المصدر: ستيفن إم. وولت، مجلة فورين أفيرز (عدد مارس 2026)
ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”
منذ أن تولى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة لأول مرة في عام 2017، سعى المحللون جاهدين لإيجاد توصيف ملائم لنهجه في العلاقات الخارجية. ففي هذه الصفحات، اقترح العالم السياسي باري بوسن في عام 2018 أن استراتيجية ترامب الكبرى هي “الهيمنة غير الليبرالية”، بينما جادل المحلل أورين كاس في الخريف الماضي بأن جوهرها يكمن في المطالبة بـ “المعاملة بالمثل”. لقد وُصف ترامب بالواقعي، والقومي، والتاجر (الميركانتيلي) القديم، والإمبريالي، والانعزالي. وكل مصطلح من هذه المصطلحات يجسد جوانب معينة من نهجه، إلا أن الاستراتيجية الكبرى لولايته الرئاسية الثانية يمكن وصفها بشكل أفضل بأنها “الهيمنة الافتراسية”. إذ يتمثل هدفها المركزي في استخدام مكانة واشنطن المتميزة لانتزاع التنازلات والإتاوات ومظاهر الإذعان من الحلفاء والخصوم على حد سواء، سعياً وراء مكاسب قصيرة الأجل في عالم يراه كصراع محصلته صفر.
وبالنظر إلى الأصول والمزايا الجغرافية التي لا تزال تتمتع بها الولايات المتحدة، فقد تؤتي “الهيمنة الافتراسية” ثمارها لفترة من الوقت. ومع ذلك، فمن المحتم أن تفشل على المدى الطويل؛ فهي لا تلائم عالماً يضم عدة قوى عظمى متنافسة -خاصة في ظل وجود الصين كقرين اقتصادي وعسكري- لأن تعدد القطبية يمنح الدول الأخرى سبلاً لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. وإذا استمرت هذه الاستراتيجية في تحديد ملامح السياسة الأمريكية في السنوات المقبلة، فإنها ستضعف الولايات المتحدة وحلفاءها، وتولد استياءً عالمياً متزايداً، وتخلق فرصاً مغرية لمنافسي واشنطن الرئيسيين، مما يترك الأمريكيين في وضع أقل أمناً ورخاءً ونفوذاً.
المفترس المهيمن
على مدار الأعوام الثمانين الماضية، تحول هيكل القوة العالمي من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية، وصولاً إلى التعددية القطبية غير المتكافئة اليوم، وقد تحولت الاستراتيجية الأمريكية الكبرى بالتزامن مع هذه التغييرات. ففي عالم الحرب الباردة ثنائي القطب، تصرفت الولايات المتحدة كـ “مهيمن رحيم” تجاه حلفائها المقربين في أوروبا وآسيا، لإيمان القادة الأمريكيين بأن رفاهية حلفائهم ضرورية لاحتواء الاتحاد السوفيتي. ورغم استخدامهم للتفوق الاقتصادي والعسكري وممارستهم للضغط أحياناً -كما فعل الرئيس دوايت أيزنهاور مع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956، أو ريتشارد نيسكون حين أنهى ربط الدولار بالذهب عام 1971- إلا أن واشنطن ساعدت حلفاءها على التعافي اقتصادياً، ووضعت قواعد تهدف للازدهار المشترك، وأشركت الدول الأضعف في القرارات الجماعية. لقد قاد المسؤولون الأمريكيون، لكنهم استمعوا أيضاً، ونادراً ما سعوا لإضعاف شركائهم أو استغلالهم.
أما في حقبة الأحادية القطبية، فقد استسلمت الولايات المتحدة للغطرسة وأصبحت “مهيمناً متهوراً”. وفي غياب خصوم أقوياء، ومع القناعة بأن معظم الدول تتوق للقيادة الأمريكية، شرعت واشنطن في حملات مكلفة ومضللة في أفغانستان والعراق ودول أخرى، وتبنت سياسات دفع الصراع فيها كلاً من الصين وروسيا للتقارب، ودفعت نحو فتح الأسواق العالمية بطرق سرعت من صعود الصين وزادت من عدم الاستقرار المالي، مما أثار في النهاية رد فعل داخلياً ساعد في دفع ترامب إلى البيت الأبيض. ورغم سعي واشنطن لعزل ومعاقبة بعض الأنظمة المعادية، إلا أن المسؤولين من الديمقراطيين والجمهوريين اعتقدوا أن استخدام القوة الأمريكية لخلق نظام ليبرالي عالمي سيكون مفيداً للولايات المتحدة والعالم، وأن المعارضة الجادة ستنحصر في حفنة من “الدول المارقة”.
