‹آثار اليمن›.. ذاكرة حية للحضارة الإنسانية
تقارير وتحليلات
منذ أسبوع
مشاركة

تعد اليمن مستودعا حضاريا عريقا يدمج بين إرث مادي تاريخي، وتمتد معالمه الأثرية وتاريخه العريق من قمم الجبال إلى السواحل والسهول، لتشكل ذاكرة حية للحضارة الإنسانية، إذ تعكس المواقع تفاعل الإنسان اليمني مع بيئته عبر العصور، في مزيج فريد يجمع بين الأصالة، والفن، والروح.

في خطوة استراتيجية نحو العالمية، نجحت اليمن مؤخراً في إدراج سبعة مواقع أثرية، بالإضافة إلى أحد أبرز عناصر التراث اللامادي، ضمن قائمة “الحماية المعززة” لدى منظمة اليونسكو وهو اعترافاً رسمياً بالقيمة الإنسانية الاستثنائية لهذه المعالم، وإعادة تسليط الضوء على مكانة اليمن كأحد أهم الركائز التي ساهمت في صياغة التاريخ البشري.

شملت القائمة أربعة معالم في محافظة تعز جنوب، ومعلمين في حضرموت شرق، ومدينة حبان في محافظة شبوة شرق، بالإضافة إلى فن “الدان الحضرمي” كإرث ثقافي غير مادي.


مواضيع مقترحة


الحصانة الحضارية

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو هي المرجعية الدولية في حماية الإرث الإنساني، حيث تهتم بإدارة “قائمة التراث العالمي” التي توثق المواقع ذات القيمة الاستثنائية، وتمثل “القائمة التمهيدية” المسار الاستراتيجي نحو الإدراج الدائم، ما يتيح للدول صياغة ملفات علمية دقيقة تضمن لمواقعها حماية معززة ودعماً فنياً ومالياً يتصدى لتحديات الاندثار.

ولا تقتصر أهمية الإدراج على الحماية فحسب، بل تمتد لتشمل تحفيز السياحة الثقافية وتحقيق التنمية المستدامة للمجتمعات المحلية، مما يكرس الالتزام الدولي بصون الهوية الثقافية والموروث البشري من التعديات أو الإهمال.

سفير اليمن لدى اليونسكو، الدكتور محمد جميح قال”:إدراج سبعة مواقع يمنية ضمن قائمة الحماية المعززة يُعد مكسباً استراتيجياً؛ كونه يمنح هذه المعالم حصانة قانونية دولية بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي (1954)، معتبراً أي استهداف عسكري لها جريمة دولية مكتملة الأركان”.

‹آثار اليمن›.. ذاكرة حية للحضارة الإنسانية
المتحف الوطني في تعز

وأكد جميح لـ “ريف اليمن” أن هذا التصنيف يفتح قنوات مباشرة مع اليونسكو لطلب الدعم في مجالات الترميم والتأهيل التقني، مشيراً إلى أن الإدراج يجسد التقدير العالمي للتراث اليمني كإرث عابر للحدود الوطنية.

وجدد التأكيد على التزام اليمن الصارم بـ “تحييد” المواقع عن النزاعات المسلحة، مقابل التزام المنظمة الدولية بتسخير إمكاناتها اللوجستية والفنية للحفاظ على الذاكرة الحية.

أربعة معالم في تعز

حظيت مدينة تعز بالنصيب الأكبر من المواقع اليمنية السبعة المدرجة مؤخراً على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، حيث ضمت القائمة أربعة معالم استراتيجية تعكس العمق الحضاري للمدينة.

وشملت المواقع ، قلعة القاهرة: التي تبرز كأحد أقدم الحصون الدفاعية في اليمن، متميزة بتصميمها المعماري الذي يدمج بين التحصينات العسكرية المعقدة والطراز الإسلامي الرفيع، لتشكل رمزاً تاريخياً ومزاراً سياحياً يطل بشموخ على ذاكرة المدينة.

قلعة القاهرة بمحافظة تعز

المدرسة المتبعية التي تعود للعصر الرسولي، وتمثل نموذجاً حياً للمراكز التعليمية الإسلامية التقليدية، بما تحمله من قيمة ثقافية وتاريخية تجعلها جزءاً لا يتجزأ من الهوية اليمنية.

جامع المظفر، باكورة الجوامع الرسولية في تعز، والذي شُيد بأمر من السلطان المظفر يوسف بن عمر بن رسول؛ حيث يتفرد بأسلوب معماري يمزج بين الفنون الإسلامية المحلية والتأثيرات الخارجية، مجسداً الرمزية الروحية لقلب المدينة التاريخي.

مبنى المتاحف والآثار، وهو معلم عثماني شيد عام 1890م كمستشفى عسكري، قبل أن يتحول عام 1902م إلى قصر للوالي العثماني، وصولاً إلى عهد الإمام أحمد الذي اتخذه مقراً للحكم تحت اسم “المقام الشريف”.

‹آثار اليمن›.. ذاكرة حية للحضارة الإنسانية
جامع ومدرسة المظفر التاريخي في مدينة تعز

يؤكد الدكتور سعيد إسكندر، أستاذ التاريخ الإسلامي ومدير مركز التراث بجامعة تعز، لـ “ريف اليمن”، أن هذا الإدراج يمثل خطوة نوعية تضع التراث اليمني على الخريطة الثقافية العالمية، مشيراً إلى أن تعز مثلت تاريخياً محوراً جغرافياً حيوياً يربط اليمن بالبحر الأحمر وخليج عدن.

