دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال
تقارير وتحليلات
منذ 6 ساعات
مشاركة

في خمسينيات القرن الماضي، كانت آلات “محلج الكود” تدور ليلا ونهارا في محافظة أبين، تحول القطن الأبيض إلى ذهب يصدر إلى بريطانيا، فيما كان الفلاحون يصدحون بالأغاني وهم يجنون البسباس الأحمر الذي يملأ أسواق عدن وصنعاء ويشق طريقه إلى الخارج.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماما، دلتا أبين التي كانت تعرف بـ”سلة الجنوب”، تئن تحت وطأة الجفاف والإهمال، صمتت آلات الجني، وغزت أشجار السيسبان مساحات واسعة من الأراضي الخضراء، بينما يراقب المزارعون موت أرضهم ببطء.

القطن طويل التيلة، أو “الذهب الأبيض”، شكل يوما أحد أعمدة اقتصاد الجنوب، في ذروة ازدهاره خلال موسم 1962/1963، تجاوز الإنتاج 30 مليون رطل، وأسهم بأكثر من 27% من اقتصاد جنوب اليمن.


مواضيع مقترحة


يقول عبد الله سند، مدير عام التخطيط بوزارة الزراعة، إن القطن كان من أهم المحاصيل النقدية في البلاد، وكان محلج الكود بوابة التصدير إلى العالم، غير أن الحروب المتعاقبة إلى جانب توقف مصانع الغزل والنسيج، أدت إلى انهيار القطاع بشكل شبه كامل.

ويضيف لـ”ريف اليمن”: لم يتبق اليوم سوى فدان واحد يزرع في محافظة لحج للحفاظ على البذور، بينما لا تتجاوز المساحة المزروعة في أبين 300 فدان”. وبحسب تقديرات زراعية، تراجع الإنتاج من عشرات الملايين من الأرطال إلى بضع مئات من الأطنان سنويًا.

أحمد هادي، مزارع من منطقة الطرية بمحافظة ابين ، يقول:”أزرع القطن لأن لدي بذور فقط، وإلا فأنا خاسر، لا أستفيد شيئا، ويتفق معه المزارع ناجي سعيد:”لا يوجد دعم ولا تسعير عادل، ولا مبيدات أو بذور محسنة متسائلا ماذا نفعل؟”.

أما محلج الكود، الذي كان رمزا للازدهار، فيعمل اليوم بطاقة محدودة، بعد أن فقد أسواقه ولم يجد سياسة حكومية تشجع استمرار زراعة هذا المحصول النقدي

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن متوسط التيلة في مزرعه تجريبيه في أبين

المهندس الزراعي عبد القادر خضر السميطي، عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي، يوضح أن تدني الأسعار هو السبب الرئيسي للعزوف عن زراعة القطن، إذ يبيع المزارع الرطل بـ250 ريالا فقط، في حين أن تكاليف الإنتاج تفوق ذلك بأضعاف.

براثين الانقراض

ليس وحده الذهب الأبيض من يتعرض لخطر الفقد فأيضا الذهب الثاني (الفلفل الأحمر (البسباس) لدلتا أبين بات معرضا اليوم للانقراض بعد ان كان يغطي السوق المحلي ويصدر إلى الخارج لجودته، بسبب منافسة الفلفل الصيني الرخيص وتحديات التغير المناخي.

ويقول المزارع سليم فؤاد من منطقة الخبرة بمحافظة أبين يحكي ان بسبب ارتفاع تكاليف زراعة البسباس وشحة المياه وإصابة المحاصيل بالأمراض اتجه المزارعون لترك ارضهم والتخلي عن زراعة الفلفل الأحمر بعد أن كان مصدر قوتهم.

ويتفق أحمد حسين مزارع من منطقة الحصن مع سليم ويضيف”: الفلفل الصيني أغرق السوق وبأسعار منافسه لما نقدمه وهذا يجعل محصولنا يتكدس ولا أحد يشتريه وان بعناه بعنا بخسارة كبيرة عن ما انفقناه اثناء الإنتاج إضافة لتغير المناخ الذي أصبح عائق امامنا.

الضربة القاضية

التغيرات المناخية زادت الطين بلة، فالدلتا تشهد ارتفاعا حادا في درجات الحرارة وجفافا متكررا وسيولا مفاجئة تجرف التربة بحسب دراسة ميدانية أعدها مركز المخا للدراسات فقد تدهور القطاع الزراعي في أبين بشكل خطير، وفقد نحو 50% من إنتاجه.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
زراعة القطن في اليمن (منصة ريف اليمن)

وفي دراسة تحليلية حديثة لشبكة بيئة أبوظبي أعدها الباحث البيئي عبد الغني اليوسفي أن دلتا أبين فقدت 30 ألف فدان من أراضيها الزراعية الخصبة – ما يعادل 35% من مساحتها، وأرجعت الدراسة الكارثة إلى الزحف العمراني العشوائي، وانهيار البنية التحتية للري منذ 1994، والتغيرات المناخية التي تسببت بعجز مائي يبلغ 2.6 مليار متر مكعب.