بيد أنه في ظل إدارة ترامب، أصبحت الولايات المتحدة “مهيمناً افتراسياً”. هذه الاستراتيجية ليست رداً متماسكاً أو مدروساً على عودة التعددية القطبية؛ بل هي في الواقع الطريقة الخاطئة تماماً للتصرف في عالم القوى العظمى. إنها انعكاس مباشر لنهج ترامب القائم على “الصفقات” في كافة العلاقات، وإيمانه بأن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً هائلاً ودائماً على كل دولة تقريباً. وكما قال ترامب في أبريل 2025: “الولايات المتحدة تشبه متجراً كبيراً وجميلاً، والجميع يريد قطعة من هذا المتجر”. أو كما جاء في بيان شاركته السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، فإن المستهلك الأمريكي هو “ما تريده كل دولة ونحن نمتلكه”، مضيفة: “بمعنى آخر، هم يحتاجون إلى أموالنا”.
خلال ولاية ترامب الأولى، تمكن مستشارون ذوو خبرة مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخزانة ستيفن منوشين، وكبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ومستشار الأمن القومي إتش آر ماكماستر من كبح دوافع ترامب الافتراسية. لكن في ولايته الثانية، أُطلق العنان لرغبته في استغلال نقاط ضعف الدول الأخرى، مدعوماً بكادر من المعينين المختارين لولائهم الشخصي، وبثقة ترامب المتزايدة -وإن كانت في غير محلها- في فهمه الخاص لشؤون العالم.

السيطرة والخضوع
“المهيمن المفترس” هو قوة عظمى مهيمنة تحاول هيكلة تعاملاتها مع الآخرين بطريقة تجعل المكاسب دائماً في مصلحتها حصراً. والهدف الأساسي ليس بناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة، بل ضمان الحصول على أكثر مما يحصل عليه الآخرون في كل تفاعل. إن الترتيب الذي يترك المهيمن في وضع أفضل وشريكه في وضع أسوأ هو المفضل، حتى لو كان الترتيب البديل يحقق فوائد مطلقة أكبر للطرفين. المهيمن الافتراسي يريد دائماً “نصيب الأسد”.
بالطبع، تنخرط جميع القوى العظمى في أعمال افتراسية وتتنافس على المزايا النسبية، ولكن ما يميز الهيمنة الافتراسية هو الرغبة في انتزاع تنازلات ومزايا غير متكافئة من الحلفاء والخصوم على حد سواء. فالمهيمن الرحيم لا يفرض أعباءً غير عادلة إلا عند الضرورة، لإدراكه أن أمنه وثروته يتعززان بازدهار شركائه، بينما يسعى المهيمن الافتراسي لاستغلال شركائه تماماً كما يستغل خصومه. وقد يستخدم الحظر، والعقوبات المالية، وسياسات التجارة القائمة على “إفقار الجار”، والتلاعب بالعملة لإجبار الآخرين على قبول شروط تجارية تفضل اقتصاده. كما يربط توفير الحماية العسكرية بمطالبه الاقتصادية، ويتوقع من الحلفاء دعم مبادراته السياسية الخارجية.
ونظراً لأن القوة القسرية للمهيمن الافتراسي تعتمد على إبقاء الدول الأخرى في حالة من الخضوع الدائم، فإن قادته يتوقعون من يدورون في فلكهم الاعتراف بمكانتهم التابعة من خلال أعمال خضوع رمزية متكررة، مثل دفع إتاوة رسمية أو الثناء العلني على فضائل المهيمن. هذه الطقوس تثبط المعارضة عبر الإشارة إلى أن المهيمن أقوى من أن يُقاوم، وأنه أحكم من “أتباعه” وبالتالي يحق له أن يملي عليهم ما يشاء.
الهيمنة الافتراسية ليست ظاهرة جديدة؛ فقد كانت أساس علاقات أثينا مع المدن الأضعف في إمبراطوريتها، وهو الحكم الذي وصفه بريكليس نفسه بـ “الطغيان”. كما اعتمد النظام الصيني القديم في شرق آسيا على علاقات تبعية مماثلة، بما في ذلك دفع الجزية. كما كانت الرغبة في استخراج الثروات من المستعمرات عنصراً مركزياً في الإمبراطوريات الاستعمارية البلجيكية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية، وتأثرت دوافع مماثلة في علاقات ألمانيا النازية الاقتصادية مع شركائها في وسط وشرق أوروبا، وعلاقات الاتحاد السوفيتي مع حلفاء حلف وارسو.
باختصار، يرى المهيمن الافتراسي أن جميع العلاقات الثنائية هي بطبيعتها صراع صفري، ويسعى لاستخراج أقصى فائدة ممكنة من كل علاقة. شعاره هو: “ما هو لي فهو لي، وما هو لك فهو قابل للتفاوض”. والاتفاقيات القائمة لا قيمة لها إذا لم تحقق مزايا غير متكافئة كافية.
رفع سقف الرهان
تتجلى الطبيعة الافتراسية لسياسة ترامب الخارجية بوضوح في هوسه بالعجز التجاري ومحاولاته استخدام الرسوم الجمركية لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لصالح واشنطن. لقد كرر ترامب القول بأن العجز التجاري هو “عملية احتيال” وشكل من أشكال النهب؛ وفي نظره، فإن الدول التي تحقق فائضاً هي “الفائزة”. وبناءً عليه، فرض ترامب رسوماً جمركية على تلك الدول، أو هدد بها لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار في الولايات المتحدة مقابل تخفيف تلك الرسوم.
كما استخدم ترامب الرسوم الجمركية لإجبار الآخرين على تغيير سياسات غير اقتصادية يعارضها. ففي يوليو الماضي، فرض رسوماً بنسبة 40% على البرازيل في محاولة فاشلة للضغط على حكومتها للعفو عن الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليف ترامب. وبرر رفع الرسوم على كندا والمكسيك بادعاء أنهما لا يفعلان ما يكفي لوقف تهريب الفنتانيل. وفي أكتوبر، هدد كولومبيا برسوم أعلى بعد أن انتقد رئيسها ضربات البحرية الأمريكية المثيرة للجدل على قوارب في منطقة الكاريبي بتهمة تهريب المخدرات.
ترامب مستعد لممارسة القهر ضد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين كما يفعل مع الخصوم المعروفين. وهو يؤمن بأن عدم اليقين أداة تفاوض قوية، لذا فإن قائمة تهديداته ومطالبه المتغيرة باستمرار تهدف لإجبار الآخرين على البحث دوماً عن طرق جديدة لاسترضائه. وهذا النهج يبقي الأنظار مسلطة على ترامب نفسه، ويساعد الإدارة على تصوير أي اتفاق لاحق كـ “نصر” بغض النظر عن شروطه، كما يخلق فرصاً واضحة للفساد تعود بالنفع على ترامب ودائرته المقربة.
ولتعظيم نفوذ الولايات المتحدة، ربط ترامب مراراً بين مطالبه الاقتصادية وبين اعتماد الحلفاء على الدعم العسكري الأمريكي، من خلال إثارة الشكوك حول وفائه بالتزامات التحالف. لقد أصر على أن يدفع الحلفاء ثمن الحماية الأمريكية، ولم يكن هدفه جعل الشراكات أكثر فعالية، بل استخدام التهديد بالانسحاب لانتزاع تنازلات اقتصادية. وقد أتت هذه الاستراتيجية ببعض الثمار قصيرة الأجل؛ ففي يوليو، قبل قادة الاتحاد الأوروبي صفقة تجارية غير متكافئة أملاً في إقناع ترامب بمواصلة دعم أوكرانيا، وحصلت اليابان وكوريا الجنوبية على خفض للرسوم الجمركية مقابل التعهد بالاستثمار في الاقتصاد الأمريكي. كما سعت أستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان وأوكرانيا لضمان الدعم الأمريكي عبر عرض الوصول إلى المعادن الحيوية في أراضيها أو ملكية جزئية لها.
المهيمن الافتراسي يفضل عالماً يكون فيه “القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه معاناة”، كما قال ثوسيديدس. لهذا السبب، يرتاب ترامب من القواعد أو المؤسسات التي قد تحد من قدرته على استغلال الآخرين. فلم يكن مهتماً بالأمم المتحدة، وكان سعيداً بتمزيق الاتفاقيات التي تفاوض عليها أسلافه، مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، بل ونكث بوعوده في اتفاقيات تفاوض عليها بنفسه. كما فرض عقوبات على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وشن هجوماً شرساً على خطة المنظمة البحرية الدولية (IMO) لتسعير الانبعاثات، واصفاً إياها بـ “الخديعة” وعرقل إقرارها بالتهديد بالعقوبات. ووصف أحد مندوبي المنظمة سلوك الوفد الأمريكي في أكتوبر بأنه “أشبه بسلوك رجال العصابات”.