وأضاف إسكندر أن ترشيح هذه المعالم يوثق الدور الريادي لتعز، لاسيما خلال حقبة الدولة الرسولية التي امتد نفوذها إلى الحجاز وشرق إفريقيا، ودعا إلى استكمال حصر وتوثيق بقية المعالم التاريخية في المحافظة، مثل مدينة المخا وجامع الجند وقلعة الدملوءة، لضمان تأهيلها وإدراجها الكامل ضمن القوائم الدائمة كذاكرة حية للحضارة الإنسانية.

حواضر شبوة وحضرموت

في محافظة شبوة شرقي اليمن، تبرز مدينة حبان كحلقة وصل تاريخية استراتيجية بين عتق وعزان؛ إذ تعود جذورها إلى دولة أوسان القديمة، ولعبت دوراً محورياً كمحطة رئيسية للقوافل التجارية القادمة من ميناء “قنا” التاريخي، وتكتنز المدينة معالم ضاربة في القدم، يتقدمها “بئر مبارك” وجامع حبان الكبير، اللذان يقفان شواهد على عمقها الحضاري.

أما في حضرموت، فقد شمل الإدراج معالم تعكس التنوع بين العمارة العسكرية والموروث الروحي: حصن مطهر: يقع جنوب مدينة تريم، ويُعد من أبرز القلاع العسكرية في المنطقة.

مرّ الحصن بتحولات سياسية كبرى؛ حيث تعود ملكيته الأساسية لآل مطهر اليافعيين، قبل أن يتحول في عام 1243هـ إلى قاعدة للدولة الأحمدية الناشئة، ثم انتقل إلى عهدة الدولة الكثيرية الثانية عام 1261هـ، وصولاً إلى الدولة القعيطية التي جعلت منه مركزاً جمركياً ونقطة تفتيش حيوية. ويُجسد الحصن بجمال تصميمه وقوة بنيانه نموذجاً رفيعاً لفن العمارة الدفاعية الحضرمية.

حصن مطهر جنوب تريم حضرموت ويُعد من أبرز القلاع العسكرية في المنطقة(أحمد باحمالة)

مزار النبي هود، ويقع شمال شرق مدينة سيئون في قرية تاريخية، ويُعد واحداً من أهم المواقع الأثرية والروحية، ويضم الموقع شبكة من القباب والأسواق التقليدية، إلى جانب أضرحة لعدد من أعلام الصوفية، مما جعل منه مركزاً لطقوس دينية وزيارات سنوية تعكس الامتداد الثقافي والروحي الفريد لهذا الموقع في الوجدان اليمني.

الدان الحضرمي

يُعد “الدان الحضرمي” أحد أعرق أشكال التعبير الشعبي في حضرموت، وهو فن يقوم على الأداء الجماعي في جلسات فنية مفتوحة تتسم بالعفوية والارتباط الوثيق بالبيئة. وتُرجع المصادر التاريخية ظهور هذا الفن إلى القرن العاشر الميلادي، مستشهدة بأشعار الفقيه عمر عبدالله بامخرمة (المتوفى عام 1545م)، الذي وظّف مفردة “الدان” ومشتقاتها في قصائده، مما يؤكد جِذر هذا الفن الضارب في التاريخ.

ويُؤدى “الدان” في المناسبات الاجتماعية والمجالس الثقافية كمنصة لتبادل المساجلات الشعرية وفق ألحان مميزة تعكس الوجدان الجمعي والهوية المحلية، مما جعله وسيلة حيوية لنقل التراث الشفهي عبر الأجيال.

يؤكد مدير عام الهيئة العامة للمتاحف والآثار بمحافظة حضرموت، رياض باكرموم، أن إدراج مواقع يمنية جديدة وفن “الدان” ضمن قائمة الحماية المعززة في نهاية عام 2025 هو ثمرة جهود دبلوماسية وفنية مكثفة.

وأوضح أن هذه القائمة تمثل “أعلى مستويات الحماية الدولية”، وتوفر حصانة للممتلكات الثقافية لاسيما في أوقات النزاعات، مما يعزز من حضورها وصونها على المستوى العالمي.

كما أشار باكرموم إلى أن ما أُدرِج حتى الآن لا يشكل سوى جزء يسير من كنوز اليمن الأثرية، لافتاً إلى أن حضرموت تمتلك إرثاً حضارياً وتنوعاً جيولوجياً يؤهلها لاحتضان مواقع إضافية ضمن قائمة التراث العالمي الطبيعي والثقافي.

آثار اليمن في قائمة التراث العالمي: ذاكرة الحضارة تحت الحماية الدولية
مدينة حبان التاريخية

واعتبر اعتماد “الدان الحضرمي” ضمن قائمة التراث غير المادي “خطوة تاريخية طال انتظارها” تعكس خصوصية الموروث الحضرمي وأهميته الكونية، مثمناً في الوقت ذاته جهود الكوادر الفنية والدور المحوري لسفير اليمن لدى اليونسكو، الدكتور محمد جميح، في تحريك هذا الملف الذي يمثل بداية لمسار طويل يليق بعراقة الحضارة اليمنية.

من جانبه، كشف جميح في ختام حديثه لـ “ريف اليمن”، عن توجهات مستقبلية طموحة؛ إذ يجري العمل حالياً على إعداد ملف مدينة عدن بالتعاون بين الهيئة العامة للآثار ومحافظة عدن، معرباً عن أمله في أن تكون عدن المدينة اليمنية القادمة التي تنضم للقائمة التمثيلية للتراث العالمي، بما تمتلكه من معالم تاريخية وحضارية فريدة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية