هندسة التوازن النقدي: كيف أعادت “سياسة التعقيم” والتدفقات الخارجية النبض للريال اليمني؟
أهلي
منذ ساعتين
مشاركة

يمن مونيتور/ وحدة التقارير/ خاص:

في منعطف اقتصادي هو الأكثر حسماً منذ سنوات، نجحت السياسة النقدية اليمنية في كبح جماح التدهور المتسارع للعملة المحلية، محققةً استقراراً وصفه الخبراء بـ “المدروس إحصائياً”.

هذا التعافي الذي شهده الريال اليمني لم يكن وليد صدفة عابرة، بل جاء نتيجة تقاطع استراتيجي بين تدفقات نقدية سعودية سيادية ضخمة، وبين هندسة مالية معقدة اتبعها البنك المركزي تحت مسمى “سياسة التعقيم”، تهدف إلى امتصاص الصدمات السعرية وإعادة ضبط إيقاع السوق المصرفية وفق معايير التوازن الدولي.

يأتي هذا الاستقرار النسبي في وقت حساس تسعى فيه السلطات النقدية إلى كبح جماح التضخم وتثبيت دعائم الاقتصاد الكلي، وسط تساؤلات حيوية حول استدامة هذا التعافي وانعكاساته المباشرة على القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما يضعه خبراء الاقتصاد تحت مجهر التحليل العلمي والواقعي.

 

“حقنة” سيولة خارجية: الدعم السعودي كصمام أمان للعملة

يرى الدكتور محمد أحمد باعمر، أستاذ الاقتصاد بجامعة حضرموت، أن المشهد الراهن للريال اليمني هو انعكاس مباشر لضخ دماء جديدة في عروق الاحتياطي النقدي. ويوضح باعمر أن “التحسن الملحوظ في سعر صرف الريال هو نتاج تدفقات نقدية أجنبية كبيرة دخلت السوق مؤخراً”، مشيراً بالتحليل الرقمي إلى أن الدعم السعودي البالغ 90 مليون دولار المخصص للموازنة العامة والأجور، مضافاً إليه 600 مليون ريال سعودي لمرتبات القطاعات الأمنية، قد شكّل رافعة مالية تعادل في قيمتها الإجمالية نحو 250 مليون دولار أضيفت مباشرة إلى خزائن البنك المركزي.

وفي سياق تفنيده لمسببات القوة النقدية، يشدد الدكتور باعمر على أن هذا التعافي يتمتع بصفة “الاستدامة النسبية” لكونه لم يقم على تجفيف السيولة المحلية أو خلق ندرة اصطناعية، بل استند إلى وفرة حقيقية في المعروض من النقد الأجنبي.

ويؤكد باعمر أن “أي تحسن ناتج عن شح السيولة المحلية يكون مؤقتاً بالضرورة، بينما التحسن الحالي مرتبط بتدفقات خارجية حقيقية”، لافتاً إلى أن البنك المركزي استطاع من خلال هذه التدفقات إنهاء أسطورة “نقص الكتلة النقدية”، موضحاً أن الأزمة كانت تكمن في “سوء التوزيع” لا في حجم النقد المتاح.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن استجابة البنك المركزي لتطورات السوق كانت “ديناميكية”، حيث اعتمد آليات العرض والطلب لتحديد السعر التوازني عند 410 ريالات يمنية للشراء و413 ريالاً للبيع مقابل الريال السعودي. ويرى باعمر أن حزمة الإصلاحات التي تضمنت رقمنة العمليات المصرفية وإنشاء لجان تنظيم الاستيراد قد “قيدت أيادي المضاربين”، مما مهد الطريق لاستقرار السعر الحالي لأطول فترة ممكنة، مع استبعاد أي نية لخفض القيمة في المدى القريب حفاظاً على المكتسبات النقدية المحققة.

“سياسة التعقيم”: هندسة البنك المركزي لامتصاص فائض السيولة

من زاوية أكاديمية أعمق، يحلل البروفيسور محمد الأفندي، خبير الاقتصاد البارز بجامعة صنعاء، قرارات البنك المركزي بوصفها “محاولة لاستعادة التوازن الكلي”. ويشرح الأفندي أن التحرك الأخير استهدف تحقيق تعادلين متوازيين: التوازن النقدي المحلي، والتوازن بالعملة الخارجية. ويؤكد الأفندي أن “المهمة الأساسية للبنك هي المحافظة على استقرار الصرف وكبح التضخم”، موضحاً أن زيادة الطلب على الريال اليمني في ظل مستويات عرض محددة تطلبت رفع قيمته الاسمية لاستعادة نقطة التعادل المفقودة منذ أشهر.

