شهد كوكب الأرض في عام 2025 تحولاً غير مسبوق في سجله المناخي، حيث صنف الخبراء والمنظمات الدولية هذا العام كواحد من أحرّ ثلاثة أعوام على الإطلاق منذ بدء السجلات المناخية.
بحسب صحيفة ‹الغارديان› فإن الأرقام “الاستثنائية” تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن البصمة البشرية باتت المحرك الأساسي للاختلالات البيئية؛ إذ يجمع العلماء على أن تزايد تلوث الوقود الأحفوري والانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة الصناعية المكثفة هي المسؤول الأول عن هذا الارتفاع القياسي.
وتشير الصحيفة إلى أن ما يعيشه البشر اليوم ليس مجرد “موجة حر” عابرة، بل هو نتاج تراكمي لعقود من استنزاف الموارد الطبيعية وحرق الفحم والنفط والغاز، مما خلق غطاءً من التلوث يحيط بالأرض ويحبس الحرارة داخل غلافها الجوي.
مواضيع مقترحة
- كيف تُضاعف التغيرات المناخية موجات الحر؟
- الحرب والجفاف يهددان إمدادات الغذاء العالمية
- خبراء:تغيّر المناخ يهدد الأمن الغذائي العالمي
تسارع الحرارة العالمي
وفقاً لتقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية استمر عام 2025 في تكريس سلسلة من السنوات “غير العادية”، حيث سجل متوسط درجات حرارة الهواء السطحي ارتفاعاً بنحو 1.48 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية وهو ما يضع العالم على حافة الهاوية.
وبينما كان العلماء يتوقعون في عام 2015 أننا قد نصل إلى هذا الحد الحرج بحلول منتصف القرن، تشير بيانات وكالة “كوبرنيكوس” الأوروبية إلى أن العالم قد يتجاوز هذا السقف بصفة دائمة قبل نهاية العقد الحالي، أي قبل الموعد المتوقع بعشر سنوات كاملة.
يقول كارلو بونتيمبو، مدير خدمة تغير المناخ في “كوبرنيكوس”، أن تجاوز حد الـ 1.5 درجة أصبح حتمية واقعية، وأن الرهان الحالي لم يعد منصباً على منع التجاوز، بل على كيفية إدارة العواقب الناتجة عنه وتقليل حجم الخسائر البشرية والبيئية.
تجدر الإشارة إلى أن بيانات عام 2025 هو تباين التحليلات الإحصائية؛ حيث صنفت ست مجموعات بيانات دولية هذا العام كثالث أحر عام، بينما ذهبت مجموعتان أخريان إلى تصنيفه كـ “ثاني أحر عام” مسجل، مما يعكس تقارباً خطيراً في مستويات الحرارة بين السنوات الأخيرة (2023، 2024، و2025).
وبينما ساهمت ظواهر طبيعية مثل “النينيو” في رفع الحرارة بنحو 0.1 درجة مئوية في العامين السابقين، فإن عام 2025 حمل دلالة أعمق؛ لأن تأثير “النينيو” بدأ يضعف، مما كشف عن “الاحترار الكامن” الحقيقي الناتج عن التلوث البشري الصرف.
و سجل شهر يناير 2025 أرقاماً قياسية كأحر يناير في التاريخ، وتبعه شهور الربيع (مارس، أبريل، مايو) التي سجلت ثاني أعلى مستويات حرارة، مما يشير إلى أن فصول السنة لم تعد تحتفظ بخصائصها المعتادة، بل باتت تحت سطوة التغير المناخي المستمر.
الإجهاد الحراري
لم تتوقف آثار الاحترار عند اليابسة المأهولة، بل امتدت لتضرب أبرد بقاع الأرض. ففي عام 2025، سجلت القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) أحر عام لها على الإطلاق، بينما سجلت القارة القطبية الشمالية ثاني أحر عام.
هذا الارتفاع الحراري عند القطبين أدى إلى تراجع الغطاء الجليدي البحري إلى أدنى مستوياته التاريخية منذ بدء الرصد بالأقمار الصناعية في السبعينيات. إن ذوبان الجليد ليس مجرد فقدان للمساحات البيضاء، بل هو محرك لارتفاع منسوب مياه البحار الذي يهدد المدن الساحلية في جميع أنحاء العالم.
ما يعيشه العالم اليوم هو نتاج تراكمي لعقود من استنزاف الموارد الطبيعية وحرق الفحم والنفط والغاز
وعلى مستوى المعاناة البشرية المباشرة، كشفت التقارير أن نصف مساحة اليابسة على الكوكب شهدت أياماً تجاوزت فيها “درجات الحرارة المحسوسة” (التي تدمج بين الحرارة والرطوبة) حاجز 32 درجة مئوية، وهو ما يصنف تحت بند الإجهاد الحراري “الشديد”.
وتشير تقديرات منظمة “بيركلي إيرث” إلى أن ما يقرب من 8.5% من سكان العالم يعيشون الآن في مناطق شهدت أعلى متوسط سنوي للحرارة في تاريخها. هذا الواقع يضع النظم الصحية والزراعية تحت ضغط هائل، خاصة مع توقعات العلماء بأن عام 2026 قد يحمل موجات حرارية مشابهة أو ربما أشد قسوة، مما يجعل “الانهيار المناخي” واقعاً معاشاً وليس مجرد تنبؤات مستقبلية.
المنطقة العربية
تعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تأثراً بهذا التحول المناخي المتسارع. فقد أكدت التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن معدل الاحترار في المنطقة يرتفع بضعف المتوسط العالمي. وفي عامي 2024 و2025، وصلت درجات الحرارة في بعض المدن العربية إلى حاجز الـ 50 درجة مئوية، وهي مستويات تصفها سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة، بأنها “غير مطاقة” لصحة الإنسان أو للنظم البيئية.
تجدر الإشارة إلى أن التحدي في العالم العربي مزدوج؛ فمن ناحية، تعاني المنطقة من اتجاه تصاعدي في وتيرة موجات الجفاف، خاصة في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس) التي شهدت ستة مواسم مطرية شحيحة متتالية.
ومن ناحية أخرى، تبرز ظاهرة “التطرف المناخي” من خلال الفيضانات المفاجئة والمدمرة التي ضربت دولاً قاحلة مثل السعودية والإمارات والبحرين، حيث تسقط كميات هائلة من الأمطار في ساعات معدودة، مما يفوق قدرة البنية التحتية على الاستيعاب.
هذه التهديدات المناخية لا تعمل بمعزل عن الواقع الاجتماعي؛ فهي تتقاطع مع النمو السكاني السريع، والفقر، والنزاعات المسلحة، مما يفاقم من أزمة الأمن المائي والغذائي. فالإحصائيات تشير إلى أن الكوارث المناخية في المنطقة العربية زادت بنسبة 83% خلال العقدين الأخيرين مقارنة بنهاية القرن العشرين.
تخطت درجات الحرارة في بعض المدن العربية حاجز الـ 50 درجة مئوية مما انعكس سلبا على الكثير من السكان
ومع توقعات النماذج المناخية بارتفاع قد يصل إلى 5 درجات مئوية بنهاية القرن الحالي في حال استمرار الانبعاثات المرتفعة، تصبح الحاجة إلى الاستثمار في “القدرة على الصمود” والتحول الجذري نحو الطاقة النظيفة ضرورة وجودية للدول العربية، وليس مجرد خيار بيئي.
إجمالاً فإن ما يحدث اليوم هو رسالة واضحة: العالم الذي عرفناه يتغير، والعمل المناخي الجاد هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.