وحذرت الدراسة من تحول “سلة غذاء المنطقة” التاريخية  التي اشتهرت بالقطن طويل التيلة والمحاصيل المتنوعة  إلى أرض قاحلة ما لم يتم التدخل العاجل لإحياء مشاريع السدود المعطلة وإيقاف التعدي على الأراضي الزراعية.

تلك التغيرات المناخية جعلت المزارع الذي كان يحصد ثلاثة مواسم في السنة أصبح بالكاد يجني موسم واحد المياه الجوفية أصبحت مالحة والرياح الشديدة تدمر المحاصيل وانتشار الآفات والأمراض نتيجة عدم توفر المكافحة العلمية، وارتفاع تكلفة الوقود الذي يعيق حراثة الأرض وضخ المياه كما يشرح السميطي.

الغازي الأخضر

إلى جانب المناخ، برز خطر آخر، أشجار السيسبان، التي تحولت من حل بيئي إلى ما يسميه المزارعون سرطانا أخضر يلتهم الأراضي الخصبة، ويشرح السميطي أن السيسبان يستنزف المياه الجوفية، ويقلل خصوبة التربة، ويشكل بيئة للآفات والزواحف، وقد حوّل آلاف الأفدنة إلى غابات غير منتجة، في ظل غياب أي حملات رسمية لمكافحته.

الدكتور نجيب سلام، أستاذ وقاية النبات بجامعة لحج، يشير إلى أن الفلفل الأحمر من أكثر المحاصيل حساسية للتغيرات المناخية، ويقترح حلولا علمية تشمل تطوير أصناف تتحمل الحرارة والجفاف، واستخدام الري بالتنقيط، والتسميد المتوازن، وتعديل مواعيد الزراعة، لكنه يؤكد أن ذلك يتطلب دعما حكوميا وتمويلا للبحث العلمي.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن طويل التيلة في مزرعة البحوث الزراعية بأبين جنوبي اليمن

غياب الدور الحكومي هو العامل الأكثر إيلاما، فالمزارعون يشيرون بأصابع الاتهام إلى السلطات المحلية وإلى الحكومة المركزية لعدم تقديم أي دعم ملموس، ويقول أحد مزارعي القطن بمحافظة أبين ننتظر منذ سنوات أن تتدخل الدولة بتقديم البذور والأسمدة المدعومة أو حتى بتوفير سعر مرضي لمحاصيلنا بكن لا حياة لمن تنادي.

ويشرح السميطي أن منظمة الفاو وغيرها أطلقت مشاريع، لكن النتائج لم تكن ملموسة إذ لم نر تحسنا في قنوات الري ولا في مقاومة الآفات ولا في زيادة الإنتاج فهذه المشاريع كانت شكلية ولم تنفذ بالشراكة الحقيقية مع المزارعين.

بدروه يوضح مدير مكتب الزراعة بأبين الدكتور حسين الهيثمي أن الحرب أسهمت في دمار البنية التحتية، وقطع الوقود، وارتفاع الأسعار وذلك ما جعل المزارع عاجزا عن شراء مستلزمات الإنتاج، ما جعل المزارعين يعتقدون أن الإدارة نفسها غير جادة في البحث عن حلول.

ورغم المشهد القاتم، لا تزال بعض المبادرات الفردية تمنح أملا بإمكانية استعادة جزء من المجد الزراعي المفقود، حيث تبرز تجربة المزارع عامر المعسل الذي نجح في موسم 2019 بزراعة 25 فدانا من القطن و5 أفدنة من القمح باستخدام السماد العضوي وتجنب المبيدات الكيماوية ووصل إنتاج قطنه إلى 40 ألف رطل ليكون بذلك بارقة أمل امام المزارعين الاخرين.

وتأتي اليمن في المرتبة 52 عالمياً في إنتاج القطن، وبلغ الإنتاج حسب رئيس هيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي د. عبدالله علوان 5 مليون و 272 ألف طن من القطن مقابل ما نسبته 27 مليون طن عالمياً، ويعد القطن واحد من أهم خمسة محاصيل زراعية في اليمن منذ السبعينات، إضافة لكونه مصدر اقتصادي يستفاد منه للتصدير سابقاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية