يقف المزارع جمال جميل (45 عاماً) على أطراف مزرعته في منطقة الوادي شرق مدينة مأرب، يرقب أرضه بحسرة يملؤها الخذلان، فالأرض التي ألفها طيبةً، تراجع محصولها من القمح خلال السنوات الماضية، بسبب تداعيات الحرب والتغيرات المناخية.
يقول جمال جميل: “كانت مزرعتي تنتج سابقاً ما بين 3.5 إلى 4 أطنان، حيث أن الإنتاج يرتكز كلياً على جودة البذور، وحين تكون جيدة يكون المحصول جيداً ، أما البذور الضعيفة فتتسبب بخسارة تتراوح بين 50% إلى 60% من إجمالي الإنتاج”.
المزارع جميل هو واحد من آلاف المزارعين الذين يواجهون تحديات كبيرة في زراعة القمح، الذي شهد تراجعاً ملحوظاً لا سيما في السنوات الخمس الأخيرة، جراء تداعيات الحرب والتغيرات المناخية التي شهدتها محافظة مأرب، وبقية المحافظات اليمنية.
مواضيع مقترحة
• زراعة القمح في شبوة بين التوسع والتحديات
• زراعة القمح في لحج: نجاح واعد رغم التحديات
• التفحّم السائب في القمح: أعراضه وطرق الوقاية
تراجع زراعة القمح
يرجع المهندس الزراعي، عدنان الرباحي، انحسار مساحات زراعة القمح في محافظة مأرب إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، وتصاعد إيجارات الأراضي الزراعية وأجور العمالة؛ الأمر الذي دفع المزارعين نحو استبدال القمح بمحاصيل أخرى ذات جدوى اقتصادية أعلى، مثل البطاطس والطماطم والبصل.
تلك العوامل دفعت المزارع جمال نحو زراعة البقوليات والخضروات التي منحته عوائد مادية مرضية، موضحاً أن بعض الخضروات تتيح له الحصاد في ثلاثة مواسم خلال العام الواحد، في حين يحتاج القمح لعام كامل لنضجه، فضلاً عن انخفاض تكاليف إنتاج الخضروات مقارنة بالحبوب.
جميل جمال: مزرعتي تنتج سابقاً ما بين 3.5 إلى 4 أطنان الآن نزرع ونحصد بخسارة 50 بالمئة من الإنتاج
وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، أشار جمال إلى أن المستهلك اليمني بات يفضل القمح المستورد نظراً لرخص ثمنه، تماشياً مع الأوضاع المعيشية المتردية التي خلفتها الحرب منذ عام 2015.
من جانبه، يؤكد مدير الإنتاج النباتي بمكتب الزراعة بمأرب أحمد العزعزي أن المردود الاقتصادي للقمح أصبح ضئيلاً جداً ولا يغطي التكاليف. ويستذكر العزعزي لـ “ريف اليمن” تجربة عامي 2006 و2007 حين شجعت الهيئة العامة للزراعة المزارعين، لكن غياب المشترين أدى لكساد المحصول، مما دفع المزارعين لاحقاً لتفضيل محاصيل مثل البطاطس التي تدر أرباحاً طائلة في الموسم الواحد.

الحرب والمناخ
تواجه الزراعة في محافظة مأرب جملة من المعوقات التي تهدد استدامتها، وفي مقدمتها أزمة المبيدات التي باتت تشكل تحدياً كبيراً للمزارعين حيث يؤكد جميل غياب الرقابة الفاعلة، مما أدى إلى انتشار أنواع متعددة من المبيدات المهربة أو منتهية الصلاحية التي لا تحقق الفائدة المرجوة منها.
يرافق ذلك ضعف في دور الإرشاد الزراعي، كما يعاني القطاع من شح المعدات الحديثة كالحراثات المتطورة، وصعوبة الحصول على مادة “الديزل” التي ارتفعت قيمتها وأصبح توفرها متذبذباً، رغم كونها المحرك الأساسي لمضخات المياه.
يستذكر جميل أن إيجارات المعدات الزراعية كانت سابقاً بأسعار ميسرة، وكان هناك نظام شراكة وتشجيع ملموس من ملاك الأراضي لزراعة القمح. أما اليوم، وفي ظل الظروف الراهنة وانهيار قيمة العملة وارتفاع تكاليف العمالة، لم يعد العائد يغطي قيمة البذور، مما دفع الكثيرين للتوقف عن الزراعة.
وعلى الرغم من التحديات، يعتبر مدير الإنتاج الزراعي بمكتب الزراعة بمأرب أن موسم 2025-2026 هو الأفضل تقنياً. ويشير إلى أن زراعة هذا المحصول الاستراتيجي شهدت تذبذباً منذ عام 2002، حيث بلغت ذروتها في عام 2006 بمساحة مزروعة وصلت إلى 6000 هكتار، وبإنتاج تراوح ما بين 22 إلى 24 ألف طن.

