المنصات الرقمية وإعادة تشكيل الدماغ
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم يعد استهلاك المحتوى العاطفي اليوم تجربة بريئة أو مُحايدة كما كان يُفترض سابقًا. إذ لم نعد نشاهد فيلمًا أو مقطعًا فقط، بل ندخل في علاقة مع منظومة كاملة تُدير زمننا، انتباهنا، واستجاباتنا الشعورية. الفارق الجوهري لم يعد في طبيعة القصّة، بل في البنية التي تُقدَّم من خلالها، وفي الإيقاع الذي يُفرض على الدماغ. من هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يُحدث المحتوى العاطفي التأثير نفسه عندما نستهلكه عبر فيلم طويل على منصّة نتفليكس أو عبر مقاطع مُتلاحقة لا تنتهي على منصّة تيك توك؟ الظاهر أنّه لا، والسبب لا يتعلّق بالذوق أو الجيل، بل بكيفية اشتغال الدماغ نفسه. تقوم المنصات السردية الطويلة، مثل نتفليكس أو السينما التقليدية، على منطق الانغماس الممتد. فالمُشاهد يدخل تدريجيًا في عالم قصصي مُتماسك، حيث الزمن متصل، والعاطفة تُبنى ببطء، والمعنى يتكشّف عبر التراكم. هذا النوع من المُشاهدة يخدم وظيفة نفسية معروفة تتمثّل بإدارة المزاج والهروب المؤقّت من ضغط الواقع، ويمنح الدماغ فرصة لمعالجة المشاعر داخل إطار سردي واضح. غير أنّ هذا الانغماس له كلفة غير مرئية؛ فالمعالجة العاطفية العميقة تستهلك قدرًا كبيرًا من الموارد المعرفية. الدماغ، الذي يعمل بميزانية طاقة محدودة، يخصّص جزءًا كبيرًا من ذاكرته العاملة وقدرته على التحكّم التنفيذي لمتابعة الحبكة، فهم الدوافع، واستيعاب المشاعر المُتشابكة. بعد جلسة مشاهدة طويلة، لا يشعر الفرد بالانهيار، بل بما يمكن وصفه بخمول ذهني ناعم: بطء في التركيز، تراجع مؤقّت في المرونة العقلية، وشعور بأنّ الذهن مُمتلئ أكثر من اللازم. في المقابل، تفرض منصّات الفيديو القصير منطقًا مختلفًا تمامًا. هنا لا يوجد زمن سردي، بل وحدات شعورية منفصلة، سريعة، ومتقلّبة. ينتقل الدماغ في ثوانٍ من الضحك إلى الصدمة، ومن الدهشة إلى الحزن، من دون أيّ فرصة للمعالجة أو الاستيعاب. هذا النمط يبقي الجهاز العصبي في حالة استثارة مستمرّة، ويمنع الوصول إلى حالة التوازن التي تسمح بالاستقرار العاطفي. مع التكرار، لا يتجه الدماغ إلى الإرهاق، بل إلى التكيّف الدفاعي. يبدأ في تخفيض استجابته للمُحفّزات، ليس لأنّه أصبح أكثر وعيًا، بل لأنّه لم يعد قادرًا على تحمّل هذا السيل من الإثارات المُتناقضة. النتيجة ليست التعب، بل نوع من التبلّد التدريجي، حيث يضعف التعاطف، يتشتّت الانتباه، ويصبح من الصعب الحفاظ على تركيز طويل أو اهتمام عميق. بعد جلسة مشاهدة طويلة، لا يشعر الفرد بالانهيار، بل بما يمكن وصفه بخمول ذهني ناعم: بطء في التركيز، تراجع مؤقّت في المرونة العقلية هذا الاختلاف في التأثير يمكن فهمه بشكل أوضح عند النظر إلى الصراع الداخلي بين أنظمة الدماغ. فالعقل لا يعمل على أنه وحدة واحدة، بل عبر توازن هشّ بين نظام عاطفي سريع، مسؤول عن الاستجابات الفورية، ونظام عقلاني أبطأ، مسؤول عن التحليل وضبط السلوك. المحتوى العاطفي المكثّف، خصوصاً عندما يكون سريع الإيقاع ومُتغيّرًا باستمرار، يرجّح كفّة النظام العاطفي على حساب النظام العقلاني. لا يحدث هذا بشكل درامي، بل تدريجيًا، حيث تتراجع القدرة على التريّث والتفكير المُتأني، ويصبح اتخاذ القرار أكثر اندفاعًا وأقل اتزانًا، حتى خارج سياق المشاهدة نفسها. يُضاف إلى ذلك دور الدوبامين، الذي يُساء فهمه غالبًا باعتباره هرمون المتعة. في الواقع، الدوبامين يرتبط بالتوقّع والرغبة أكثر من الإشباع. منصّات المحتوى القصير تبني تجربة قائمة على الترقّب المستمر لما هو قادم، على وعد غير مكتمل بمقطع أفضل أو أكثر إثارة. هكذا يدخل الدماغ في حلقة سعي لا تنتهي، حيث يرتفع التوتّر التحفيزي من دون أن يصل إلى إشباع حقيقي. على العكس من ذلك، يسمح السرد الطويل بإشباع متأخّر، وبنهاية عاطفية تمنح الدماغ إحساسًا بالإغلاق والمعنى، حتى لو كان الثمن إرهاقًا مؤقّتًا. لم يعد السؤال: ماذا نشاهد؟ بل أيّ نوع من العقول نُدرّب أنفسنا على امتلاكه في هذا العصر الرقمي المتسارع؟ الأثر لا يتوقّف عند حدود الانتباه، بل يمتدّ إلى طريقة اتخاذ القرار. وفق إطار العاطفة باعتبارها معلومة، يستخدم العقل المشاعر الحالية كمؤشّرات سريعة للحكم على الواقع. عندما ينتهي الفرد من حضور فيلم حزين أو محتوى سوداوي، قد يحمل معه هذا الشعور إلى حياته اليومية من دون وعي، فيُصبح أكثر حذرًا، أقل استعدادًا للمجازفة، وأكثر تشاؤمًا في تقييمه للخيارات. المشكلة أنّ الدماغ لا يميّز دائمًا بين مشاعر نشأت من قصّة خيالية، وأخرى نابعة من الواقع الفعلي. هكذا يحدث ما يمكن تسميته بالترحيل العاطفي، حيث تواصل المشاعر التي وُلدت على الشاشة توجيه السلوك بعد إطفائها. الفرق الأعمق بين النمطين لا يتعلّق فقط بالاستجابة اللحظية، بل بالذاكرة والهُويّة. السرد الطويل يساهم في بناء ذاكرة مُتماسكة، ويمنح التجربة شكلًا يمكن استدعاؤه وربطه بالذات عبر الزمن. أمّا المحتوى المُجزّأ، فرغم كثافته، نادرًا ما يترك أثرًا سرديًا واضحًا. يُستهلك بسرعة، ثم يختفي، من دون أن يتحوّل إلى معنى أو ذكرى. ومع الوقت، لا يتغيّر فقط ما نشاهده، بل الطريقة التي نتذكّر بها أنفسنا وتجاربنا. في النهاية، لا يتعلّق الأمر بمفاضلة أخلاقية بين منصّتي نتفليكس وتيك توك، ولا بإدانة منصّة بعينها. نحن أمام نمطين مُختلفين لإدارة الانتباه والعاطفة، لكلّ منهما أثره العصبي والنفسي. المشكلة الحقيقية تبدأ حين نفقد الوعي بهذه الآليات، وحين نترك خوارزميات مُصمّمة لاستخراج الانتباه تقرّر إيقاع عقولنا نيابة عنا. السؤال إذن لم يعد: ماذا نشاهد؟ بل أيّ نوع من العقول نُدرّب أنفسنا على امتلاكه في هذا العصر الرقمي المتسارع؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية