مرضى غزة... آلام ووفيات بسبب نقص أجهزة التشخيص الطبي
عربي
منذ يوم
مشاركة
في وقت لا يستطيع الأطباء تشخيص حالات مرضية إلا بعد إجراء صور أشعة مقطعية، يفاقم تدمير الاحتلال الإسرائيلي هذه الأجهزة مشاكل المرضى في غزة ويتعايش بعضهم مع الألم أو يفارقون الحياة. لا تتوقف حركة سيارات الإسعاف أمام قسم الطوارئ في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة. تجلب مرضى وجرحى وتنقل آخرين إلى المستشفى الأهلي المعمداني أو مستشفى حمد للأطراف الاصطناعية فقط لإجراء صورة أشعة مقطعية (CT)، ثم إعادتهم إلى مجمع الشفاء الذي كان يضم ثلاثة أجهزة جرى تدميرها. وتفاقم هذه الأزمة معاناة المرضى والأطباء معاً، فالأطباء لا يستطيعون تشخيص حالات إلا بعد إجراء صور أشعة مقطعية عبر الأجهزة في حال توفرت. وفي بعض الحالات الطارئة، قد تتدهور حالة المرضى أو يتوفون بسبب عدم إجراء صور أشعة بسرعة. ونتيجة الضغط الكبير للحصول على صور أشعة مقطعية تدرج حالات غير طارئة في جدول انتظار قد تصل إلى شهر أو شهرين، ما يجعل المرضى يتعايشون مع الألم والمعاناة. إلى ذلك، توجد ثلاثة أجهزة أشعة مقطعية جنوبي القطاع، أحدها في مستشفى الأمل التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، والثاني في مجمع ناصر الطبي بخانيونس، والثالث في المستشفى الكويتي (وسط). أما خدمة التصوير بالرنين المغناطيسي فمفقودة بالكامل في قطاع غزة بعدما دمّر الاحتلال كل الأجهزة التسع. قدِم محمد مهنا إلى قسم الطوارئ في مستشفى الشفاء ليلاً بعدما سقط فجأة في دورة المياه إثر إصابته بدوار شديد أفقده القدرة على التركيز، ولم يستطع الأطباء تشخيص حالته بشكل مثالي حتى صباح اليوم التالي بعدما نقلته سيارة إسعاف إلى المستشفى المعمداني لإجراء صورة أشعة مقطعية أظهرت إصابته بنزيف في الدماغ أو كسر في الجمجمة. وكتب له الأطباء إذن خروج مع استمرار متابعة حالته مدة 48 ساعة، وطُلب منه البقاء في حالة راحة والتمدد على السرير. يروي مهنا لـ"العربي الجديد" حين كانت يتمدد على سرير الطوارئ قبل المغادرة: "شعرت بدوار شديد، وعندما سقطت وقعت على كرسي المرحاض الذي كُسر، وجئت إلى المستشفى بحالة صعبة، وانتظرت ساعات من الليل إلى الصباح بسبب عدم توفر جهاز تصوير أشعة مقطعية في المستشفى، وبقيت بين الألم والنوم طوال الليل". يومياً يُرسل مرضى وجرحى من مجمع الشفاء إلى المستشفى الأهلي المعمداني أو مستشفى حمد للأطراف الاصطناعية حيث تتوفر أجهزة أشعة مقطعية. ويُضطر أطباء الطوارئ في مجمع الشفاء إلى انتظار عودة المرضى قبل أن يتدخلوا. يقول طبيب الطوارئ فتحي عبيد لـ"العربي الجديد": "قبل أن يدمّر الاحتلال جهاز الأشعة المقطعية في المجمع، كانت تجرى الصور بين 15 و30 دقيقة، وخلال الحرب، كنا ننتظر ساعة أو ساعتين لإجراء صورة. أحياناً يتعطل الجهاز في المستشفى المعمداني أو مستشفى حمد، ونرسل المرضى إلى مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، ومستشفى ناصر في مدينة خانيونس (جنوب)، وتنسيق تحويل المرضى يومياً لإجراء صور أشعة عملية مرهقة تستنزف قدرات أجهزة الإسعاف أيضاً. أيضاً تتفاقم معاناة المرضى والمصابين في إجراء صور أشعة مقطعية في العيادات الخارجية التي تطبق نظاماً مجدولاً قد يجعل المرضى ينتظرون شهراً أو شهرين من أجل إجراء صور، مثل مرضى الأعصاب والغضاريف والأورام. وهم يدفعون 20 دولاراً للصورة الواحدة، أما صور الحالات الطارئة، فمجانية وتجرى بالتنسيق مع وزارة الصحة". يقول حاتم، نجل الحاج رياض جحا الذي انتظر شهراً لإجراء صورة أشعة في المستشفى المعمداني حيث عاد منهكاً، لـ"العربي الجديد": "واجهنا صعوبات كبيرة في إجراء صورة أشعة لوالدي المصاب بانسداد في الأمعاء علماً أن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص حالته بلا صورة أشعة". أما أحمد جحا الذي كان يرافق عمه رياض، فلم يستطع إجراء صورة أشعة مقطعية خلال شهرين، ما فاقم ألم الظهر والقدم الذي يعالجه بحقن ومسكنات فقط في انتظار وصول دوره لإجراء صورة أشعة تمهيداً للحصول على علاج مناسب. يقول لـ"العربي الجديد": "يزداد الألم كل يوم خصوصاً عند الوقوف أو المشي مسافة أو لفترة طويلة، ولن يستطيع الأطباء تشخيص حالتي وتقديم علاج مناسب إلا عندما