لا تكتمل مناقشة الهيمنة الافتراسية دون ذكر اهتمام ترامب المعلن بأراضي دول أخرى واستعداده للتدخل في السياسة الداخلية للدول بما ينتهك القانون الدولي. إن رغبته المتكررة في ضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم عقابية على الدول الأوروبية المعارضة هي المثال الأبرز. وكما حذرت المخابرات العسكرية الدنماركية في تقييمها السنوي في ديسمبر: “الولايات المتحدة تستخدم القوة الاقتصادية لفرض إرادتها، ولم تعد تستبعد استخدام القوة العسكرية، حتى ضد الحلفاء”. كما تشير أحاديثه حول جعل كندا الولاية رقم 51 أو إعادة احتلال منطقة قناة بنما إلى درجة مماثلة من الجشع الجيوسياسي. ويكشف قراره باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو -وهو عمل يمثل سابقة خطيرة للقوى العظمى الأخرى- عن استخفاف المفترس بالأعراف القائمة.
كما يستخدم ترامب مكانة الولايات المتحدة للحصول على مزايا لنفسه ولعائلته. فقد أهدته قطر بالفعل طائرة سيكلف ترميمها دافعي الضرائب الأمريكيين مئات الملايين من الدولارات، ووقعت منظمة ترامب صفقات تطوير فنادق بمليارات الدولارات مع حكومات تسعى لخطب ود الإدارة، واشترت شخصيات مؤثرة في الإمارات العربية المتحدة وغيرها مليارات الدولارات من الرموز (tokens) التي أصدرتها شركة ترامب للعملات المشفرة “World Liberty Financial”، في الوقت نفسه الذي حصلت فيه الإمارات على وصول خاص للرقائق المتقدمة التي تخضع عادة لرقابة صارمة على الصادرات.
ومثل “زعيم المافيا” أو “الحاكم الإمبراطوري”، يتوقع ترامب من القادة الأجانب الذين يسعون لوده تقديم عروض مهينة من التبعية والتبجيل، تماماً كما يفعل أعضاء حكومته. وكيف يمكن تفسير سلوك الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، الذي أخبر ترامب بأنه “يستحق كل الثناء” لدفعه أعضاء الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي، رغم أن هذه الزيادات كانت جارية قبل إعادة انتخاب ترامب؟ بل وأعلن روته في مارس 2025 أن ترامب “كسر الجمود” مع روسيا بشأن أوكرانيا (وهو أمر غير صحيح بشكل جلي)، وشبه جهود ترامب للسلام في الشرق الأوسط بتصرفات “والد” حكيم ورحيم.
روته ليس وحده؛ فقد أيد قادة آخرون -بما في ذلك قادة إسرائيل وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال- منح ترامب جائزة نوبل للسلام. كما أهدى رئيس كوريا الجنوبية لي جاي-ميونغ ترامب تاجاً ذهبياً ضخماً خلال زيارته الأخيرة لسيول، وقدم له طبقاً أطلق عليه “حلوى صانع السلام”. حتى جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، شارك في هذا المشهد بابتكار “جائزة فيفا للسلام” وتسمية ترامب كأول حائز عليها في حفل صاخب في ديسمبر 2025.
إن المطالبة بمظاهر الولاء تخدم غرض تعزيز الامتثال وتثبيط أي فعل للمقاومة. فالقادة الذين يتحدون ترامب يواجهون التوبيخ والتهديدات، بينما يحصل المادحون على معاملة ألين. ففي أكتوبر 2025، مدّت وزارة الخزانة الأمريكية خط تبادل عملات بقيمة 20 مليار دولار لدعم البيزو الأرجنتيني، رغم أن الأرجنتين ليست شريكاً تجارياً كبيراً وكانت تحل محل الصادرات الأمريكية من الصويا إلى الصين، ولكن لأن الرئيس خافيير ميلي يمدح ترامب علانية، فقد حصل على منحة بدلاً من قائمة مطالب.

طفح الكيل
يرى ترامب ومؤيدوه أن هذه الأعمال دليل على أن سياسة الضغط تحقق للولايات المتحدة فوائد ملموسة. وكما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في أغسطس: “النتائج تتحدث عن نفسها… القادة الأجانب يتوقون لعلاقة إيجابية مع الرئيس ترامب”. بيد أنهم واهمون؛ فالهيمنة الافتراسية تحمل في طياتها بذور دمارها.
المشكلة الأولى هي أن الفوائد التي تروج لها الإدارة مبالغ فيها؛ فمعظم الحروب التي يدعي ترامب إنهاءها لا تزال جارية، والاستثمارات الأجنبية الجديدة أقل بكثير من التريليونات المزعومة، والاقتصاد الأمريكي لا يشهد ازدهاراً حقيقياً باستثناء طفرة مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ترامب وعائلته قد يستفيدون، لكن أغلب البلاد لا تستفيد.
المشكلة الثانية هي أن اقتصاد الصين ينافس الآن الولايات المتحدة في نواحٍ عديدة. فناتجها المحلي الإجمالي وفقاً لتعادل القوة الشرائية أكبر، ومعدل نموها أعلى، وحصتها من الصادرات العالمية قفزت إلى 15% بينما تراجعت حصة أمريكا إلى 8%. وبما أن الصين تهيمن على سوق العناصر الأرضية النادرة المكررة وتعتبر لاعباً رائداً في العديد من المجالات العلمية، فإن ترامب لا يستطيع ممارسة التنمر على القوى العظمى الأخرى كما يفعل مع الدول الضعيفة.
علاوة على ذلك، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في الساحة. فبعد أن رفع ترامب الرسوم على السلع الهندية إلى 50% في أغسطس 2025، طار مودي إلى بكين للمشاركة في قمة مع شي جين بينغ وفلاديمير بوتين. وفي ديسمبر، زار بوتين نيودلهي حيث وصف مودي الصداقة مع روسيا بأنها مثل “نجم الشمال”. لم تكن الهند تتحالف رسمياً مع موسكو، لكن مودي كان يذكر البيت الأبيض بأن لديه خيارات أخرى.
ونظراً لأن إعادة ترتيب سلاسل التوريد مكلفة، اختارت بعض الدول مهادنة ترامب على المدى القصير، لكنها تعمل في الخفاء على بدائل. ففي مارس 2025، عقد مسؤولون من الصين واليابان وكوريا الجنوبية أول مفاوضات تجارية منذ خمس سنوات، ويدرسون مقايضة عملات ثلاثية لتعميق التعاون الاقتصادي بعيداً عن حرب ترامب التجارية. كما وسعت فيتنام علاقاتها العسكرية مع روسيا.
تعمل دول أخرى أيضاً على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد حذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن عصر التعاون الوثيق مع واشنطن قد انتهى، ووقع أول صفقة تجارية لبلاده مع إندونيسيا، ويتفاوض مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وقام بزيارة لبكين في يناير. كما وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات تجارية جديدة مع إندونيسيا والمكسيك وتكتل “ميركوسور”، ويقترب من إنهاء اتفاق مع الهند.
اشترِ الآن.. ولن تدفع أبداً؟
لقد تحمل حلفاء الولايات المتحدة قدراً من التنمر في الماضي لاعتمادهم على حمايتها، لكن هذا التحمل له حدود. ففي ولاية ترامب الأولى، كان الافتراس محدوداً وكان لدى الحلفاء أمل بأنها فترة عابرة، لكن هذا الأمل تحطم الآن. إن التهديدات بالانسحاب من الناتو والعداء المفتوح للمؤسسات الأوروبية أثار شكوكاً حول جدوى الحلف على المدى الطويل.
علاوة على ذلك، فإن التهديد بسحب الحماية العسكرية سيفقد فعاليته إذا لم يُنفذ أبداً، ولا يمكن تنفيذه دون القضاء على نفوذ الولايات المتحدة بالكامل. فإذا استمر ترامب في التهديد بالانسحاب دون فعله، فسيُنظر إليه كـ “مخادع”، وإذا انسحب فعلاً، فسيتبخر النفوذ الذي كان يتمتع به. وفي كلتا الحالتين، استخدام الحماية لانتزاع تنازلات لا نهاية لها ليس استراتيجية مستدامة.
