عربي
تواصل الهند استيراد النفط الروسي رغم تصاعد الضغوط الأميركية والعقوبات المفروضة على موسكو، في وقت لا يرى فيه كبار المشترين الهنود حافزاً اقتصادياً فعلياً للتخلي عن الخام الروسي منخفض الكلفة. وتزداد معضلة نيودلهي تعقيداً مع عودة شركة ريلاينس إندستريز المحدودة، أكبر شركة تكرير خاصة في البلاد، إلى سوق النفط الروسي، بعد أشهر من التراجع الحذر بفعل التهديدات الأميركية، وفق "بلومبيرغ".
تاريخياً، لم تكن الهند من كبار مستهلكي النفط الروسي، إذ لم تتجاوز وارداتها 2% من إجمالي الاستهلاك قبل عام 2022. إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا غيّر خريطة تجارة الطاقة العالمية، بعدما دفعت العقوبات الغربية موسكو إلى تقديم خصومات كبيرة على خام الأورال، ما جعله خياراً جذاباً لثالث أكبر مستورد للنفط في العالم. وخلال عام واحد، قفزت حصة النفط الروسي إلى نحو 45% من إجمالي واردات الهند النفطية، في واحدة من أسرع التحولات في أسواق الطاقة العالمية.
لكن هذا التوسع بدأ يواجه اختبارات سياسية في منتصف العام الماضي، عندما شدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب رقابته على العلاقات التجارية بين نيودلهي وموسكو، وفرض رسوماً جمركية إضافية إلى جانب عقوبات استهدفت اثنين من أكبر منتجي النفط في روسيا، في محاولة للضغط على الكرملين وتقليص موارده المالية. وأدّت تلك الإجراءات إلى تراجع مؤقت في مشتريات بعض المصافي الهندية، وسط توقعات بأن تنخفض الواردات الروسية إلى الصفر، غير أن هذه التوقعات لم تتحقق. فالاتفاق التجاري بين الهند والولايات المتحدة ما زال بعيد المنال، في حين تواصل موسكو تقديم خصومات سعرية تجعل نفطها أكثر تنافسية مقارنة بالإمدادات القادمة من الشرق الأوسط أو أفريقيا.
وبحسب "بلومبيرغ"، بينما فضّلت شركات أصغر، مثل هندوستان ميتال إنرجي ومصفاة مانغالور والبتروكيماويات، الانسحاب الكامل من السوق الروسية تحسباً للمخاطر، اتخذت مصافٍ كبرى موقفاً مختلفاً. فليس جميع المنتجين الروس خاضعين للعقوبات الأميركية، ما يسمح باستمرار جزء من التجارة بصورة قانونية. ولا تزال شركتا النفط الهندية (IOC) وبهارات بتروليوم (BPCL)، وهما من أكبر المصافي الحكومية، تواصلان شراء الخام الروسي غير الخاضع للعقوبات.
كما عادت شركة ريلاينس إلى السوق، بعد تسلّمها آخر شحنة في أواخر ديسمبر/كانون الأول، وبدأت مجدداً في تقديم طلبات لشراء شحنات من منتجين غير مدرجين على لوائح العقوبات. وفي موازاة ذلك، تعمل المصافي الهندية على تنويع مصادر الإمداد لتقليص المخاطر الجيوسياسية، إذ تسعى بهارات بتروليوم إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع منتجي الشرق الأوسط، في إشارة واضحة إلى رغبة نيودلهي بعدم تكريس الاعتماد طويل الأمد على روسيا.
ورغم هذا التوجه، تشير بيانات شركة تتبع الشحنات كبلر إلى أن واردات الهند من النفط الروسي قد تتراوح بين 1.2 و1.4 مليون برميل يومياً خلال يناير/كانون الثاني. ويرجّح مسؤولون في قطاع التكرير أن تكون الكميات الفعلية أقل من هذا الرقم، لكنها لن تنخفض إلى المستوى الذي تطمح إليه واشنطن، ولن تصل بأي حال إلى الصفر، في ظل استمرار الفارق السعري وغياب بدائل مماثلة من حيث الكلفة. وإلى أن يتم التوصل إلى اتفاق تجاري شامل مع الولايات المتحدة يعيد رسم هذا التوازن، تبقى المصالح الاقتصادية العامل الحاسم في قرارات مستوردي النفط الهنود.
أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا تشكيل أسواق الطاقة العالمية، بعدما أدت العقوبات الغربية إلى تحويل مسار جزء كبير من الصادرات الروسية من أوروبا إلى آسيا، ولا سيما الهند والصين. وبينما سعت الدول الغربية إلى فرض سقف سعري على النفط الروسي وتقليص عائداته، استفادت الاقتصادات الناشئة من الخصومات الكبيرة التي قدمتها موسكو للحفاظ على تدفق صادراتها.
وتواجه الهند، التي تستورد أكثر من 85% من احتياجاتها النفطية، معادلة معقّدة تجمع بين متطلبات أمن الطاقة، وضغوط السياسة الخارجية، وتوازن علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وروسيا. ومع استمرار تقلبات أسعار النفط عالمياً، وارتفاع الطلب المحلي، تظل الكلفة السعرية العامل الأكثر تأثيراً في قرارات نيودلهي، ما يجعل التخلي الكامل عن النفط الروسي خياراً مكلفاً اقتصادياً في المرحلة الحالية.