ويضيف العزعزي أن اتجاه بعض الملاك لتأجير أراضيهم لمزارعين وافدين من محافظات أخرى ساهم في تراجع المحصول؛ إذ يفتقر هؤلاء المزارعون للقدرة على تحمل مخاطر زراعة القمح نظراً لعائده الضئيل، فيلجؤون لزراعة البطاطس لربحيتها العالية، وهو ما يشكل عائقاً أساسياً أمام خطط مكتب الزراعة لتوسيع رقعة زراعة القمح في المحافظة.
حلول مقترحة
يرى المزارع جمال جميل أن الحلول المناسبة للتوسع في زراعة القمح تبدأ بتبني خطوات جادة من مكتب الزراعة والجهات المعنية، تتركز في دعم المزارعين عبر توفير البذور الجيدة ، وتسهيل الحصول على وقود “الديزل”، وتوفير الحراثات الحديثة، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على سوق المبيدات. ويؤكد جمال أن إنقاذ هذا المحصول الاستراتيجي ينطلق من تمكين المزارع نفسه وضمان استدامة نشاطه.
من جانبه، يؤكد الخبير الزراعي عدنان الرباحي أن الحلول تكمن في تقديم وزارة الزراعة دعماً يشمل بذوراً محسنة تلائم البيئة المحلية، ومعدات حديثة مثل آلات البذر وأنظمة الري المتطورة، فضلاً عن ضمان جودة المبيدات لمواجهة ظاهرة المنتجات المغشوشة والمهربة. ويشدد الرباحي على “روح المسؤولية” لدى المزارع بضرورة الالتزام بالمواعيد الزراعية الدقيقة، داعياً المجتمع في الوقت ذاته إلى تشجيع المنتج المحلي كواجب وطني.
أحمد العزعزي: المردود الاقتصادي للقمح أصبح ضئيلاً جداً ولا يغطي التكاليف
في السياق يوضح مدير الإنتاج بمكتب الزراعة العزعزي طبيعة دورهم الإداري والفني، مشيراً إلى أن المكتب يمثل الحلقة الرابطة بين المزارع والمحطات البحثية؛ حيث يتم رصد المشكلات الميدانية وتصديرها للمحطات لدراستها وابتكار الحلول المناسبة، ثم إعادة تنفيذها كإرشادات عملية.
وبحسب العزعزي تمر العملية عبر ثلاث مراحل تكاملية هي المحطات البحثية:مهمتها لاستنباط أصناف جديدة تقاوم الجفاف، والمؤسسة العامة لإكثار البذور: وهي لإنتاج كميات تجارية من هذه الأصناف، بالإضافة إلى مكتب الزراعة والري وهو : لتوزيع البذور ونشرها عبر الحقول الإرشادية.
وفي خطوة عملية خلال موسم 2025-2026، كشف مدير الإنتاج عن تقديم بذور مجانية لأكثر من 400 مزارع، مع استمرار برامج الإرشاد الزراعي. كما شهدت مديرية “رغوان” حراكاً نوعياً بوصول الفرق الميدانية إليها لأول مرة، حيث تم إنشاء أكثر من 20 حقلاً إرشادياً، وإدخال تقنيات الري الحديثة التي بدأ المزارعون يدركون أهميتها في تقليل الجهد والكلفة المرتبطة باستخراج المياه.

يظل القمح العمود الفقري للأمن الغذائي في اليمن، ورغم أن محافظة مأرب كانت تنتج قرابة 10 آلاف طن في السنوات الأخيرة، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة. ويشير المهندس عدنان الرباحي إلى أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب تكاتفاً ثلاثياً بين: المزارع، وزارة الزراعة، والمهندسين الزراعيين.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة، لا يزال اليمن يعتمد على الاستيراد لتغطية 95% من احتياجاته من القمح، فيما لا تساهم المساحات المزروعة محلياً بأكثر من 5%، وفقاً لبيانات مكتب الزراعة بمأرب، مما يضع الجميع أمام تحدٍّ وطني يتطلب استراتيجيات زراعية طويلة الأمد.