ويتوقف البروفيسور الأفندي عند مصطلح تقني دقيق يفسر نجاح العملية، وهو “سياسة التعقيم”، ويوضح أن البنك المركزي، لمواجهة تدفقات الريال السعودي الكبيرة، ألزم البنوك بشراء العملة الخارجية بالسعر الجديد، ثم قام بإعادة شرائها منها. ويقول الأفندي: “هذه السياسة تهدف لمنع تحول زيادة العملة الخارجية إلى زيادة غير مرغوبة في الكتلة النقدية المحلية، مما قد يؤدي لارتفاع الأسعار مرة أخرى وإخلال التوازن النقدي”، وهي خطوة دفاعية متقدمة لحماية القيمة الشرائية للريال من التقلبات المفاجئة.

ويشير الأفندي إلى أن هذا الإجراء، رغم وجود فئات متضررة ومستفيدة منه في المدى القصير، إلا أنه “الخيار الوحيد لخلق مناخ مشجع للنشاط الاقتصادي الحقيقي”. ويرى أن استقرار سعر الصرف وفق حالة السوق السائدة هو الركيزة الأساسية لخفض أسعار السلع، حتى وإن بدا هذا الأثر متباطئاً في بدايته. ويشدد الأفندي على أن نجاح “سياسة التعقيم” يظل مرهوناً بقدرة السلطات النقدية على التحكم في الكتلة النقدية وضمان عدم تسربها إلى قنوات المضاربة غير المشروعة.

معضلة الأسعار: رهان الرقابة الميدانية وفجوة الثقة

رغم النجاح النقدي المحرز، يظل التحدي الأكبر هو تحويل هذا التعافي من أرقام في شاشات الصرافة إلى انخفاض ملموس في أسعار السلع الأساسية. وفي هذا الصدد، يضع الدكتور محمد باعمر النقاط على الحروف، مؤكداً أن “تحسن سعر الصرف يفترض أن ينعكس فوراً على الأسعار، بشرط تفعيل الرقابة الصارمة من قبل وزارة الصناعة والتجارة”. ويشير باعمر إلى أن التجارب السابقة أثبتت وجود “مقاومة تجارية” لخفض الأسعار، حيث غالباً ما تستجيب الأسعار للارتفاع بسرعة البرق، بينما تتثاقل في الانخفاض عند تحسن العملة.

ويستعرض الدكتور باعمر شواهد تاريخية قريبة، حيث سجلت الأسواق انخفاضاً ملحوظاً في فترات سابقة عند تحسن الصرف وتفعيل الرقابة الميدانية، لكنها سرعان ما عادت للارتفاع بسبب “تراجع المتابعة وضعف الرقابة رغم ثبات سعر الصرف”. ويرى أن استقرار العملة الحالي هو فرصة ذهبية للسلطات المحلية لإثبات جديتها في حماية المستهلك، مؤكداً أن التبريرات التي يسوقها كبار التجار لم تعد مقبولة في ظل الوفرة النقدية الحالية واستقرار آليات تمويل الاستيراد عبر البنك المركزي.

وفي ختام هذه القراءة الاقتصادية، يتفق الخبراء على أن استدامة هذا الاستقرار تتطلب “تنسيقاً عابراً للمؤسسات”. فبينما يضطلع البنك المركزي بمهمة “هندسة التوازن” وتطبيق “سياسة التعقيم”، تقع على عاتق الحكومة والجهات الرقابية مهمة ضمان وصول ثمار هذا التعافي إلى مائدة المواطن. إن الفجوة الحالية بين سعر الصرف وأسعار السلع لا تعبر عن أزمة اقتصادية بقدر ما تعبر عن “أزمة رقابة”، تتطلب تدخلاً حازماً لكسر احتكار الأسعار وضمان استمرارية النبض في عروق الاقتصاد اليمني المنهك.

 

 

The post هندسة التوازن النقدي: كيف أعادت “سياسة التعقيم” والتدفقات الخارجية النبض للريال اليمني؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية