عربي
جاءت عملية استعادة منطقة الجزيرة السورية بمحافظاتها الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، لتفتح أفقاً جديداً أمام التحول الكبير الذي بدأ بإسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024. وقد كان بقاء هذه المحافظات خارج سلطة الدولة مسألة تؤرق حكام دمشق الجدد لسببين. الأول الخوف من انفصال المنطقة التي تشكل قرابة 40% من مساحة سورية، وتحولها إلى مركز ثقل سوري ثان، وملاذ سياسي وعسكري، يؤوي كل أعداء النظام الجديد من فلول وأتباع للشيخ حكمت الهجري، وجميع الذين يعملون ضد الحكم. والسبب الثاني هو أن المنطقة هي خزان الثروات الذي لا يمكن لبقية أنحاء سورية أن تعيش من دونه. تحوز الجزيرة السورية على النفط، والغاز والحبوب والقطن. وقال الرئيس السوري أحمد الشرع إن سورية خسرت العام الماضي حوالي 22 مليار دولار بسبب حرمان الدولة من دخول المنطقة، وحرمان الخزينة الرسمية من عائداتها. وفي حسابات الخبراء تشكل منطقة الجزيرة السورية صمّام أمن الغذاء والطاقة في سورية، ومن دون عودتها للدولة ستبقى تعتمد على استيراد النفط والغاز والقمح من الخارج، عدا عن أن بقاء هذه العوائد في يد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) يحولها إلى سلاح ضد الدولة.
استعادة الجزيرة السورية
كان واضحاً أن الهدف الثاني، بعد تثبيت وضع النظام في دمشق، وترتيب علاقاته الخارجية، هو استعادة منطقة الجزيرة السورية. وقد عملت السلطة الجديدة على ذلك بطرق مختلفة، وأعطت للمفاوضات مع "قسد" وقتاً كافياً، لم يتكلل بتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/آذار 2025، قبل أن تتخذ قرارها النهائي باللجوء إلى القوة العسكرية. وما كان لهذا الطموح الكبير أن يتحقق لو لم تأمن الحكومة عدم تدخل إسرائيل، وتأخذ من الولايات المتحدة الضوء الأخضر، بوصفها حليف "قسد" منذ تأسيسها في عام 2015 لمحاربة تنظيم داعش، وممولتها، وآخر مبالغ التمويل كان 130 مليون دولار لعام 2026.
يظلّ العامل الأساسي هو التحول الأميركي تجاه "قسد"
ونجحت السلطة السورية في تحييد إسرائيل، وكسب جانب أميركا. وبقي عليها اختيار التوقيت المناسب للعملية العسكرية. وكانت كواليس دمشق في الشهر الأخير من العام الماضي، تعطي احتمال استعادة الجزيرة السورية بالقوة نسبة 50%. وجاءت أحداث أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد في حلب في السادس من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، لترفع العدّاد بقوة كبيرة، خصوصاً أن ردة الفعل الشعبية المؤيد لها كانت ساحقةً نتيجة للإدارة المهنية لها، وفشل "قسد" بإخراج عناصر مسلحة تابعة لها داخل أحياء مدنية في حلب، العاصمة الاقتصادية للدولة، وضمن نطاق جغرافي حساس يتحكم بالطرق الأساسية، ويشرف على المناطق الصناعية الكبرى.
أدى ضعف حجج "قسد" وأداؤها المتعثر في حلب دوراً أساسياً في تمهيد الطريق أمام قوات الحكومة للتقدم نحو شرق المدينة، لتأمينها من الطائرات المسيرة والقصف المدفعي المتواصل من منطقتي مسكنة ودير حافر، حيث يقع أيضاً عدد من محطات تغذية محافظة حلب بالكهرباء من سد تشرين، ومياه الشرب من نهر الفرات. واستخدمت الحكومة التكتيك نفسه الذي اتبعته في عملية "ردع العدوان" التي قامت بها "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) والفصائل الموالية في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. حينذاك كان الاعتقاد أن هدف العملية العسكرية هو دخول ريف حلب من أجل تأمين ريف إدلب، ولكنها استمرت نحو حلب المدينة، ومنها اتجهت نحو دمشق، مستفيدة من عنصري التمويه والمفاجأة. وجرى استنساخ الأسلوب نفسه لدى دخول دير حافر ومسكنة من دون قتال، وبوساطة أميركية بذريعة تأمين حلب، ومن ثم انتقلت قوات الجيش السوري نحو مدينة الطبقة لتسيطر على سد الفرات الاستراتيجي. وساد الظن أن هذه القوات ستتوقف في مناطق غرب نهر الفرات، الذي يفصل المنطقة إلى قسمين، الجزيرة السورية وتلك الشامية، حيث تقع المحافظات الثلاث، لكنها، بسرعة شديدة، عبرت الفرات واستعادت النصف الثاني من دير الزور وكامل الرقة، واتجهت نحو ريف الحسكة، وسيطرت على مساحات شاسعة بين مدينتي مركدة والشدادي، وتوقفت هناك قبل أن تكمل نحو أجزاء أخرى من شرق الفرات، ومنها ما يقع قرب نهر دجلة على الحدود مع العراق، كما هو الحال في معبر اليعربية في ريف مدينة القامشلي.
يُعزى التقدم السريع للقوات الحكومية إلى ثلاثة عوامل. العامل الأول هو قرار بتغطية أميركية ودعم دول عربية وإقليمية وازنة، والثاني مشاركة واسعة من العشائر العربية التي سيطرت على مناطقها قبل وصول الجيش، والثالث حصول انشقاقات واسعة من العرب في صفوف "قسد"، وعدم وجود خطة مواجهة لديها. ويبدو أن حساباتها لم تضع هذا السيناريو في عين الاعتبار، فهي لم تتوقع الهجوم الكبير الخاطف والمنسق، وكانت تعول على دور أميركي يمنع الحكومة من التقدم نحو الجزيرة السورية في ظلّ تقديرات بأن "قسد" ركنت إلى دعم إسرائيلي شبيه بما حصل في يوليو/تموز الماضي خلال أحداث السويداء، عندما تدخلت إسرائيل عسكرياً لمنع القوات الحكومية من دخول المدينة لإنهاء ظاهرة الشيخ الهجري.
ومهما يكن من أمر، يظلّ العامل الأساسي هو التحول الأميركي تجاه "قسد"، الذي بدأ منذ دخول الدولة السورية إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وزيارة الشرع إلى واشنطن في التاسع من نوفمبر الماضي، للتوقيع على هذا الانضمام. وبذلك باتت سورية العضو رقم 90 في التحالف الذي تَشكَّل بقيادة الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2014، الذي يضمّ دولاً أوروبية وعربية وتركيا وقبرص من دول الشرق الأوسط، ودولا آسيوية وأفريقية، وشركاء آخرين مثل الإنتربول، وحلف شمال الأطلسي "ناتو"، وجامعة الدول العربية. وكان واضحاً أن الانضمام سيساهم في حلّ مشكلة مناطق شمال شرقي سورية، وإعادة بسط سلطة الدولة، ونشر مؤسساتها فيها، وسيطرتها على حدودها الدولية. وستفقد "قسد" ميزة الشريك السوري الوحيد للتحالف، ونقل الشراكة للحكومة، وبالتالي نقل السلطة إليها، وتكليفها بإدارة ملفّ السجون والمخيمات التي تؤوي عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم، إضافة للعوائد الاقتصادية المهمة من الثروات الطبيعية.
تعد عملية استعادة الجزيرة السورية ناجحة عسكرياً وسياسياً، وزادت من رصيد الرئيس السوري داخلياً وخارجياً. أول نتيجة لها أنها أعادت توحيد الجغرافيا السورية، وأنهت مشاريع الانفصال والإدارة الذاتية واللامركزية السياسية، ولم تمنح الأكراد أكثر مما أعطاهم المرسوم الذي أصدره الشرع، من اعتراف بحقوقهم في المواطنة والخصوصية الثقافية والتربوية، وممارسة طقوسهم واحتفالاتهم الخاصة، واعتبار عيد النوروز عطلة رسمية. كما قطعت الطريق على المراهنين من الفلول في الساحل، وأتباع الشيخ الهجري على دعم "قسد" من أجل تشكيل كيانات انفصالية تهز استقرار الساحل والجنوب. وساهمت العملية في تعزيز السلطة اقتصادياً وبشرياً بانضمام ثلاث محافظات جديدة للدولة بعد أن بقيت تحت سيطرة "قسد".
على المستوى الخارجي برز الشرع رجلاً قوياً قادراً على الدخول في مواجهة مع قوة كانت ترفض التفاوض معه إلا بشروطها، واستمرت تماطل لعشرة أشهر، مراهنة على حصول تغيرات في الموقف الدولي تجاه حكمه، ولكن حصل العكس عندما قرر الدخول في مواجهة عسكرية مع "قسد"، التي كانت تقدم نفسها على أنها قوة عسكرية غير قابلة للانهزام. وقد تبين من خلال ردات الفعل الدولية، وفي طليعتها الأميركية، أن القبول الذي حازه الشرع جاء من قدرته على معالجة الملفات الصعبة بأقل الخسائر، ومنها توحيد سورية تحت سلطة حكومته، وتعهده بالتعاون مع الغرب بخصوص الملفات الأساسية فيما يتعلق بمواصلة الحرب على "داعش"، ومنع إيران من العودة إلى المنطقة.
برز الشرع رجلاً قوياً قادراً على الدخول في مواجهة
ملف السويداء يعود قريباً
جرى توجيه ضربة قاضية للفلول، لكن ملف السويداء لا يزال مفتوحاً، وتشير تقديرات سورية إلى أنه سيعاد فتحه في الفترة المقبلة، بوساطة أميركية، من أجل إعادة تفعيل اتفاق عمان الثلاثي الذي جرى توقيعه في سبتمبر الماضي بين سورية والأردن والولايات المتحدة، ورفضه الهجري في حينه. وترى أوساط سورية أن شرط بدء هذه العملية هو كف يد الهجري ومليشيات الحرس الوطني التابعة له. وفي حال جرى ذلك تبقى إسرائيل عقبة رئيسية، كونها تريد بقاء السويداء ضمن دائرة نفوذها، حتى في حال تم توقيع الاتفاق الأمني مع سورية، وهذه إحدى نقاط الخلاف الرئيسية.
تبدو بعض تجليات الصورة السورية الراهنة وتجلياتها، مرتبطة بتنازع النفوذين التركي والإسرائيلي في سورية، وهذا خاضع لمدى قدرة الولايات المتحدة على ضبط الإيقاع بينهما. وترى أوساط مراقبة أن ثقل واشنطن في عملية الجزيرة السورية ساهم في فرملة إسرائيل وحدّ من ميلها إلى جانب "قسد"، ويعزى جانب من حسم الإدارة الأميركية موقفها من "قسد" إلى مراعاة تركيا، التي تعد هذا التنظيم خطرا يهدد استقرارها، ولذلك كانت مواكبة لعملية وداعمة لها، وهناك من يجزم بأن تركيا أبلغت أميركا أنها ستواجه إسرائيل في حال تدخلت عسكرياً لصالح "قسد".
