يواجه سكان القرى الريفية في محافظة تعز أزمة مياه متصاعدة باتت تشكل عبئا ثقيلا يلقي بظلاله على حياتهم اليومية، في ظل غياب أي حلول مستدامة تنهي الأزمة، في المحافظة التي يبلغ سكانها نحو 5 ملايين نسمة.
في عزلة الشراجة بالريف الغربي للمحافظة، نقل سكان محليون في منطقتي العذير والنويهة لـ “ريف اليمن” معاناتهم المستمرة التي تتجدد سنوياً خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تبلغ صعوبة الحصول على مياه الشرب ذروتها.
بحسب الأهالي فإن الأزمة تفاقمت نتيجة قيام سائقو صهاريج المياه بشراء المياه من الآبار المحلية وبيعها لمزارع القات في مناطق يفرس ووادي ابن خولان والمناطق المجاورة، مما يحرم السكان من حقهم الأساسي في الوصول إلى موارد المياه المحدودة.
مواضيع مقترحة
- حضرموت: شح المياه يضاعف معاناة السكان في بروم
- شح المياه في اليمن: بين نيران الحرب واحتياجات السكان
- أزمة المياه في جبل صبر.. صراع البقاء بين الشح والتكيف
تقع منطقتي يفرس ووادي ابن خولان في الجنوب الغربي لمدينة تعز، وتتميزان بتربة خصبة كانت تشتهر سابقاً بإنتاج العديد من الخضروات والفواكه؛ إلا أنها تحولت مؤخراً إلى مركز رئيسي لزراعة القات الذي أدى إلى استهلاك مفرط للمياه الجوفية، و ضاعف معاناة السكان.
شح المياه
تروي أم سالم لـ”ريف اليمن” تفاصيل رحلتها اليومية الشاقة بحثا عن مياه، مؤكدة أن تأمين احتياجات منزلها بات معركة مضنية؛ إذ تضطر للخروج في ساعات الصباح الباكر، مصطحبة دوابها لقطع مسافات طويلة، بينما تحمل ما عجزت الدواب عن حمله من أوان وجالونات فوق رأسها.
تعيش أم سالم في منطقة العذير مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد، وتؤكد أن معاناتها ليست حالة فردية، بل هو واقع مرير تتقاسمه نساء المنطقة كافة. وتقول: “نقضي ساعات طويلة أمام الآبار بانتظار دورنا لملء الجالونات، وهي عملية نضطر لتكرارها مرتين يوميا على الأقل، نتيجة شح المياه وبُعد المسافة”.
مع تراجع معدلات هطول الأمطار وافتقار المنطقة للآبار الجوفية، يجد السكان أنفسهم في مواجهة أزمة وجودية، تفاقمت حدتها جراء قيام الصهاريج بسحب كميات كبيرة من مياه الشرب وتوجيهها لري مزارع القات، على حساب الاحتياجات الأساسية للأهالي.
يؤكد الأهالي أن استنزاف مياه الشرب وتوريدها إلى مزارع القات يشكل الخطر الأكبر مطالبين السلطات بوضع حد فوري لهذه الممارسات
يقول منسق الكتلة المائية في تعز، علي القباطي، إن ما يصفه المواطنون بـ “أزمة مياه” قد لا يعكس دائماً نضوباً تاماً للمصادر، بقدر ما يعكس معاناة في نقل المياه بوسائل بدائية وتقليدية، موضحا خلال حديثه لـ”ريف اليمن” أن المشكلة تكمن في افتقار المنطقة لشبكات التوزيع، مما يجبر النساء على قطع مسافات وعرة منذ الفجر، ويضاعف من حدة الأزمة في ظل غياب الحلول المستدامة.
مزارع القات
يؤكد الأهالي أن استنزاف مياه الشرب وتوريدها إلى مزارع القات يشكل الخطر الأكبر الذي يضاعف من حدة الأزمة حيث تتجه صهاريج المياه مباشرة نحو تلك المزارع، ضاربة بعرض الحائط الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وحمّل الأهالي خلال حديثهم لـ “ريف اليمن”، السلطة المحلية في المديرية والوجهاء المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور، مطالبين بوضع حد فوري لهذه الممارسات التي باتت تهدد استقرارهم المائي.
يصف المواطن أحمد سالم الوضع في منطقة العذير بأنه أزمة خانقة وغير مسبوقة، مشيرا إلى أن غياب المشاريع الحكومية جعل المنطقة لقمة سائغة لعمليات التهريب المنظمة لصالح زراعة القات، وسط صمت مطبق من الجهات المعنية والأجهزة الأمنية.
من جانبه يوضح بجاش محمد (60 عاما)، وهو مالك بئر في منطقة “القبة”، أن سائقي الصهاريج يتحايلون بادعاء شراء المياه للاستخدام المنزلي، بينما تذهب في الحقيقة لري مزارع القات، مؤكدا أن المبالغ التي يتقاضاها منهم بالكاد تغطي تكاليف الديزل وصيانة المولد المتهالك.
ويشير الشيخ عبدالغني النويهي إلى أن المنطقة تعاني من نضوب حاد في المياه السطحية والجوفية، في ظل اعتماد السكان الكلي على الدواب لنقل المياه لندرة وسائل النقل الحديثة.
ووجه النويهي نداء عاجلا للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية لسرعة التدخل وحفر آبار وتجهيز شبكات ضخ، محذرا من أن سعر صهريج المياه الواحد قد قفز إلى 30 ألف ريال يمني، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية لغالبية الأسر التي ترزح تحت وطأة الفقر وتداعيات الحرب المستمرة.
ضغط النازحين
يوضح وضاح النويهي، مندوب مخيمات النازحين في منطقة النويهة، أن الكثافة السكانية الناتجة عن أعداد النازحين الكبيرة شكلت بدورها ضغطا إضافيا يفوق طاقة الآبار المحدودة في المنطقة. وأشار إلى أنه على الرغم من امتلاك المخيمات لآبار خاصة، إلا أنها باتت مهددة بالجفاف التام، لاسيما خلال مواسم انحباس الأمطار.
النويهي:الأزمة تجاوزت حدود النقص الطبيعي لتتحول مع جفاف الآبار إلى سوق سوداء وبلغت قيمة الصهريج الواحد نحو 30 ألف ريال يمني.
وأضاف النويهي لـ “ريف اليمن” أن رحلة البحث عن المياه باتت رحلة شاقة تتقاسم مرارتها النساء والنازحون، الذين يقطعون مسافات شاسعة لتأمين لترات قليلة من الماء، سواء بحملها على رؤوسهم أو بالاستعانة بالدواب، وهو ما يضاعف الأعباء الجسدية والنفسية على كاهل الأسر المهجرة قسراً.
وأكد أن الأزمة تجاوزت حدود النقص الطبيعي لتتحول مع جفاف الآبار إلى سوق سوداء يفرض فيها ملاك الصهاريج سطوتهم، حيث بلغت قيمة الصهريج الواحد (الوايت) نحو 30 ألف ريال يمني، وهو مبلغ يمثل عقبة أمام النازحين في ظل انعدام سبل الدخل.
ووجه النويهي نداءً عاجلاً إلى الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية بضرورة التدخل السريع لتنفيذ مشاريع مائية مستدامة تخدم المخيمات، مؤكداً أن معاناة النازحين تتفاقم بشكل كبير سنوياً، مدفوعةً بالانهيار المعيشي وتداعيات سنوات الحرب والحصار التي أهلكت كاهل المجتمع.
حلول مرتقبة
مدير مؤسسة المياه بالمحافظة، طارق رزاز، كشف عن إدراج منطقتي العذير والنويهة وعدد من القرى الريفية المجاورة ضمن خطة استراتيجية جديدة، تهدف إلى تأهيل مشاريع المياه المتهالكة وتحسين خدمات الإمداد المائي للسكان.
وأكد رزاز، لـ ” ريف اليمن” أن المؤسسة تعكف حاليا على إعداد دراسات فنية متواصلة لإنشاء مشاريع مياه مستدامة، تسهم بشكل جذري في تخفيف المعاناة اليومية للمواطنين في الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي.
وحول موضوع نقل الماء إلى مزارع القات، وصف رزاز هذا السلوك بأنه مخالفة جسيمة للقانون وقواعد حماية الموارد المائية، محذرا من النقل العشوائي للمياه من الآبار المخصصة للشرب واستنزافها في ري مزارع القات، موضحا أنه سيرفع مذكرات رسمية إلى هيئة الموارد المائية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، كون تلك الآبار تقع ضمن نطاق الحماية المخصصة للاستهلاك البشري فقط.
بدوره شدد منسق الكتلة المائية، علي القباطي، على ضرورة تسريع وتيرة تأهيل مشاريع المياه العامة وربط المناطق المتضررة بالآبار مباشرة عبر شبكات ضخ، معتبرا أن هذا التوجه هو الحل الأمثل لإنهاء الاعتماد على الوسائل التقليدية وتقليل الكلفة والمشقة اليومية التي يتكبدها الأهالي.