عربي
على عتبات الدرج العظيم في المتحف المصري الكبير، وقفت هالة، المواطنة اللبنانية وزوجها الذي يحمل الجنسية الألمانية، أمام كل قطعة أثرية، لتقرأ ما بجوارها من معلومات مدوّنة تشير إلى اسم القطعة ومعطيات أولية عنها. اتّبعت هذا الأسلوب منذ دخولها المتحف، وحتى وصولها إلى أعلى الدرج العظيم، الذي ينتهي بمشهد بانورامي ساحر أمام الأهرام الثلاثة.
وبعد استراحة في أحد مقاهي المتحف، تابعت هالة برفقة زوجها استكشاف محتويات القاعات، غير أنّها أُنهكت بعد المجهود الذي بذلته منذ لحظة وصولها، مروراً بالطوابير الطويلة أمام بوابات الزائرين، وصولاً إلى بهو المتحف ودرجه الساحر.
يضمّ المتحف المصري الكبير، الذي افتُتح رسمياً في مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، ما يزيد على 100 ألف قطعة أثرية تحكي حقباً مختلفة من التاريخ المصري القديم، في سيناريو عرض متحفي يعتمد على التقنيات الحديثة. وتقول هالة لـ"العربي الجديد" إنّ المتحف رائع وضخم ويليق بالضجة الواسعة حوله، ولكن تنقصه الكثير من التفاصيل الهامّة، مثل كتيّبات استرشادية، وخرائط تفصيلية لساحات المتحف وقاعاته ومقتنياتها، أو على الأقل، اعتماد رمز الاستجابة السريع "كيو آر كود"، بديلاً للكتيّبات والخرائط، بحيث يكون مُتاحاً في مكتب الاستعلامات القريب من بوابات الدخول، على غرار "كيو آر كود" شبكة الاتصال بالإنترنت.
فقد أدّى غياب أي كتيّب استرشادي أو خريطة تفصيلية لقاعات المتحف، إلى اضطرار هالة إلى التوقف طويلاً أمام كل قطعة أثرية من أجل شرح التفاصيل لزوجها. وعلى الرغم من أنهما كانا يرغبان بشدة في زيارة قاعة مقتنيات الملك توت عنخ آمون، إلا أن ضيق الوقت والمجهود الذي بذلاه منذ بداية رحلتهما في المتحف، استحوذ على جزء كبير من طاقتيهما، لذا اضطرّا إلى المرور بقاعة توت عنخ آمون سريعاً قبل مغادرة المتحف، على أمل العودة مرة أخرى، قبل انتهاء زيارتهما السياحية لمصر. لكن مرور وفد ألماني يصحبه مرشد سياحي، أتاح لهالة وزوجها الاستمتاع نوعاً ما بقاعات عرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون، إذ كانا يلحقان بالوفد من حين إلى آخر، كي يحظَيا بمزيد من الشرح والتفاصيل في غياب الكتيّبات والخرائط.
وبحسب هالة وزوجها، فإنّ المتحف يستدعي أكثر من زيارة، ليس فقط بسبب كبر حجمه واتّساع مساحاته، ولكن أيضاً لأهمية مقتنياته. وقد عبّرا عن دهشتهما إزاء أدق التفاصيل التي وثّقها التاريخ الفرعوني، ما يؤكد أنها تحتاج أكثر من زيارة، لإعطاء كل قطعة أثرية حقها في التأمل والاستكشاف.
ويتّفق مع هذا الرأي كلّ من أحمد وخطيبته اللبنانية سوزان، إذ قالا لـ"العربي الجديد" إنّ "يوماً واحداً لا يكفي لزيارة متأنّية ومتعمّقة للمتحف، بل تلزمه أكثر من زيارة"، وربَطا ذلك بغياب الكتيّبات والخرائط، وحتى غياب المعلومات بشكل سلس. مع العلم، أن المتحف المصري الكبير يمتدّ على مساحة تصل إلى 500 ألف متر مربع.
يبدأ مسار الزائر عبر ساحة الدخول الأساسية، وهي ميدان المسلة المصرية بمساحة 27 ألف متر مربع، حيث يرى أمامه الواجهة المهيبة للمتحف "حائط الأهرامات" بعرض 600 متر وارتفاع يصل إلى 45 متراً، يدلف منها الزائر إلى داخل المبنى الذي يتألف من كتلتين رئيسيتين هما؛ مبنى المتحف المصري الكبير إلى يساره (جهة الجنوب)، ومبنى المؤتمرات إلى يمينه (جهة الشمال)، ويربط بينهما بهو المدخل حيث يقبع تمثال الملك رمسيس العظيم، بحسب المعلومات المتاحة على الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية المصرية.