أجري صورة أشعة". وتصبح مسألة الحصول على صورة أشعة في غرفة العناية المكثفة أكثر مأساوية، لأن بعض المرضى والجرحى لا يستطيعون تحمّل التنقل من مستشفى إلى آخر، ما يؤدي إلى وفاة بعضهم، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد" الطبيب المتخصص في الأمراض المعوية محمد سعد الذي يعمل في غرفة العناية بقسم الطوارئ بمشفى الشفاء. يضيف: "تسوء حالة مرضى بسبب التأخير والمكوث ساعتين خارج المستشفى، رغم أننا نرسلهم في حالة جيدة، ويتوفى بعضهم بسبب تأخر التدخل الطبي. وخلال بعض العمليات الجراحية، يستحيل التعامل مع مريض من دون إجراء صورة أشعة مقطعية لأن البديل هو بحث الطبيب في بطن المريض لتحديد مكان التدخل والعلاج، وهذا أمر غير ممكن. وفي حالات السكتات الدماغية، لا يمكن تحديد حصول نزيف أو جلطة إنسدادية إلا بواسطة الأشعة المقطعية، وبالتالي لا نستطيع إعطاء المريض أي شيء خوفاً من ارتفاع ضغط الدم". ويلفت إلى أن "عدم وجود جهاز تصوير أشعة في مستشفى يُطيل مكوث المرضى في أقسام الطوارئ، علماً أن مجمع الشفاء أصبح حالياً بديلاً لأربع مستشفيات أخرى مدمّرة، وصور الأشعة ضرورية لتخصصات كثيرة، خاصة لمرضى الأمراض الباطنية والجلطات الدماغية ومشاكل الرئة وأمراض الإنسدادات المعوية، وتحتاج تخصصات إلى صور عاجلة خلال ساعة أو ساعتين، وليست مجدولة لأسابيع". وتربط صور الأجهزة المقطعية بين مستشفيي الشفاء والمعمداني عبر نظام موصول بشبكة الإنترنت. وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، قال طبيب العظام عبد السلام الآغا: "مشكلات افتقاد تصوير الأشعة مركبة، فعندما ينجز الجريح أو المريض التصوير، يمكن عندها بدء مرحلة التشخيص الطبي، ثم ينتقل بعدها إلى أزمة عدم وجود العلاج الملائم، ويعيش المريض في بيئة غير مناسبة للاستشفاء في ظل عدم توفر أسرة المبيت داخل المستشفيات، ثم تستغرق الدورة العلاجية وقتاً أطول من اللازم، وقد يؤدي هذا إلى مضاعفات، ويجعل بعضهم عرضة لخطر الموت، أو الإعاقة الدائمة". وكان مستشفى الشفاء في غزة يضم جهازي رنين مغناطيسي وثلاثة أجهزة أشعة مقطعية دُمّرت كلها، وأيضاً أجهزة أشعة عادية تستخدم للعظام والرئة لم يبقَ منها إلا واحد على غرار أجهزة التصوير التلفزيوني الـ12، بحسب ما يوضح رئيس دائرة الأشعة الدكتور محمد مطر الذي يقول لـ"العربي الجديد": "فقِدت خدمة الرنين المغناطيسي في كل مستشفيات القطاع، وهي لا تقل أهمية عن أجهزة الأشعة المقطعية ولا غنى عنها وتحتاجها معظم التخصصات، كما أن تكلفة جهاز الرنين المغناطيسي أكبر من إنشاء مبنى طبي، إذ يقدر سعره بنحو مليوني دولار". ويوضح أيضاً أن المستشفى يحتاج إلى صور الأشعة العادية التي بقي منها جهاز قديم واحد، إضافة إلى جهاز آخر أحضر من المستشفى الأندونيسي. والأجهزة الموجودة تعادل 10% من تلك التي كانت متوفرة قبل الحرب، وقد حاول مهندسو مجمع الشفاء إصلاح الأجهزة بعدما انتشلت من تحت الأنقاض، لكن أعطالها كانت كبيرة، وبقيت غير صالحة للاستخدام". يتابع: "يحوّل مجمع الشفاء 40 حالة في المتوسط يومياً إلى مستشفى حمد للأطراف الاصطناعية أو المستشفى الأهلي المعمداني، وسبق أن وعدت منظمة الصحة العالمية بإدخال جهاز أشعة المقطعية توفر تمويله، لكن استمرار إغلاق معبر رفح يمنع ذلك. وسبق أن أدخلت وفود دولية أجهزة للتصوير التلفزيوني إلى غزة". وفي شأن بدائل خدمة تصوير "الرنين المغناطيسي"، يقول مطر: "تستخدم أجهزة تصوير الأشعة المقطعية أو التصوير التلفزيوني التي قد لا تسمح بتحديد تشخيص مناسب لمرضى يوصى بتحويلهم إلى الخارج بأمل السفر، خاصة مرضى الأجهزة العصبية والدماغ والعظام والأربطة الصليبية وحالات الأطراف والأطفال". يشار إلى أن مشكلات الأجهزة الطبية في غزة قديمة ومتكررة، وهي كانت تتناقص مع كل عدوان إسرائيلي في ظل تعطّل عدد منها بسبب التشغيل الزائد، أو لأنها تتلقى طاقة كهربائية غير مستقرة عبر المولدات في ظل انقطاع الكهرباء، إضافة إلى الأعطال الاعتيادية التي تستلزم صيانة دائمة، وتوفر قطع غيار بديلة. وفي ظل توافد أعداد كبيرة من الجرحى والكثير من حالات الطوارئ، لا يمكن العناية بالأجهزة في معظم الأوقات، خصوصاً أجهزة غرف العمليات".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية