، لكن الكلمات كانت أكثر قسوة “كانوا ينادونني شحاتة، وأنا أشقى لأجل أسرتي”، وجدت نفسها زوجة وهي قاصر، في قرار تقول إنها اتخذته بدافع البحث عن الاستقرار، ورغم الفقر المدقع وعمل زوجها بالأجر اليومي، تؤكد أنه متفهم لوضعها الصحي، ويؤجل الإنجاب حتى تبلغ السن القانوني.

أما صباح فلا يفصل بين “طربالها” في ريف صنعاء ومنزل جارتها الطيني سوى شارع ضيق، لكن توزيع المساعدات كشف عن فجوة اجتماعية سحيقة بينهما، إذ تروي صباح أم لتسعة أطفال، كيف تحول طلب كيس دقيق إلى رحلة إذلال بسبب لون بشرتها ونظرة المجتمع.
لا تزاحمي المتعففين
وتقول لـ”ريف اليمن”، :”دفعني العاقل بعصاه صائحاً:” ارجعي وراء يا خادمة، لا تزاحمي المتعففين، أنتم متعودون على الشحاذة”،وقفتُ منكسرة، بينما حين نودي على جارتي (أم ناصر) انشق لها الصف احتراما لنسبها، وتسابق الشباب لحمل حصتها إلى دارها قائلين: عيب تتعب البنت”
المفارقة المؤلمة لم تكن في الحصة الغذائية فحسب، بل في طريقة الوصول إليها؛ فبينما عادت الجارة مكرمة، عادت صباح بنصف كيس وقلب مكسور، تختصر مأساتها قائلة: “عدنا بنفس الدقيق؛ هي بكرامة محفوظة وأنا بالذل.. الفقر واحد، لكن الوجع ليس واحداً..”.
تشير نزيهة زايد ـ موظفة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود فجوة ديموغرافية هائلة في بيانات رصد فئة “المهمشين”، حيث تتراوح التقديرات لأعدادهم ما بين 500 ألف إلى 3.5 مليون نسمة، يتركز ثقلهم السكاني في محافظات الحديدة، صنعاء، ذمار، حجة، تعز، إب، لحج، المحويت، وحضرموت .

وتؤكد زايد لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفئة تُعد “الحلقة الأضعف”، إذ تشكل النساء والأطفال ما نسبته 76% من النازحين، لافتةً إلى أن حياتهم كانت مبنية على عدم الاستقرار والنزوح حتى ما قبل الصراع، لتزداد أوضاعهم سوءاً مع الحرب، وهو ما ساهم في تصنيف اليمن رابعاً عالمياً في معدلات النزوح الداخلي.
وفي هذا السياق توضح زايد أن المهمشين يواجهون ما وصفته بـ “النزوح المركب”؛ فهم يسقطون من شبكات الأمان الإغاثي نتيجة عدم امتلاكهم وثائق الهوية، الأمر الذي يحرمهم من مساعدات المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي.
مشيرة إلى تفاقم مأساتهم في ظل معدلات أمية تتجاوز 90%، وعيشهم في مساكن عشوائية تفتقر لأدنى الخدمات، مما يجعلهم مجرد “أرقام منسية” في معادلة الاستجابة الإنسانية.
صناعة الأمل
ليست كل القصص انكسارا كاملا، فسارة” (25 عاما) نزحت من عدن إلى أحد مخيمات ريف حجة بعد أن كانت تعيش حياة مستقرة، وتقول: “حين دخلنا المخيم فكرنا بالعودة إلى الموت تحت القصف بدل العيش هنا”.
لكنها رفضت الاستسلام، أكملت تعليمها حتى تخرجت “مساعد طبيب”، وكانت تساعد أسرتها بضرب الإبر للجيران مقابل مبالغ بسيطة، واليوم تعمل في مستشفى خارج المحافظة، وتعيل أسرتها بالكامل، “سأبني لهم بيتا يعوضهم عن كل ما فقدناه”، تقول بثقة.

رصد معد التقرير، حالات اعتداء على فتيات في أرياف صنعاء وحجة، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، كـ”نجيبة” (29 عامًا) التي تروي مأساة بدأت بعد تعرضها لاعتداء جنسي، لتجد نفسها متهمة بدل أن تُعامل كضحية.
تقول: “أهل المنطقة يرونني مذنبة، نسوا المجرم وجعلوني أنا المدانة”، تعرضت لتعنيف أسري قاس، وأُجبرت على الخروج للتسول بطفلها الرضيع، كل ما تحلم به اليوم أن تعيش في مكان لا يعرفها فيه أحد “أريد فقط أن أحمي ابني مما عشته”.
يرى أستاذ علم الاجتماع، د. منصور العنسي، أن جذور التمييز تاريخية ومرتبطة بالبنية القبلية، مما جعل غالبيتهم يعيشون في أحياء فقيرة بضواحي المدن والأرياف، ويفتقرون فيها لفرص العمل والخدمات الأساسية كالمياه والتعليم”.
مفارقة قانونية
ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن النزوح فاقم الأزمة، مشيرا إلى أن النزوح ضاعف من مأساة النساء؛ فإحدى النساء التي كانت تعيل أسرتها من تنظيف المنازل، باتت اليوم عاجزة عن توفير مبلغ (12 ألف ريال) لتأمين المستلزمات المدرسية لأطفالها بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد.

المحامية تيسير حمود تشير إلى وجود مفارقة قانونية صارخة في اليمن؛ فبينما كفل الدستور نظريا المساواة التامة، تأتي الممارسات الواقعية والتشريعية لتفرغ هذه النصوص من محتواها، مما يضاعف مأساة النساء وتحديدا “المهمشات” وذلك عبر انعدام الحماية الجنائية.
وتضيف لـ”ريف اليمن”:” إذا كانت المرأة القبلية تعاني من هذا القصور، فإن معاناة “المهمشة” أشد قسوة، حيث يستباح جسدها وحقوقها بصمت مطبق لافتقارها للسند الاجتماعي والقانوني، كمآسي الأحوال الشخصية المتمثل بزواج القاصرات فهو يمثل حكماً بـ”الإعدام البطيء” للفتيات المهمشات، ويوقعهن في دوامة صحية وقانونية مهلكة.
تؤكد حمود أن العادات والتقاليد تمارس دورا أقوى من القانون، حيث يمارس العرف “عنصرية” تحرم المهمشة من حقوقها الدستورية، لتصبح في النهاية ضحية لجلادين قصور القانون، وقسوة الأعراف الاجتماعية، مشيرة أن غياب الحماية القانونية يطال النساء عموما، لكنه يكون أكثر قسوة على “المهمشات” لافتقارهن للسند القبلي والاجتماعي.
أخبار ذات صلة.