ويضيف أحمد: "بعد مرورنا بتمثال رمسيس الثاني الذي يستقبل زوّار المتحف في البهو الكبير، حرصنا على سؤال المنظمين عن مكان قناع الملك توت عنخ آمون، فجاءت الإجابات سريعة وخاطفة: آخر السلم على اليسار، أو قاعة 7، أو ضمن القاعات في الطبقة العلوية"، ما أجبرهما على التوقف بعد كل مسافة لسؤال المنظمين مجدداً، حتى تمكنا أخيراً من الوصول إلى قاعة الملك توت عنخ آمون.
بدورها، تشيد خطيبته سوزان باتّساع مساحة المتحف، وبتداخل عناصر الماء والحجر في تفاصيله، مثل مجرّات المياه المتدرجة في الخارج، أو المياه المحيطة بتمثال رمسيس الثاني، ما يعكس صورته فيها، أو النافورة الخارجية المقابلة لقاعات ترميم مركب الشمس "مركب خوفو". وتتمنّى لو أنّها خصّصت للمتحف زيارة طويلة ممتدة من بداية اليوم حتى آخره، لكنّها دمجت زيارة المتحف مع زيارة أهرامات الجيزة في اليوم نفسه، وقالت إنّهما التزما بتعليمات الزيارة المدوّنة على تذكرة الدخول، بتحديد ساعات الزيارة من الخامسة وحتى الثامنة مساءً.
أما المصرية التايوانية، وان أمنية، فإنّ أكثر ما أزعجها خلال زيارتها المتحف، "السماح للزوّار بالاقتراب أكثر من اللازم من القطع الأثرية، خصوصاً على الدرج العظيم، وفي القاعات المرقمة من واحد إلى ثمانية"، معتبرةً أن تعليمات المنظمين والعاملين بمنع الاقتراب الشديد، غير كافية، حفاظاً على المقتنيات، وعلى حق الجميع في الوقوف على مسافة واحدة من القطع الأثرية، والتمتع بمشاهدة تفاصيلها.
وفي حديث خاص لـ"العربي الجديد"، تشير وان إلى أنّها استجابت لنصيحة زوّار سابقين، بأهمية تخصيص يوم كامل لزيارة المتحف، وارتداء حذاء مريح، خصوصاً أنّ المكان عامر بالخدمات، مثل دورات المياه والمُصلّى والمطاعم والمتاجر، وساحات الانتظار والاستجمام وغيره، فاستطاعت أن تنظم يومها بالكامل في قاعات المتحف.
ووفقاً لموقع رئاسة الجمهورية، يبلغ عدد القطع الأثرية التي وُضعت على الدرج العظيم 42 قطعة من أصل 72 قطعة بالتصميم النهائي. ويبلغ عدد القطع الأثرية التي نُقلَت من مجموعة الملك توت عنخ آمون 5,340 قطعة، بينما يبلغ عدد القطع التي رُمِّمَت من "مركب خوفو الثانية" 1,240 من أصل 1,272 استُخرِجَت من موقع الاكتشاف، ونُقل 1,006 قطع إلى المتحف المصري الكبير. ويبلغ عدد القطع الأثرية التي نُقلت إلى المتحف الكبير 51,472 قطعة.
ويضمّ المتحف قاعات العرض الدائم على مساحة 18 ألف متر مربع، إلى جانب قاعات العرض المؤقت بمساحة خمسة آلاف متر مربع تشمل أربع قاعات للعروض المتغيرة. ويشتمل أيضاً على متحف الطفل بمساحة خمسة آلاف متر مربع يعتمد على الوسائط التفاعلية، وفصول الحِرف والفنون بمساحة 880 متراً مربعاً تضم خمسة فصول تعليمية، إضافة إلى قاعات مخصّصة لذوي القدرات الخاصة بمساحة 650 متراً مربعاً.
وفي الجانب البحثي، يحتوي المتحف على مخازن آثار بمساحة أربعة آلاف متر مربع تضم نحو 50 ألف قطعة مجهّزة للدراسة والبحث العلمي. ويكتمل ذلك بوجود المكتبة الرئيسية بمساحة 1,1 ألف متر مربع، إلى جانب مكتبة الكتب النادرة (250 متراً مربعاً) ومكتبة المرئيات (325 متراً مربعاً)، لتشكّل منظومة معرفية متكاملة تخدم الباحثين والمهتمين بالحضارة المصرية، بحسب موقع رئاسة الجمهورية.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 13 دقيقة