لا أحد يستمتع بالإذلال. القادة الذين يضطرون لـ “تقبيل خاتم ترامب” قد يظهرون الثناء في العلن، لكنهم بلا شك يضمرون الرغبة في رد الصاع في المستقبل. كما أن الكبرياء الوطني قوة لا يستهان بها؛ فقد كان فوز كارني الانتخابي في كندا عام 2025 مدفوعاً بحملته المناهضة لترامب، كما ارتفعت شعبية الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا عندما تحدى تهديداته. ومع تزايد الإهانات، قد يجد القادة أن التصدي لترامب يجعلهم أكثر شعبية لدى شعوبهم.
الهيمنة الافتراسية غير فعالة أيضاً؛ فهي تتجنب القواعد متعددة الأطراف وتفضل المفاوضات الثنائية مع نحو 200 دولة، وهو أمر يستغرق وقتاً طويلاً ويؤدي لاتفاقيات متسرعة وضعيفة التصميم، كما يشجع على التملص من الالتزامات لصعوبة المراقبة.
أخيراً، إن التخلي عن المؤسسات والقيم المشتركة سيسهل على منافسي الولايات المتحدة إعادة كتابة قواعد اللعبة العالمية لصالحهم. ففي عهد “شي”، تحاول الصين تصوير نفسها كقوة عالمية مسؤولة تسعى لتعزيز المؤسسات الدولية، واختفت دبلوماسية “المحارب الذئب” التصادمية، وأصبح الدبلوماسيون الصينيون حضوراً فاعلاً ومؤثراً في المحافل الدولية. ورغم أن إعلانات الصين تخدم مصالحها، إلا أن بعض الدول ترى فيها بديلاً جذاباً لولايات المتحدة مفترسة بشكل متزايد. فوفقاً لتقرير مركز “بيو” للأبحاث في يوليو الماضي، أصبحت الآراء تجاه الولايات المتحدة أكثر سلبية بينما تحسنت تجاه الصين.
الخلاصة هي أن التصرف كمهيمن افتراسي سيضعف شبكات القوة والنفوذ التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة طويلاً. ستعمل بعض الدول على تقليل اعتمادها على واشنطن، وأخرى ستعقد ترتيبات جديدة مع منافسيها. ربما لن يحدث ذلك اليوم أو غداً، لكن رد الفعل العنيف قد يأتي بسرعة مفاجئة. وكما قال إرنست همنغواي عن الإفلاس، فإن سياسة الهيمنة الافتراسية قد تؤدي لتراجع النفوذ الأمريكي العالمي “تدريجياً، ثم فجأة”.
استراتيجية خاسرة
لا تزال القوة الصلبة هي العملة الأساسية في السياسة العالمية، لكن الطريقة التي تُستخدم بها هي ما يحدد فعاليتها. وبفضل الجغرافيا المواتية والاقتصاد الضخم والقوة العسكرية غير المسبوقة، تمكنت الولايات المتحدة من بناء مصفوفة مذهلة من العلاقات والتبادلات على مدار 75 عاماً.
ولأن استغلال هذا النفوذ علانية كان سيقوضه، فقد كانت السياسة الخارجية الأمريكية أكثر نجاحاً عندما مارس القادة القوة بضبط نفس، وعملوا مع الدول ذات التوجهات المماثلة لخلق ترتيبات متبادلة المنفعة. لم يشك أحد في امتلاك واشنطن لـ “قبضة حديدية”، لكن عبر تغليفها بـ “قفاز مخملي” ومعاملة الدول الأضعف باحترام، تمكنت الولايات المتحدة من إقناع الدول الأكثر تأثيراً في العالم بأن التحالف معها أفضل من الشراكة مع منافسيها.
الهيمنة الافتراسية تبدد هذه المزايا سعياً وراء مكاسب تافهة وتتجاهل العواقب السلبية طويلة الأمد. لن تفقد الولايات المتحدة استقلالها، فهي أقوى من أن تواجه هذا المصير، لكنها ستصبح أفقر وأقل أمناً ونفوذاً. وسيجد القادة الأمريكيون المستقبليون أنفسهم يعملون من موضع ضعف وسيواجهون معركة شاقة لاستعادة سمعة واشنطن كشريك يسعى لمصالحه لكنه يتسم بالإنصاف. إن الهيمنة الافتراسية استراتيجية خاسرة، وكلما تخلت عنها إدارة ترامب مبكراً، كان ذلك أفضل.
The post الهيمنة الافتراسية.. كيف يمارس ترامب القوة الأمريكية؟.. مجلة فورين أفيرز تجيب appeared first on يمن مونيتور.