بروتوتاكسيتس... كائن عملاق منقرض يعيد رسم تاريخ الحياة
عربي
منذ 5 ساعات
مشاركة
أكد علماء أن أحفورة عملاقة عُثر عليها في اسكتلندا تعود إلى نحو 370 مليون سنة تمثّل شكلاً جديداً بالكامل من أشكال الحياة لا ينتمي إلى النباتات ولا الفطريات ولا أي مجموعة معروفة، ما يفتح فصلاً جديداً في فهم تطوّر الكائنات المعقّدة على الأرض. ويُعرف هذا الكائن باسم "بروتوتاكسيتس" (Prototaxites)، وكان يبدو كجذع شجرة خشبية ضخمة بلا أوراق أو فروع، ويصل ارتفاعه إلى نحو ثمانية أمتار، ما جعله أضخم كائن بري معروف في عصره. الدراسة الجديدة، التي أجرتها جامعة إدنبرة بالتعاون مع المتاحف الوطنية في اسكتلندا، حلّلت التركيب الكيميائي والتشريحي لأحفوريات محفوظة في رواسب صخرية استثنائية تُعرف باسم "رايني تشيرت" (Rhynie chert) في شمال شرق اسكتلندا، وهي طبقة رسوبية تعود إلى نحو 407 ملايين عام وتُعد من أهم مواقع الأحافير في العالم لما تتميز به من حفظ دقيق للكائنات القديمة. وقال الباحث في المتاحف الوطنية الاسكتلندية والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، ساندي هيذرينغتون، إن هذه الكائنات "تمثل حياة، ولكن ليس كما نعرفها اليوم"، وأوضح أنها تمتلك خصائص تشريحية وكيميائية تختلف جذرياً عن النباتات والفطريات، ما يضعها ضمن فرع تطوري منقرض بالكامل من حقيقيات النوى، أي الكائنات الحية ذات الخلايا المعقّدة التي تحتوي على نواة حقيقية، مثل النباتات والحيوانات والفطريات. لغز علمي لأكثر من قرن ونصف قرن اكتُشفت أحافير "بروتوتاكسيتس" لأول مرة عام 1843، واعتقد العالم الكندي جيه. دبليو. داوسون عام 1857 أنها بقايا أشجار مخروطية متحللة. ومنذ ذلك الحين، انقسم العلماء حول طبيعتها، فاعتبرها بعضهم فطريات عملاقة، بينما اقترح آخرون أنها طحالب ضخمة أو أشنات أو نباتات بدائية. غير أن دراسات لاحقة أظهرت أنها لا تعتمد على البناء الضوئي مثل النباتات، ولا تبدو أنها عاشت في علاقة تكافلية كما تفعل الأشنات، كما أنها لا تمتلك شبكة فطرية تحت الأرض كافية لدعم حجمها الهائل، ما أبقى موقعها على "شجرة الحياة" لغزاً علمياً لأكثر من 165 عاماً. بنية داخلية معقّدة كشفت الدراسة الحديثة أن جسم "بروتوتاكسيتس" كان يتكوّن من شبكة معقّدة من الأنابيب المجهرية بثلاثة أنواع مختلفة الأحجام والسماكات. وتشكل الأنابيب الدقيقة نحو 75% من بنيته، فيما تمثل الأنابيب المتوسطة نحو 20%، والأنابيب الكبيرة ذات الجدران السميكة والحلقات الداخلية نحو 5%. وتُشبه هذه الحلقات الأوعية الناقلة في النباتات الحديثة، ما يشير إلى وظيفة محتملة في نقل الماء والمغذيات أو دعم البنية الهيكلية للكائن. كما رصد الباحثون ما يُعرف بـ"البقع النخاعية"، وهي مناطق داخلية كثيفة من الأنابيب المتشابكة، يُعتقد أنها كانت تؤدي وظائف شبيهة بتبادل الغازات أو نقل المغذيات، في دليل على مستوى متقدم من التنظيم الحيوي لم يكن معروفاً في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الحياة البرية. واعتمد الفريق البحثي على تقنيات تحليل متقدمة، بينها التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، والمجهر الليزري متحد البؤر، وإعادة البناء ثلاثي الأبعاد، إضافة إلى نماذج تعلم آلي لمقارنة البصمة الجزيئية للأحفورة مع بصمات فطريات ونباتات وكائنات أخرى محفوظة في الموقع نفسه. وأظهرت النتائج أن تركيبها الكيميائي يختلف جذرياً عن الفطريات والنباتات، إذ لم يُعثر على مركبات مثل الكيتين، وهي المادة الأساسية في جدران خلايا الفطريات، ما يقوّض فرضية أنها فطر عملاق ويعزز فكرة أنها تمثل سلالة تطورية مستقلة انقرضت بالكامل. وقالت الباحثة المشاركة لورا كوبر من معهد علوم النبات الجزيئية في جامعة إدنبرة إن الجمع بين تحليل الكيمياء والتشريح "يُظهر أن بروتوتاكسيتس لا يمكن وضعه ضمن مجموعة الفطريات"، وأضافت أنه يمثل "تجربة مستقلة للحياة في بناء كائنات كبيرة ومعقّدة، وهي تجربة لم تستمر في التاريخ التطوري". "بروتوتاكسيتس" أول كائن عملاق على اليابسة وفقاً للدراسة المنشورة في مجلة سَينس أدفانسز العلمية المحكّمة في 21 يناير/كانون الثاني الحالي، يعود "بروتوتاكسيتس" إلى الفترة الممتدة بين العصر السيلوري المتأخر والعصر الديفوني المتأخر (قبل 420 إلى 370 مليون سنة)، وهي مرحلة شهدت تحولات كبرى عندما بدأت النباتات والحيوانات تستعمر اليابسة. ويُعتقد أنه كان أول كائن عملاق يعيش على اليابسة، متفوقاً حجماً على النباتات البدائية والحيوانات الصغيرة التي كانت قد بدأت بالظهور آنذاك. وتشير الأدلة الأحفورية إلى أن هذا الكائن لعب دوراً بيئياً مهماً في النظم البرية الأولى، إذ وُجدت آثار تشير إلى تغذي مفصليات الأرجل المبكرة عليه، ما يجعله أحد أوائل مصادر الغذاء للكائنات البرية الناشئة وربما ساهم في تكوين التربة وبنية البيئات البرية البدائية. ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلّط الضوء على مسارات تطورية لم تنجُ إلى العصر الحديث، ويظهر أن الحياة على الأرض جرّبت بناء كائنات معقّدة عبر مسارات تطورية متعددة، لم ينجُ منها سوى بعض الفروع المعروفة اليوم مثل النباتات والحيوانات والفطريات. ويشير العلماء إلى أن فهم طبيعة "بروتوتاكسيتس" ضروري لإعادة بناء صورة انتقال الحياة من البحار إلى اليابسة، وهي واحدة من أهم المراحل في تاريخ الكوكب. ويقول الفريق البحثي إن هذه الأحفورة تمثل دليلاً على أن "شجرة الحياة" كانت أكثر تنوعاً في الماضي مما توحي به الكائنات المعاصرة، وأن عدداً كبيراً من السلالات المعقّدة ظهر ثم اختفى من دون أن يترك ورثة أحياء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية